فإن قيل: فقد أطلقه في العم وهو إسماعيل مع أنه بالاتفاق ليس بأب .
قلنا: الاستعمال دليل الحقيقة ظاهرًا ترك العمل به في حق العم لدليل قام فيه فيبقى في الباقي حجة الآية الثانية قوله تعالى مخبرًا عن يوسف عليه السلام: { واتبعت مِلَّةَ ءابَاءِىَ إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ } [ يوسف: 38 ] .
وأما الأثر فما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: من شاء لاعنته عند الحجر الأسود ، إن الجد أب ، وقال أيضًا: ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا ، وإذا ثبت أن الجد أب وجب أن يدخل تحت قوله تعالى: { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمّهِ الثلث } [ النساء: 11 ] في استحقاق الجد الثلثين دون الأخوة كما استحقه الأب دونهم إذا كان باقيًا ، قال الشافعي Bه: لا نسلم أن الجد أب ، والدليل عليه وجوه . أحدها: أنكم كما استدللتم بهذه الآيات على أن الجد أب ، فنحن نستدل على أنه ليس بأب بقوله تعالى: { ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } [ البقرة: 123 ] فإن الله تعالى ما أدخل يعقوب في بنيه لأنه ميزه عنهم ، فلو كان الصاعد في الأبوة أبًا لكان النازل في البنوة ابنًا في الحقيقة ، فلما لم يكن كذلك ثبت أن الجد ليس بأب . وثانيها: لو كان الجد أبًا على الحقيقة لما صح لمن مات أبوه وجده حي أن ينفي أن له أبًا ، كما لا يصح في الأب القريب ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة .
فإن قيل: اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أن رتبة الأدنى أقرب من رتبة الأبعد فلذلك صح فيه النفي .
قلنا: لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعًا لم يكن الترتيب في الوجود سببًا لنفي اسم الأب عنه ، وثالثها: لو كان الجد أبًا على الحقيقة لصح القول بأنه مات وخلف أمًا وآباء كثيرين وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء وأرباب اللغة والتفسير . ورابعها: لو كان الجد أبًا ولا شك أن الصحابة عارفون باللغة لما كانوا يختلفون في ميراث الجد ، ولو كان الجد أبًا لكانت الجدة أمًا ، ولو كان كذلك لما وقعت الشبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر Bه إلى السؤال عنه ، فهذه الدلائل دلت على أن الجد ليس بأب . وخامسها: قوله تعالى: { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } [ النساء: 11 ] فلو كان الجد أبًا لكان ابن الابن ابنًا لا محالة فكان يلزم بمقتضى هذه الآية حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الجد ليس بأب ، فأما الآيات التي تمسكتم بها في بيان أن الجد أب فالجواب عن وجه التمسك بها من وجوه .