فهرس الكتاب

الصفحة 898 من 8321

المسألة الرابعة: قوله: { مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ } استعارة ومعناه: من يكفر بالله ورسوله ، ووجه الاستعارة أن المنقلب على عقبيه قد ترك ما بين يديه وأدبر عنه ، فلما تركوا الإيمان والدلائل صاروا بمنزلة المدبر عما بين يديه فوصفوا بذلك كما قال تعالى: { ثُمَّ أَدْبَرَ واستكبر } [ المدثر: 23 ] وكما قال: { كَذَّبَ وتولى } [ طه: 48 ] وكل ذلك تشبيه .

أما قوله تعالى: { وَإِن كَانَتْ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: ( إن ) المكسورة الخفيفة ، معناها على أربعة أوجه: جزاء ، ومخففة من الثقيلة ، وجحد ، وزائدة ، أما الجزاء فهي تفيد ربط إحدى الجملتين بالأخرى فالمستلزم هو الشرط واللازم هو الجزاء كقولك: إن جئتني أكرمتك ، وأما الثانية: وهي المخففة من الثقيلة فهي تفيد توكيد المعنى في الجملة بمنزلة { إن } المشددة كقولك: إن زيدًا لقائم ، قال الله تعالى: { إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } [ الطارق: 4 ] وقال: { إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولًا } [ الإسراء: 108 ] ومثله في القرآن كثير ، والغرض في تخفيفها إيلاؤها ما لم يجز أن يليها من الفعل ، وإنما لزمت اللام هذه المخففة للعوض عما حذف منها ، والفرق بينها وبين التي للجحد في قوله تعالى: { إِنِ الكافرون إِلاَّ فِى غُرُورٍ } [ الملك: 20 ] وقوله: { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } [ الأحقاف: 9 ] إذ كانت كل واحدة منهما يليها الإسم والفعل جميعًا كما وصفنا ، وأما الثالثة: وهي التي للجحد ، كقوله: { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } [ الأنعام: 57 ] وقال: { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } [ الأنعام: 148 ] وقال: { وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا } [ فاطر: 41 ] أي ما يمسكهما ، وأما الرابعة وهي الزائدة فكقولك: ما إن رأيت زيدًا .

إذا عرفت هذا فنقول: { إن } في قوله: { وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } [ البقرة: 143 ] هي المخففة التي تلزمها اللام ، والغرض منها توكيد المعنى في الجملة .

المسألة الثانية: الضمير في قوله: { كَانَتْ } إلى أي شيء يعود؟ فيه وجهان:

الأول: أنه يعود إلى القبلة لأنه لا بد له من مذكور سابق وما ذاك إلا القبلة في قوله: { وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا } [ البقرة: 143 ] . الثاني: أنه عائد إلى ما دل عليه الكلام السابق وهي مفارقة القبلة ، والتأنيث للتولية لأنه قال: { مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا } ثم قال عطفًا على هذا: { وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } أي وإن كانت التولية لأن قوله: { مَا ولاهم } يدل على التولية كما قيل في قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت