فهرس الكتاب

الصفحة 896 من 8321

قوله تعالى: { وما جعلنا القبلةَ التي كنت عليها إِلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم } .

اعلم أن قوله: { وَمَا جَعَلْنَا } معناه ما شرعنا وما حكمنا كقوله: { مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ } [ المائدة: 103 ] أي ما شرعها ولا جعلها دينًا ، وقوله: { كُنتَ عَلَيْهَا } أي كنت معتقدًا لاستقبالها ، كقول القائل: كان لفلان على فلان دين ، وقوله: { كُنتَ عَلَيْهَا } ليس بصفة للقبلة ، إنما هو ثاني مفعولي جعل يريد: { وَمَا جَعَلْنَا القبلة } الجهة التي كنت عليها . ثم ههنا وجهان . الأول: أن يكون هذا الكلام بيانًا للحكمة في جعل القبلة ، وذلك لأنه E كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفًا لليهود ، ثم حول إلى الكعبة فنقول: { وَمَا جَعَلْنَا القبلة } الجهة: { التى كُنتَ عَلَيْهَا } أولًا: يعني وما رددناك إليها إلا امتحانًا للناس وابتلاء . الثاني: يجوز أن يكون قوله: { التى كُنتَ عَلَيْهَا } لسانًا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة يعني إن أصل أمرك أن تسقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرًا عارضًا لغرض وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا ، وهي بيت المقدس ، لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه وينفر عنه . وههنا وجه ثالث ذكره أبو مسلم فقال: لولا الروايات لم تدل الآية على قبلة من قبل الرسول E عليها ، لأنه قد يقال: كنت بمعنى صرت كقوله تعالى: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } [ آل عمران: 110 ] وقد يقال: كان في معنى لم يزل كقوله تعالى: { وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء: 158 ] فلا يمتنع أن يراد بقوله: { وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا } أي التي لم تزل عليها وهي الكعبة إلا كذا وكذا .

أما قوله: { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اللام في قوله: { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } لام الغرض والكلام في أنه هل يصح الغرض على الله أو لا يصح وبتقدير أن لا يصح فكيف تأويل هذا الكلام فقد تقدم .

المسألة الثانية: وما جعلنا كذا وكذا إلا لنعلم كذا يوهم أن العلم بذلك الشيء لم يكن حاصلًا فهو فعل ذلك الفعل ليحصل له ذلك العلم وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يعلم تلك الأشياء قبل وقوعها ، ونظيره في الإشكال قوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين } [ محمد: 31 ] وقوله: { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } [ الأنفال: 66 ] وقوله: { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه: 44 ] وقوله: { فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ } [ العنكبوت: 3 ] وقوله: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت