فهرس الكتاب

الصفحة 807 من 8321

المسألة الثانية: إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة أريد ، فالآية منسوخة وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالآية ناسخة ، وإن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا منسوخة .

المسألة الثالثة: اللام في قوله تعالى: { وَلِلَّهِ المشرق والمغرب } لام الاختصاص أي هو خالقهما ومالكهما ، وهو كقوله: { رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين } [ الرحمن: 17 ] وقوله: { بِرَبّ المشارق والمغارب } [ المعارج: 40 ] و { رَبُّ المشرق والمغرب } [ المزمل: 9 ] ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات ، كما قال: { ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت: 11 ] .

المسألة الرابعة: الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه ، وبيانه من وجهين ، الأول: أنه تعالى قال: { وَلِلَّهِ المشرق والمغرب } فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولًا وعرضًا وعمقًا ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم ، وكل منقسم فهو مؤلف مركب ، وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق وموجد ، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها ، أعني الفوق والتحت ، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها ، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة ، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزهًا عن الجهات والأحياز ، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات . الوجه الثاني: أنه تعالى قال: { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله } ولو كان الله تعالى جسمًا وله وجه جسماني لكان وجهه مختصًا بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله: { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله } فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين ، الأول: أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا من كان جسمًا . الثاني: أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعًا ، والسعة من صفة الأجسام . والجواب عن الأول: أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه ههنا على العضو لكذب قوله تعالى: { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله } لأن الوجه لو كان محاذيًا للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذيًا للمغرب أيضًا ، فإذن لا بد فيه من التأويل وهو من وجوه . الأول: أن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة الله ، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف ، فقوله: { فَثَمَّ وَجْهُ الله } أي: فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما ، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة . الثاني: أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت