فهرس الكتاب

الصفحة 687 من 8321

[ البقرة: 6 ] حكم على كل الذين كفروا أنهم لا يؤمنون ، ثم إنا شاهدنا قومًا منهم قد آمنوا فعلمنا أنه لا بد من أحد الأمرين: إما لأن هذه الصيغة ليست موضوعة للشمول أو لأنها وإن كانت موضوعة لهذا المعنى إلا أنه قد وجدت قرينة في زمان الرسول A كانوا يعلمون لأجلها أن مراد الله تعالى من هذا العموم هو الخصوص . وأما ما كان هناك فلم يجوز مثله ههنا؟ سلمنا أنه لا بد من بيان المخصص ، لكن آيات العفو مخصصة لها والرجحان معنا لأن آيات العفو بالنسبة إلى آيات الوعيد خاصة بالنسبة إلى العام والخاص ، مقدم على العام لا محالة ، سلمنا أنه لم يوجد المخصص ولكن عمومات الوعيد معارضة بعمومات الوعد ، ولا بد من الترجيح وهو معنا من وجوه ، الأول: أن الوفاء بالوعد أدخل في الكرم من الوفاء بالوعيد ، والثاني: أنه قد اشتهر في الأخبار أن رحمة الله سابقة على غضبه وغالبة عليه فكان ترجيح عمومات الوعد أولى . الثالث: وهو أن الوعيد حق الله تعالى والوعد حق العبد ، وحق العبد أولى بالتحصيل من حق الله تعالى ، سلمنا أنه لم يوجد المعارض ولكن هذه العمومات نزلت في حق الكفار ، فلا تكون قاطعة في العمومات ، فإن قيل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، قلنا: هب أنه كذلك ، ولكن لما رأينا كثيرًا من الألفاظ العامة وردت في الأسباب الخاصة ، والمراد تلك الأسباب الخاصة فقط علمنا أن إفادتها للعموم لا يكون قويًا ، والله أعلم .

أما الذين قطعوا بنفي العقاب عن أهل الكبائر فقد احتجوا بوجوه . الأول: قوله تعالى: { إِنَّ الخزى اليوم والسوء عَلَى الكافرين } [ النحل: 27 ] وقوله تعالى: { إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى } [ طه: 48 ] دلت هذه الآية على أن ماهية الخزي والسوء والعذاب مختصة بالكافر ، فوجب أن لا يحصل فرد من أفراد هذه الماهية لأحد سوى الكافرين . الثاني: قوله تعالى: { قُلْ ياأهل عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعًا } [ الزمر: 53 ] ، حكم تعالى بأنه يغفر كل الذنوب ولم يعتبر التوبة ولا غيرها ، وهذا يفيد القطع بغفران كل الذنوب . الثالث: قوله تعالى: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } [ الرعد: 6 ] وكلمة «على» تفيد الحال كقولك: رأيت الملك على أكله ، أي رأيته حال اشتغاله بالأكل ، فكذا ههنا وجب أن يغفر لهم الله حال اشتغالهم بالظلم وحال الاشتغال بالظلم يستحيل حصول التوبة منهم ، فعلمنا أنه يحصل الغفران بدون التوبة ومقتضى هذه الآية أن يغفر للكافر لقوله تعالى: { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: 13 ] إلا أنه ترك العمل به هناك فبقي معمولًا به في الباقي . والفرق أن الكفر أعظم حالًا من المعصية . الرابع: قوله تعالى: { فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تلظى * لاَ يصلاها إِلاَّ الأشقى الذى كَذَّبَ وتولى }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت