فهرس الكتاب

الصفحة 4490 من 4996

حكى لي إنسان صوفي يقال له أبو القاسم كان مختصا بخدمته في الحبس قال لم يزل مشغولا في محبسه بأمر آخرته وكان يقول كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر فلما اتفق أن مرض قال لي في بعض الأيام يا أبا القاسم إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفني قال فقلت نفسي قد اختلط عقله فلما كان الغد أكثر السؤال عنه وإذا طائر أبيض لم أر مثله قد سقط فقلت جاء الطائر فاستبشر ثم قال جاء الحق وأقبل على الشهادة وذكر الله تعالى إلى أن توفي فلما توفي طار ذلك الطائر فعلمت أنه رأى شيئا في معناه ودفن بالموصل عند فتح الكرامي رحمة الله عليهما نحو سنة ثم نقل إلى المدينة فدفن بالقرب من حرم النبي في رباط بناه لنفسه وقال لأبي القاسم بيني وبين أسد الدين شيركوه عهد من مات منا قبل صاحبه حمله إلى المدينة فدفنه بها في التربة التي عملها فإذا أنا مت فامض إليه وذكره فلما توفي سار أبو القاسم إلى شيركوه في المعنى فقال له شيركوه كم تريد فقال أريد أجرة جمل يحمله وجمل يحملني وزادي فانتهره وقال مثل جمال الدين يحمل هكذا إلى مكة واعطاه مالا صالحا ليحمل معه جماعة يحجون عن جمال الدين وجماعة يقرؤون عليه بين يدي تابوته إذا حمل وإذا نزل عن الجمل وإذا وصل إلى مدينة يدخل أولئك القراء ينادون للصلاة عليه فيصلى عليه في كل بلدة يجتاز بها واعطاه أيضا مالا للصدقة عنه فصلى عليه في تكريت وبغداد والحلة وفيد ومكة والمدينة وكان يجمع له في كل بلد من الخلق ما لا يحصى ولما أرادوا الصلاة عليه بالحلة صعد شاب على موضع مرتفع وأنشد بأعلى صوته

( سري نعشه فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله )

( يمر على الوادي فتثني ماله ... عليه وبالنادي فتثني أرامله )

فلم تر باكيا أكثر من ذلك اليوم فطافوا به حول الكعبة وصلوا عليه بالحرم الشريف وبين قبره وقبر النبي خمسة عشر ذراعا

وأما سيرته فكان رحمه الله أسخى الناس وأكثرهم بذلا للمال رحيما بالخلق متعطفا عليهم عادلا فيهم فمن أعماله الحسنة أنه جدد بناء مسجد الخيف بمنى وغرم عليه أموالا كثيرة جسيمة وبنى الحجر بجانب الكعبة وزخرف الكعبة وذهبها وعملها بالرخام ولما أراد ذلك أرسل إلى المقتفي لأمر الله هدية جليلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت