المسألة الثالثة: في المرصاد قولان: أحدهما: أن المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه ، كالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل ، والمنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه ، وعلى هذا الوجه فيه احتمالان: أحدهما: أن خزنة جهنم يرصدون الكفار والثاني: أن مجاز المؤمنين وممرهم كان على جهنم ، لقوله: { وإن منكم إلا واردها } [ مريم: 71 ] فخزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم ، ويرصدونهم عندها . القول الثاني: أن المرصاد مفعال من الرصد ، وهو الترقب ، بمعنى أن ذلك يكثر منه ، والمفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار والمطعان ، قيل إنها ترصد أعداء الله وتشق عليهم ، كما قال تعالى: { تكاد تميز من الغيظ } [ الملك: 8 ] قيل ترصد كل كافرة ومنافق ، والقائلون بالقول الأول . استدلوا على صحة قولهم بقوله تعالى: { إن ربك لبالمرصاد } [ الفجر: 14 ] ولو كان المرصاد نعتًا لوجب أن يقال: إن ربك لمرصاد . المسألة الرابعة: دلت الآية على أن جهنم كانت مخلوفة لقوله تعالى: { إن جهنم كان مرصادًا } أي معدة ، وإذا كان كذلك كانت الجنة أيضًا كذلك ، لأنه لا قائل بالفرق . وفيه وجهان: إن قلنا إنه مرصاد للكفار فقط كان قوله: { للطاغين } من تمام ما قبله ، والتقدير إن جهنم كانت مرصادًا للطاغين ، ثم قوله: { مآبًا } بدل من قوله: { مرصادًا } وإن قلنا بأنها كانت مرصادًا مطلقًا للكفار وللمؤمنين ، كان قوله: { إن جهنم كانت مرصادًا } [ النبأ: 21 ] كلامًا تامًا ، وقوله: { للطاغين مآبًا } كلام مبتدأ كأنه قيل إن جهنم مرصاد للكل ، ومآب للطاغين خاصة ، ومن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله مرصادًا أما من ذهب إلى القول الثاني وقف عليه ، ثم يقول المراد بالطاغين من تكبر على ربه وطغى في مخالفته ومعارضته ، وقوله: { مآبًا } أي مصيرًا ومقرًا . اعلم أنه تعالى لما بين أن جهنم مآب للطاغين ، وبين كمية استقرارهم هناك ، فقال: { لابثين فيها أحقابًا } وههنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ الجمهور: { لابثين } وقرأ حمزة لبثين وفيه وجهان قال الفراء هما بمعنى واحد يقال لابث ولبث ، مثل ثامع ، وطمع ، وفاره ، وفره ، وهو كثير ، وقال صاحب الكشاف: واللبث أقوى لأن اللابث من وجد منه اللبث ، ولا يقال: لبث إلا لمن شأنه اللبث ، وهو أن يستقر في المكان ، ولا يكاد ينفك عنه . المسألة الثانية: قال الفراء أصل الحقب من الترادف ، والتتابع يقال أحقب ، إذا أردف ومنه الحقيبة ومنه كل من حمل وزرًا ، فقد احتقب ، فيجوز على هذا المعنى: { لابثين فيها أحقابًا } أي دهورًا متتابعة يتبع بعضها بعضًا ، ويدل عليه قوله تعالى: { لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبًا } [ الكهف: 60 ] يحتمل سنين متتابعة إلى أن أبلغ أو آنس ، واعلم أن الأحقاب ، واحدها حقب وهو ثمانون سنة عند أهل اللغة ، والحقب السنون واحدتها حقبة وهي زمان من الدهر لا وقت له ثم نقل عن المفسرين فيه وجوه: أحدها: قال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس في قوله: { أحقابًا } الحقب الواحد بضع وثمانون سنة ، والسنة ثلثمائة وستون يومًا ، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا ، ونحو هذا روى ابن عمر مرفوعًا وثانيها: سأل هلال الهجري عليًا عليه السلام .