فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 11127

7 - (قال حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) بفتح المثناة التحتية وتخفيف الميم (الْحَكَمُ) بفتح المهملة والكاف (بْنُ نَافِعٍ) بالنون والفاء، الحمصي البهراني، مولى امرأة من بَهْراء _ بفتح الموحدة وبالمد _ يقال لها أم سلمة. روى عن خلق منهم إسماعيل بن عيَّاش، وعنه خلائق منهم أحمد، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، والذُّهلي. ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة، وتوفي سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين.

وليس في الكتب الستَّة الحكم بن نافع غير هذا. وفي الرواة الحكم بن نافع آخر روى عنه الطَّبراني وهو قاضي القلزم.

(قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة _ بالحاء المهملة والزاي _، واسم أبي حمزة دينار القرشي الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، سمع خلقًا من التابعين، منهم الزهري، وعنه خلقٌ، وهو ثقةٌ حافظ متقنٌ، مات سنة اثنتين أو ثلاث وستين ومائة، وقد جاوز السَّبعين، وهذا الاسم مع أبيه من أفراد الكتب الستَّة ليس فيها سواه.

(عَنِ الزُّهْرِيِّ) قد سبق ترجمته (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ) بالتصغير (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ) بفتح الهمزة (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وقد مرَّ ذكر ترجمتيهما (أَخْبَرَهُ أَنَّ) بفتح الهمزة (أَبَا سُفْيَانَ) بتثليث السين، واسمه صخر _ بالمهملة ثم المعجمة _.

(ابْنَ حَرْبٍ) بالمهملة والراء ثمَّ الموحدة، ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي، ويُكْنَى أبي حنظلة أيضًا، وُلد قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة الفتح، وشهدَ الطَّائف وحُنينًا، وأعطاه النَّبي صلَّى الله عليه وسلم من غنائم حنين مائة من الإبل، وأربعين أُوقيَّة، وفُقئت عينه الواحدة يوم الطَّائف، والأخرى يوم اليرموك.

نزل بالمدينة ومات بها سنة إحدى أو أربع وثلاثين سنة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وصلَّى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنهما

ج 1 ص 110

وهو والد معاوية، وأمه صفية بنت حَزَن، وهي عمَّة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، روى عنه ابن عباس وابنه معاوية، وأبو سفيان في الصَّحابة جماعة، لكن أبو سفيان بن حرب من الأفراد.

(أَخْبَرَهُ أَنَّ) أي بأنَّ (هِرَقْلَ) بكسر الهاء وفتح الراء، كدمشق على المشهورِ، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية. وحكى جماعة إسكان الراء وكسر القاف كخِنْدِف منهم الجوهري، ولم يذكر صاحب (( الموعب ) )والقزاز غيره، وهو ملك الروم إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النبي صلَّى الله عليه وسلم. ولقبه قيصر كما أن كلَّ من ملك الفرس يقال له كسرى، والترك يقال له خاقان، والحبشة النجاشي، والقبط فرعون، ومصر العزيز، وهكذا لكلِّ من مَلَك مُلْكًا اسم مخصوص على ما فصَّله محمود العيني رحمه الله. وهو أوَّل من ضرب الدَّنانير وأحدث البيعة.

وأما قوله عليه السلام (( إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ) )فمعناه أنَّه لا قيصر بعده بالشَّام، ولا كسرى بعده بالعراق [1] ، قاله الشافعي في (( المختصر ) ).

ومعنى قيصر البقير، وذلك أن أمَّه لمَّا أتاها الطَّلق به ماتت، فبُقِر بطنها عنه، فخرج حيًّا، وكان يفخر بذلك؛ لأنَّه لم يخرج من فرج، وكان شجاعًا جبَّارًا مِقدامًا في الحروب.

(أَرْسَلَ إِلَيْهِ) أي إلى أبي سفيان حال كونه (فِي رَكْبٍ) جمع راكب، كصحب وصاحب، وهم أولوا الإبل العشرة فما فوقها، وكان عدد الركب ثلاثين رجلًا، كما عند الحاكم في (( الإكليل ) )أو نحوًا من عشرين، كما عند ابن السَّكَن. وفي (( مصنف ) )ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ إلى سعيد بن المسيب أنَّ المغيرة بن شعبة منهم.

واعتَرضَ عليه البُلقيني بسبق إسلام المغيرة، فإنَّه أسلم عام الخندق فيَبعُدُ أن يكون حاضرًا، ويسكت مع كونه مسلمًا، وإنما أرسله إليه؛ لأنَّه كان كبيرهم.

وسبب إرساله إليه أنه كتب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر الكتاب الآتي ذكره، فلمَّا قرأ قيصر الكتاب قال هذا كتاب لم أسمع بمثله، فدعا أبا سفيان بن حرب فسأل عن أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم.

(مِنْ قُرَيْشٍ) صفة لركب (و) الحال أنهم كانوا (تُجَّارًا) بضم التاء وتشديد الجيم، أو بالكسر والتخفيف، جمع تاجر (بِالشَّأمِ) بالهمز وبتركه، وقد تفتح الشين مع المد، وهو مذكر، ويؤنث أيضًا، حكاه الجوهري، وحدُّ الشام طولًا من العَريش إلى الفرات، وعرضًا من نحو جبل طي من نحو القبلة إلى بحر الروم،

ج 1 ص 111

وما يسامت ذلك من البلاد، وقيل غير ذلك.

وهي في الأصل جمع شامة، سمِّيت بذلك؛ لكثرة قراها، وتداني بعضها ببعض كالشَّامات. وقيل سمِّيت بسام بن نوح عليه السلام، وذلك لأنَّه أول من نزلها، فجعلت السين شينًا. وقال أبو عُبيد لم يدخلها سام بن نوح قطُّ، والعلم عند الله تعالى.

(فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ) بالنصب على أنَّه مفعول معه؛ أي مع كفار قريش، أو عطف على المفعول به، وهو أبا سفيان، وتلك المدة هي مدَّة الصلح بالحديبية على وضع الحرب، وكانت سنة ستٍّ، وكانت عشر سنين، لكنَّهم نقضوا بإعانتهم بني بكر أو بني ليس على بني خُزاعة، حلفاء أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، فغزاهُم سنة ثمان، وفَتَح مكَّة.

(فَأَتَوْهُ) فيه حذف إيجازٍ، والتَّقدير أرسل إليه في طلب إتيان الركب، فجاء الرَّسول [2] ، فوجدهم بغزة، وكانت وجه متجرهم، كما في (( الدلائل ) )لأبي نُعيم. ووقع عند المؤلِّف في (( الجهاد ) ) (( أنَّ الرَّسول وجدهم ببعض الشَّام، فطلب إتيانهم فأتوه ) ) [خ¦2941] .

(وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ) أي هرقل وجماعته في بيت المقدس، وإيلياء _ بهمزة مكسورة فبياءين أولهما ساكنة بينهما لامٌ مكسورة آخره ألف مهموزة _، بوزن كبرياء. وحكى البكري فيها القصر، ويقال لها أيضًا إِلْيَاء _ بحذف الياء الأولى وسكون اللام _، حكاه البكري أيضًا. وحكى النَّووي مثله، لكن بتقديم الياء على اللام، واستغربه.

قيل معناه بيت الله، والمراد هو بيت المقدس، كما أشرنا إليه، وكان سبب كون هرقل بإيلياء ما رواه الطَّبري وابن عبد الحكم أنَّ كسرى أغزى جيشه بلاد هرقل، فخربوا كثيرًا منها، ثمَّ استبطأ كسرى أميره، فأراد قتلَه، وتوليةَ غيره، فأطلع أميره على ذلك، فاصطلح مع هرقلَ على كسرى، وانهزمَ عنه بجنود فارس، فمشى هرقلُ من حمص إلى بيت المقدس شكرًا لله تعالى على ذلك، واسم الأمير المذكور شَهْرَبَراز، واسم الغير المذكور فَرُّخَان.

