فهرس الكتاب

الصفحة 936 من 8321

الوجه الرابع: أراد بالحجة المحاجة والمجادلة فقال: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } فإنهم يحاجونكم بالباطل .

القول الثاني: أنه استثناء منقطع ، ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضعونها موضع الحجة ، وهو كقوله تعالى: { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن } [ النساء: 157 ] وقال النابغة:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب

ومعناه: لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب ويقال ما له على حق إلا التعدي يعني لكنه يتعدى ويظلم ، ونظيره أيضًا قوله تعالى: { إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون * إَلاَّ مَن ظَلَمَ } [ النمل: 10 ، 11 ] وقال: { اَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } [ هود: 43 ] وهذا النوع من الكلام عادة مشهورة للعرب .

القول الثالث: زعم أبو عبيدة أن ( إلا ) بمعنى الواو كأنه تعالى قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة وللذين ظلموا وأنشد:

وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان

يعني: والفرقدان .

القول الرابع: قال قطرب: موضع { الذين } خفض لأنه بدل من الكاف والميم في عليكم كأنه قيل: لئلا يكون عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنه يكون حجة عليهم وهم الكفار ، قال علي ابن عيسى: هذان الوجهان بعيدان .

أما قوله تعالى: { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشونى } فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج ، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضررنكم واخشوني ، يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم ، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه: خشية عقاب الله ، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء ألبتة ، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم ، ولا ملتفت الخاطر إليهم .

أما قوله تعالى: { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } فقد اختلفوا في متعلق اللام على وجوه . أحدها: أنه راجع إلى قوله تعالى: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ولأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين . إحداهما: لانقطاع حجتهم عنه . والثانية: لتمام النعمة ، وقد بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة ، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول A إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب ، ولذلك كان النبي A يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة . وثانيها: أن متعلق اللام محذوف ، معناه: ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك . وثالثها: أن يعطف على علة مقدرة ، كأنه قيل: واحشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم ، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل: إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله A:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت