{ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء } [ النساء: 89 ] . وثالثها: قوله تعالى: { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } [ آل عمران: 120 ] وهذا الفرح شماتة ، والحسد والشماتة متلازمان . ورابعها: ذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم بقوله: { قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [ يوسف: 8 ، 9 ] فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له . وخامسها: قوله تعالى: { وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّا أُوتُواْ } [ الحشر: 9 ] أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون ، فأثنى الله عليهم بعدم الحسد . وسادسها: قال تعالى في معرض الإنكار: { أم يحسدون الناس على مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } [ النساء: 54 ] . وسابعها: قال الله تعالى: { كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فَبَعَثَ الله النبيين } [ البقرة: 213 ] إلى قوله: { إِلاَّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات بَغْيًا بَيْنَهُمْ } [ البقرة: 213 ] قيل في التفسير: حسدًا . وثامنها: قوله تعالى: { وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ } [ الشورى: 14 ] فأنزل الله العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا ، إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول . وتاسعها: قال ابن عباس: كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قومًا قالوا: نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا ، فكانوا ينصرون ، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى: { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ } [ البقرة: 89 ] إلى قوله: { أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله بَغْيًا } [ البقرة: 90 ] أي حسدًا . وقالت صفية بنت حيي للنبي عليه السلام: جاء أبي وعمي من عندك فقال أبي لعمي ما تقول فيه؟ قال: أقول: إنه النبي الذي بشر به موسى عليه السلام ، قال: فما ترى؟ قال: أرى معاداته أيام الحياة ، فهذا حكم الحسد . أما المنافسة فليست بحرام وهي مشتقة من النفاسة ، والذي يدل على أنها ليست بحرام وجوه . أولها: قوله تعالى: { وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون } [ المطففين: 26 ] . وثانيها: قوله تعالى: { سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } [ الحديد: 21 ] وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها . وثالثها: قوله عليه السلام: « لا حسد إلا في اثنتين ، رجل آتاه الله مالًا فأنفقه في سبيل الله ، ورجل آتاه الله علمًا فهو يعمل به ويعلمه الناس » . وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحسد قد يطلق على المنافسة ، ثم نقول: المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة ، أما الواجبة فكما إذا كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة ، فههنا يجب عليه أن يحب له مثل ذلك ، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضيًا بالمعصية وذلك حرام ، وأما إن كانت تلك النعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل الله والتشمير لتعليم الناس كانت المنافسة فيها مندوبة ، وأما إن كانت تلك النعمة من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات ، وبالجملة فالمذموم أن يحب زوالها عن الغير ، فأما أن يحب حصولها له وزوال النقصان عنه فهذا غير مذموم ، لكن ههنا دقيقة وهي أن زوال النقصان عنه بالنسبة إلى الغير له طريقان .