فهرس الكتاب

الصفحة 897 من 8321

[ آل عمران: 142 ] وقوله: { وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالأخرة } [ سبأ: 21 ] والكلام في هذه المسألة أمر مستقصى في قوله: { وَإِذِ ابتلى } والمفسرون أجابوا عنه من وجوه . أحدها: أن قوله: { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } معناه إلا ليعلم حزبنا من النبيين والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلدة الفلانية بمعنى: فتحها أولياؤنا ، ومنه يقال: فتح عمر السواد ، ومنه قول E فيما يحكيه عن ربه: « استقرضت عبدي فلم يقرضني ، وشتمني ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول وادهراه وأنا الدهر » وفي الحديث: « من أهان لي وليًا فقد أهانني » . وثانيها: معناه ليحصل المعدوم فيصير موجودًا ، فقوله: { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } معناه: إلا لنعلمه موجودًا ، فإن قيل: فهذا يقتضي حدوث العلم ، قلنا: اختلفوا في أن العلم بأن الشيء سيوجد هل هو علم بوجوده إذا وجد الخلاف فيه مشهور . وثالثها: إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق ، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون ، فسمي التمييز علمًا ، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته . ورابعها: { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } معناه: إلا لنرى ، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم كقوله: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ } [ الفجر: 6 ] [ الفيل: 1 ] [ إبراهيم: 19 ] ورأيت ، وعلمت ، وشهدت ، ألفاظ متعاقبة . وخامسها: ما ذهب إليه الفراء: وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين ، ومثاله أن جاهلًا وعاقلًا اجتمعا ، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار ، ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب ، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه: لنعلم أينا الجاهل ، فكذلك قوله: { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام: الاستمالة والرفق في الخطاب ، كقوله: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى } [ سبأ: 24 ] فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقًا للخطاب ورفقًا بالمخاطب ، فكذا قوله: { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } . وسادسها: نعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه لا يعلم ، إذ العدل يوجب ذلك . وسابعها: أن العلم صلة زائدة ، فقوله؛ { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ } معناه: إلا ليحصل اتباع المتبعين ، وانقلاب المنقلبين ، ونظيره قولك في الشيء الذي تنفيه عن نفسك: ما علم الله هذا مني أي ما كان هذا مني والمعنى: أنه لو كان لعلمه الله .

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة أو بسبب تحويلها ، فمن الناس من قال: إنما حصلت بسبب تعيين القبلة لأنه E كان يصلي إلى الكعبة ، فلما جاء المدينة صلى إلى بيت المقدس ، فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم ، ثم إنه لما حوله مرة أخرى إلى الكعبة شق ذلك على اليهود من حيث إنه ترك قبلتهم ، وأما الأكثرون من أهل التحقيق قالوا: هذه المحنة إنما حصلت بسبب التحويل فإنهم قالوا: إن محمدًا A لو كان على يقين من أمره لما تغير رأيه ، روى القفال عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم ، وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا ، وقال السدي: لما توجه النبي E / نحو المسجد الحرام اختلف الناس فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها ، وقال المسلمون: لسنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس ، وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده ، وقال المشركون: تحير في دينه ، واعلم أن هذا القول الأخير أولى لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم من الشبهة الحاصلة بسبب تعيين القبلة ، وقد وصفها الله تعالى بالكبيرة فقال: { وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله } فكان حمله عليه أولى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت