فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 8321

المسألة الرابعة: قال القاضي: إن كان تعالى هو الخالق فيهم الدوام على ما هم عليه من الكفر ، فكيف يحسن ذمهم بهذه الطريقة ولو أن موسى عليه السلام خاطبهم فقالوا له: إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة والخالق في الحجارة انفجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكفر بخلق الإيمان فينا ، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجتهم عليه أوكد من حجته عليهم ، وهذا النمط من الكلام قد تقدم تقريرًا وتفريعًا مرارًا وأطوارًا .

المسألة الخامسة: إنما قال: { أَشَدُّ قَسْوَةً } ولم يقل أقسى ، لأن ذلك أدل على فرط القسوة ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة ، وقرىء «قساوة» وترك ضمير المفضل عليه لعدم الالباس كقولك: زيد كريم وعمرو أكرم . ثم إنه سبحانه وتعالى فضل الحجارة على قلوبهم بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع ، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع . فأولها: قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرىء: «وإن» بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة ، ومنها قوله تعالى: { وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } [ يس: 32 ] .

المسألة الثانية: التفجر التفتح بالسعة والكثرة ، يقال: انفجرت قرحة فلان ، أي انشقت بالمدة ومنه الفجر والفجور . وقرأ مالك بن دينار «ينفجر» بمعنى وإن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه الأنهار . قالت الحكماء: إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض ، فإن كان ظاهر الأرض رخوًا انشقت تلك الأبخرة وانفصلت ، وإن كان ظاهر الأرض صلبًا حجريًا اجتمعت تلك الأبخرة ، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهارًا . وثانيها: قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء } ، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عينًا لا نهرًا جاريًا ، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل ، وفي ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها ، وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري منه الأنهار ، وقد تقل ، وهؤلاء قلوبهم في نهاية الصلابة لا تندى بقبول شيء من المواعظ ولا تنشرح لذلك ولا تتوجه إلى الاهتداء وقوله تعالى: { يَشَّقَّقُ } أي يتشقق ، فأدغم التاء كقوله: { يَذَّكَّرُ } أي يتذكر وقوله: { ياأيها المزمل } [ المزمل: 1 ] ، { يا أيها المدثر } [ المدثر: 1 ] . وثالثها: قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله } .

واعلم أن فيه إشكالًا وهو أن الهبوط من خشية الله صفة الأحياء العقلاء ، والحجر جماد فلا يتحقق ذلك فيه ، فلهذا الإشكال ذكروا في هذه الآية وجوهًا . أحدها: قول أبي مسلم خاصة وهو أن الضمير في قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْهَا } راجع إلى القلوب ، فإنه يجوز عليها الخشية والحجارة لا يجوز عليها الخشية: وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة ، أقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين ، إلا أن هذا الوصف لما كان لائقًا بالقلوب دون الحجارة وجب رجوع هذا الضمير إلى القلوب دون الحجارة ، واعترضوا عليه من وجهين . الأول: أن قوله تعالى: { فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } جملة تامة ، ثم ابتدأ تعالى فذكر حال الحجارة بقوله: { وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار } فيجب في قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله } أن يكون راجعًا إليها ، الثاني: أن الهبوط يليق بالحجارة لا بالقلوب ، فليس تأويل الهبوط أولى من تأويل الخشية ، وثانيها: قول جمع من المفسرين: إن الضمير عائد إلى الحجارة ، لكن لا نسلم أن الحجارة ليست حية عاقلة ، بيانه أن المراد من ذلك جبل موسى عليه السلام حين تقطع وتجلى له ربه ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك ، وهذا غير مستبعد في قدرة الله ، ونظيره قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت