فهرس الكتاب

الصفحة 6252 من 8321

وأما الوجه الثالث: في بيان استدلال القوم أن قالوا: إن قوله أحسن الحديث يقتضي أن يكون هو من جنس سائر الأحاديث كما أن قوله زيد أفضل الإخوة يقتضي أن يكون زيد مشاركًا لأولئك الأقوام في صفة الأخوة ويكون من جنسهم ، فثبت أن القرآن من جنس سائر الأحاديث ، ولما كان سائر الأحاديث حادثة وجب أيضًا أن يكون القرآن حادثًا .

أما الوجه الرابع: في الاستدلال أن قالوا: إنه تعالى وصفه بكونه كتابًا والكتاب مشتق من الكتبة وهي الاجتماع ، وهذا يدل على أنه مجموع جامع ومحل تصرف متصرف . وذلك يدل على كونه محدثًا والجواب: أن نقول نحمل هذا الدليل على الكلام المؤلف من الحروف والأصوات والألفاظ والعبارات ، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق ، والله أعلم .

المسألة الثانية: كون القرآن أحسن الحديث ، إما أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه أو بحسب معناه .

القسم الأول: أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه وذلك من وجهين: الأول: أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة الثاني: أن يكون بحسب النظم في الأسلوب ، وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر ، ولا من جنس الخطب . ولا من جنس الرسائل ، بل هو نوع يخالف الكل ، مع أن كل ذي طبع سليم يستطيبه ويستلذه .

القسم الثاني: أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى ، وفيه وجوه: الأول: أنه كتاب منزه عن التناقض ، كما قال تعالى: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا } [ النساء: 82 ] ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من المعجزات الوجه الثاني: اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل الوجه الثالث: أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جدًا .

وضبط هذه العلوم أن نقول: العلوم النافعة هي ما ذكره الله في كتابه في قوله: { والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير } [ البقرة: 285 ] فهذا أحسن ضبط يمكن ذكره للعلوم النافعة .

أما القسم الأول: وهو الإيمان بالله ، فاعلم أنه يشتمل على خمسة أقسام: معرفة الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء . أما معرفة الذات فهي أن يعلم وجود الله وقدمه وبقاءه . وأما معرفة الصفات فهي نوعان:

أحدهما: ما يجب تنزيهه عنه ، وهو كونه جوهرًا ومركبًا من الأعضاء والأجزاء وكونه مختصًا بحيز وجهة ، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة: ليس ولم وما ولا ، وهذه الأربعة المذكورة ، مذكورة في كتاب الله تعالى لبيان التنزيه .

أما كلمة ليس ، فقوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى: 11 ] وأما كلمة لم ، فقوله: { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص: 3 ، 4 ] وأما كلمة ما ، فقوله: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [ مريم: 64 ] ، { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت