فخرج من أهل الكرخ من لم تجر عادته بالقتال فقاتلوهم حتى كشفوهم فركب خدم الخليفة والحجاب والنقباء وغيرهم من أعيان والحنابلة كابن عقيل والكلوذاني وغيرهما إلى الشحنة وساروا معه إلى أهل الكرخ فقرأ عليهم مثالا من الخليفة يمرهم بالكف ومعاودة السكون وحضور الجماعة والجمعة والتدين بمذهب أهل السنة فأجابوا إلى الطاعة فبينما هم كذلك أتاهم الصارخ من نهر الدجاج بأن أهل السنة قد قصدوهم والقتال عندهم فمضوا مع الشحنة ومنعوا من الفتنة وسكن الناس
وكتب أهل الكرخ على أبواب مساجدهم خير الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن عند هذا اليوم ثار أهل الكرخ وقصدوا شارع ابن أبي عوف ونهبوه وفي جملة ما نهبوا دار أبي الفضل بن خيرون المعدل فقصد الديوان مستنفرا ومعه الناس ورفع العامة الصلبان وهجموا على الوزير في أجرته وأكثروا من الكلام الشنيع وقتل ذلك اليوم رجل هاشمي من أهل باب الأزج بسهم أصابه فثار العامة هناك بعلوي كان مقيما بينهم فقتلوه وحرقوه وجرى من النهب والقتل والفساد أمور عظيمة فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة صدقة من مزيد فأرسل عسكرا إلى بغداد فطلبوا المفسدين والعياريين فهربوا منهم فهدمت دورهم وقتل منهم ونفي وسكنت الفتنة وأمن الناس
كان بالمغرب إنسان اسمه محمد بن إبراهيم الكزولي سيد قبيلة كزولة ومالك جبلها وهو جبل شامخ وهي قبيلة كبيرة وبينه وبين أمير المسلمين يوسف بن تاشفين مودة واجتماع
فلما كان هذه السنة أرسل يوسف إلى محمد بن إبراهيم يطلب الاجتماع به فركب إليه محمد فلما قاربه خافه على نفسه فعاد إلى جبله واحتاط لنفسه
فكتب إليه يوسف وحلف له أنه ما أراد به إلا الخير ولم يحدث نفسه بغدر فلم يركن محمد إليه فدعا يوسف حجاما وأعطاه مائة دينار وضمن له مائة دينار أخرى إن هو سار إلى محمد بن إبراهيم واحتال إلى قتله فسار الحجام ومعه مشاريط مسمومة فصعد الجبل فلما كان الغد خرج ينادي لصناعته بالقرب من مساكن محمد فسمع محمد الصوت فقال هذا الحجام من بلدنا فقيل إنه غريب فقال أراه يكثر الصياح وقد ارتبت بذلك ائتوني به فأحضر عنده فاستدعى حجاما آخر وأمره أن يحجمه بمشاريطه التي معه فامتنع الحجام الغريب فأمسك وحجم فمات وتعجب الناس من فطنته
فلما بلغ ذلك