زاد ابن إسحاق عن الزهري أنه كان يبسط له البسط، ويوُضَع عليها الرَّياحين فيمشي عليها.

(فَدَعَاهُمْ) أي هرقل حال كونه (فِي مَجْلِسِهِ) وللمصنِّف في الجهاد فأدخلنا عليه، (( فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج ) ) [خ¦2941] (وَحَوْلَهُ) نصب على الظرفية وهو خبر المبتدأ الذي هو (عُظَمَاءُ الرُّومِ) جمع عظيم، ولابن السكن (( فأدخلنا عليه وعنده بطارقته والقسِّيسون والرهبان ) ).

والرُّوم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام على الصَّحيح، ودخل فيهم طوائف من العرب من تنوخ

ج 1 ص 112

وبهراء وغيرهم من غسان [3] كانوا سكانًا بالشَّام، فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم، فاستوطنوا، فاختلطتْ أنسابهم.

(ثُمَّ دَعَاهُمْ) عطف على قوله (فدعاهم) وليس بتكرار، إذ معناه أمر بإحضارهم فلمَّا حضروا استدناهم (وَدَعَا تَرْجُمَانِهِ) بفتح التاء المثناة وضم الجيم، ورجَّحه النَّووي في (( شرح مسلم ) )ويجوز ضم التاء إتباعًا، ويجوز فتح الجيم مع فتح أوَّله، حكاه الجوهري، ولم يصرِّحوا بالرابعة، وهي ضم أوله وفتح الجيم، وهو المعبر عن لغة بلغة، وهو مُعَرب.

وقيل عربي، يعني أرسل إليه رسولًا أحضره صحبته، أو كان حاضرًا واقفًا بالمجلس، كما جرت به عادة الملوكِ الأعاجم، ثمَّ أمره بالجلوسِ إلى جنب أبي سفيان؛ ليعبر عنه بما أراد، ولم يسمِّ الترجمان، ثمَّ قال هرقل للترجمان قل له أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل؟ (فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ) أي قال الترجمان على لسان هرقل، وضمَّن أقرب معنى أبعد فعدَّاه بالباء. ووقع في رواية مسلم (( مَن هذا الرجل ) )وهو على الأصل. وعند المؤلف في الجهاد (( إلى هذا الرجل ) ) [خ¦2940] ولا إشكال فيها، فإن أقرب يتعدى بإلى، قال الله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق 16] والمفضَّل عليه محذوف؛ أي من غيره.

(الَّذِي يَزْعُمُ [4] أَنَّهُ نَبِيٌّ؟) وزاد ابن السَّكن (( الذي خرج بأرض العرب يزعم أنه نبيٌّ ) ). وعند ابن إسحاق عن الزُّهري (( يدَّعي أنه نبيٌّ ) ).

(فَقَالَ) بالفاء، وفي رواية (أَبُو سُفْيَانَ قُلْتُ) وفي رواية بزيادة الفاء (أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا) أي من حيث النَّسب، وعند ابن السَّكن فقالوا هذا أقربنا به نسبًا، هو ابن عمه أخي أبيه. وإنَّما كان أبو سفيان أقرب؛ لأنَّه من بني عبد مناف، وقد أوضحَ ذلك المصنف في الجهاد بقوله [خ¦2941] (( قال ما قرابتك منه؟ قلت هو ابن عمي، قال أبو سفيان ولم يكن في الركب من بني عبد مناف غيري ) ). انتهى.

وعبد مَناف هو الأب الرابع للنَّبي صلَّى الله عليه وسلم؛ لأنَّه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وكذا لأبي سفيان على ما تقدم، وأطلق عليه ابن عم؛ لأنه نزل عبد المطلب منزلة جَدِّه، وهو أميَّة؛ لكون كلٍّ منهما ينتهي إلى عبد مناف بواسطة، ففي الإطلاق تجوُّز.

وإنَّما خَصَّ هرقل الأقرب؛ لأنَّه أحرى بالاطلاع على ظاهرهِ وباطنه أكثر من غيره، ولأنَّ الأبعد لا يُؤمَن أن يقدحَ في نسبه، بخلاف الأقرب.

(فَقَالَ) وفي رواية بدون الفاء؛ أي هرقل (أَدْنُوهُ مِنِّي) بهمزة قطع مفتوحة، وإنما أمر بإدنائه؛ ليُمْعِن في السؤال ويشفي غليله (وَقَرِّبُوا) بصيغة الأمر(أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ

ج 1 ص 113

عِنْدَ ظَهْرِهِ)أي ظهر أبي سفيان؛ أي لئلَّا يستحيوا أن يواجهوه بالتَّكذيب إن كذب، وقد صرَّح به الواقدي في روايته.

(ثُمَّ قَالَ) أي هرقل (لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ) أي لأصحاب أبي سفيان (إِنِّي سَائِلٌ هَذَا) أي أبا سفيان بالتنوين؛ لأنَّه لم يُرد به الماضي، فافهم (عَنْ هَذَا الرَّجُلِ) المعهود وهو النبي صلَّى الله عليه وسلم، وأشار إليه إشارة القريب؛ لقرب العهد بذكره، أو لأنَّه معهودٌ في أذهانهم (فَإِنْ كَذَبَنِي) بالتخفيف؛ أي إن نقل إليَّ الكذب (فَكَذِّبُوهُ) بتشديد الذال المعجمة المكسورة. قال التيميُّ كَذَبَ بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين مثل صدق تقول كذَبني الحديث، وصدَقني الحديث، وبالتشديد يتعدى إلى مفعول واحد، وهما من غرائب الألفاظ؛ لمخالفتهما الغالب؛ لأنَّ الزيادة تناسب الزِّيادة، وبالعكس والأمر هنا بالعكس. انتهى.

(قال) أي أبو سفيان وسقط لفظ من رواية كريمة وأبي الوقت، فأشكل ظاهره، وبإثباته يزولُ الإشكال (فَوَاللَّهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ) وفي نسخة كريمة (مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ [5] ) بضم المثلثة وكسرها، وعليَّ بمعنى عني؛ أي من أن ينقلَ ويحكي رفقتي وأصحابي عنِّي (كَذِبًا) بفتح الكاف وكسر الذال، فأُعاب به؛ لأنَّه قبيح ولو على عدو (لَكَذَبْتُ عَنْهُ) أي لأخبرت عن حاله بكذب؛ لبغضي إيَّاه. وفي رواية وفيه دليل على أنَّهم [6] كانوا يستقبحون الكذب إمَّا بالأخذ عن الشَّرع السابق، وإمَّا بالعُرف.

وفي قوله (يَأْثِروا) دون أن يقول يكذبوا دليل على أنَّه كان واثقًا منهم بعدم التَّكذيب لو كذب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النَّبي صلَّى الله عليه وسلم، لكنَّه ترك ذلك؛ استحياء وأنفَةً من أن يتحدَّثوا بذلك بعد أن يرجعوا، فيصير عند سامعي ذلك كذَّابًا.

وقد وقع في رواية ابن إسحاق (( فوالله لو قد كذبت ما ردوا عليَّ، ولكنِّي كنت امرأ سيدًا أتكرم عن الكذبِ، وعلمتُ أن أيسر ما في ذلك أن يحفظوا ذلك عنِّي، ثمَّ يتحدَّثوا به، فلم أكذِبْه ) ).

(ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ) بنصب أول على الخبرية، وبه جاءت الرواية، ويجوز رفعه على الاسمية (أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ) عليه السلام (فِيكُمْ؟) أي ما حال نسبه أهو من أشرافكُم أم لا؟.

وعلى تقدير نصب (أول) يجوز أن يكون قوله (أن قال) ، بدلًا من قوله (ما سألني عنه) . أو يكون التقدير بأن قال. وعلى هذا يكون اسم كان ضمير الشأن. ويجوز أن يكون

ج 1 ص 114

اسم كان وتقديره ثم كان قوله كيف كان نَسَبُه فيكم أول ما سألني عنه، هذا ما قاله الشُّراح. لكن قال ابن الدَّمامينيِّ أنَّ جواز النصب والرفع لا يصحُّ على إطلاقه، وإنما الصَّواب التَّفصيل، فإن جعلنا (( ما ) )نكرةً بمعنى شيء تَعيَّن نصب (( أول ) )على الخبريَّة، وذلك لأنَّ (( أنِ قالَ ) )مؤول بمصدر معرفة.

بل قال ابن هشام أنَّهم حكموا له بحكم الضَّمير، فإذن يتعيَّن أن يكون هو اسم كان، و (( أول ما سألني ) )هو الخبر ضرورة أنَّه متى اختلف الاسمان تعريفًا وتنكيرًا، فالمعرَّف الاسم، والمنكَّر الخبر، ولا يعكس إلَّا في الضرورة، وإن جعلناها موصولة جاز الأمران. لكن المختار جعل (أن قال) هو الاسم؛ لكونه أعرف. انتهى.

قال أبو سفيان (قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ) أي صاحب نسب عظيم، فالتنوين للتعظيم (قَالَ) هرقل (فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ) من قريش أو العرب، ويستفاد منه أن الشِّفَاهيَّ يعمُّ؛ لأنه لم يرد به المخاطبين فقط، وكذا قوله بعد فهل قاتلتموه، وبماذا يأمركم. ويحتمل أن يقدَّر المضاف؛ أي من قومكم.

(أَحَدٌ قَطُّ) بتشديد الطاء المضمومة مع فتح القاف، وقد تُضمَّان، وقد تخفف الطاء وتفتح القاف، وقد تُضمَّان مع التخفيف، ولا يستعمل إلَّا في الماضي المنفي، واستعمل هنا بغير أداة النفي وهو نادر. وقد يجاب بأنَّ النفي مضمَّن في الاستفهام كأنَّه قال هل قال هذا القول أحد، ولم يقله أحدٌ قط؟ (قَبْلَهُ) وفي رواية فيكون بدلًا من قوله هذا القول، قال أبو سفيان (قُلْتُ لاَ. قَالَ) هرقل (فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ) يروى على وجهين بصيغة الصفة المشبهة، ومِن حرف جر، وبلفظ الماضي ومَنْ موصولة، والأول أشهر وأرجح؛ لسقوط كلمة من رواية أبي ذرٍّ.

قال أبو سفيان (قُلْتُ لاَ. قَالَ) هرقل (فَأَشْرَافُ النَّاسِ) أي كبارهم وأهل الأحساب (يَتَّبِعُونَهُ) وفي رواية (أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟) فيه إسقاط همزة الاستفهام. وجزم ابنُ مالك بجوازه مطلقًا خلافًا لمن خصَّه بالشِّعر، وفي رواية البخاري في التَّفسير بإثباتها، ولفظه (( أيتبعه أشراف الناس. .. إلى آخره ) ) [خ¦4553] .

قال أبو سفيان (قُلْتُ) وفي رواية (بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ) قال في (( فتح الباري ) )والمراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبُّر منهم، لا كُل شريفٍ، حتى لا يرِد مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ممَّن أسلم قبل هذا السؤال. ووقع في رواية ابنِ إسحاق (( تبعه منَّا الضُّعفاء والمساكين والأحداث، فأمَّا ذووا الأنساب والشَّرف فما تبعه منهم أحدٌ ) )وهو محمولٌ على الأكثر الأغلب. انتهى، فتأمل.

(قَالَ) هرقل (أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟) قال أبو سفيان (قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ) هرقل (فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً) بضم أوله وفتحه، كذا في (( فتح الباري ) ). وتعقبه العينيُّ بأن السَّخطة بالتاء إنَّما هي بالفتح

ج 1 ص 115

فقط، والسخط بلا تاء يجوزُ فيه الضم والفتح مع أنَّ الفتح يأتي بالفتح، والسُّخط بالضم يجوز فيه الضم والإسكان، وهي الكراهةُ للشيء وعدم الرِّضا به، وهو مفعول له أو حال؛ أي ساخطًا؛ أي فهل يرتدَّ أحدٌ منهم كراهة وعدم رضا.

(بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ) وخرج من ارتدَّ مكرهًا، أو لا يسخط لدينِ الإسلام، بل لرغبةٍ في غيره لحظ نفساني، كما وقع لعُبيد الله بن جحش.

قال أبو سفيان (قُلْتُ لاَ) وهذا ليس بمستغنى عنه بقوله بل يزيدون؛ لأنه لا ملازمةَ بين الارتداد والنقص، فقد يرتدُّ بعضهم ولا يظهر فيهم النَّقص باعتبار كثرة من يدخل، وقلَّة من يرتدُّ.

(قَالَ) هرقل (فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ) أي على الناس (قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟) وإنما عدَل إلى السؤال عن التُّهمة عن السؤال عن نفس الكذب؛ تقريرًا لهم على صدقهِ؛ لأنَّ التُّهمة إذا انتفت انتفى سببها.

قال أبو سفيان (قُلْتُ لاَ. قَالَ) هرقل (فَهَلْ يَغْدِرُ؟) بدال مكسورة، وهو نقضُ العهد وترك الوفاء به، وهو مذمومٌ عند جميع الناس، قال أبو سفيان (قُلْتُ لاَ. وَنَحْنُ مِنْهُ) أي من النَّبي صلَّى الله عليه وسلم (فِي مُدَّةٍ) أراد بها الهدنة؛ أي صلح الحديبية، أو أراد غيبتَه وانقطاع أخباره عليه السلام، ويؤيِّده قوله الآتي ولم يمكنِّي. (لاَ نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا) ؛ أي في المدَّة المذكورة؛ لأن الإنسان قد يتغير حاله، ولا يدرى هل هو الآن على ما فُورق عنه، وفي قوله لا ندري، إشارة إلى أن عدم غدره غير مجزوم به.

(قَالَ) أي أبو سفيان (وَلَمْ يُمْكِنِّي) بالمثناة الفوقية أو التحتية (كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا) أي غير الواقع أنتقصه به (غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ) إما منصوب على أنَّه صفة لشيئًا، وإما مرفوع على أنَّه صفة لكلمة، وإن كان كلٌّ منهما نكرة، وغير مضافًا إلى المعرفة، فإنَّ كلمة غير لا تتعرَّف بالإضافة إلا إذا اشتهر المضاف بمغايرة المضاف إليه، وهنا ليس كذلك.

قال العسقلانيُّ التَّنقيص هنا أمر نسبيٌّ؛ لأن من يُقطع بعدم غدره أرفع رتبة ممَّن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة، وقد كان عليه السلام معروفًا عندهم بالاستقراء، من عادته أنَّه لا يغدر، ولكن لمَّا كان الأمر مغيبًا؛ لأنه مستقبل، أمِن أبو سفيان أن ينسب في ذلك إلى الكذب، ولهذا أورده على التردد، ومن ثَمَّة لم يعرِّج هرقل على هذا القدر منه. انتهى.

(قَالَ) أي هرقل (فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟) نَسب ابتداء القتال

ج 1 ص 116

إليهم، ولم ينسبْه إليه عليه السلام لمِا اطَّلع عليه من أن النَّبي صلَّى الله عليه وسلم لا يبدأ قومه بالقتالِ حتَّى يقاتلوه.

قال أبو سفيان (قُلْتُ نَعَمْ) قاتلناه (قَالَ) أي هرقل (فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟) هو أفصحُ من قتالكموه باتصال الضَّمير على ما نصَّ عليه الزَّمخشري، فلذلك فَصَلَه.

قال أبو سفيان (الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ) بكسر أوله وبالجيم، جمع سجل، وهو الدَّلْوُ الكبير؛ أي نوب نوبة لنا، ونوبة له، كما قال الشاعر

~فيومٌ علينَا ويومٌ لنَا ويومًا نساءُ ويومًا نُسرُّ

وقد فسَّره بقوله (يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ) أي يُصيب منا ونُصيب منه، هذه الجملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب. قال البلقينيُّ هذه الكلمة فيها دسيسةٌ؛ لأنهم لم ينالوا منه صلَّى الله عليه وسلم قط، وغاية ما في غزوة أحد أنَّ بعض المقاتلين قتل، وكانت العزة والنُّصرة للمؤمنين. انتهى.

وتعقَّب بأنه قد وقعت المقاتلة بينه عليه السلام وبينهم قبل هذه القصَّة في ثلاثة مواطن بدر وأحد والخندق، فأصاب المسلمون من المشركين في بدرٍ، ووقع العكس في أُحُد.

وقد صرَّح بذلك أبو سفيان يوم أُحُد في قوله يوم بيوم بدر، والحرب سجالٌ، وأصيب من الطَّائفتين ناس قليل في الخندق، فصحَّ قول أبي سفيان يصيب منَّا ونُصيب منه، وحينئذٍ فلا دسيسة هنا في كلام أبي سفيان، كما لا يخفى.

ثمَّ إن السِّجَال مرفوع خبر للحربِ، ولا تطابق بينهما إفرادًا وجمعًا إلا أنَّه لمَّا كان الحرب اسم جنسٍ صحَّ كون خبره جمعًا. ويجوز أن يكون سِجال بمعنى المساجلة [7] فلا إشكال أصلًا.

وقوله الحرب بيننا وبينه سجال. تشبيه بليغ شبَّه الحربَ بالسِّجال مع حذف أداة التَّشبيه؛ لقصد المبالغة. والمعنى أنَّ المحاربين كالمستقيين إذا كان بينهما دلو أن يستقيَ أحدهما دلوًا، والآخر دلوًا.

(قَالَ) أي هرقل (مَا) وفي بعض الأصول بالباء الموحدة، وفي نسخة (ذَا يَأْمُرُكُمْ؟) أي ما الَّذي يأمركم. وفيه دليلٌ على أنَّ الرسول من شأنه أن يأمرَ قومه.

قال أبو سفيان (قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ) فيه أن للأمر صيغة معروفة؛ لأنَّه أتى بقول اعبدوا في جواب ما يأمركُم، وهو من أحسن الأدلَّة في هذه المسألة؛ لأنَّ أبا سفيان من أهل اللِّسان، وكذلك الرَّاوي عنه ابن عباس، بل هو من أفصحِهم، وقد رواه عنه مقرًَّا له.

(وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) بالواو،

ج 1 ص 117

وفي رواية بحذف الواو، فيكون تأكيدًا لقوله وحده (وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ) كلمةٌ جامعةٌ لترك ما كانوا عليه في الجاهليَّة من عبادةِ الأوثان وغيرها. وإنَّما ذكر الآباء؛ تنبيهًا على عذرهم في مخالفتهم له؛ لأنَّ الآباء قدوة عند الفريقين عبدة الأوثان والنصارى.

وإنَّما بالغ في هذا الأمر بحيث ذكره بثلاثِ عبارات مختلفة؛ لأنَّها كانت أشد الأشياء عليه، وأهم الأمور عنده، أو لأنَّه فهم أنَّ هرقل من الَّذين قالوا بالإشراك من النَّصارى، فأراد تنفيره من دين التَّوحيد، وهذه الجملة من عطفِ الخاص على العام، فإنَّ عبادته تعالى أعم من عدمِ الإشراك به على ما قاله القسطلاني، فافهم.

(وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ) التي هي أمُّ العبادات البدنية المفتتحة بالتحريمة، المختتمة بالتسليمة، وفي نسخة بزيادة (وَالصِّدْقِ) وهو القول المطابق للواقع، وفي رواية للمؤلف بدل الصدق، ورجَّحها الإمام البُلقيني. ويقوِّيها رواية المؤلف في التفسير (( والزكاة ) ) [خ¦4553] ، واقتران الصَّلاة بالزكاة معتاد في الشَّرع، وقد ثبتا عنده في الجهاد من رواية أبي ذرٍّ عن شيخه الكُشمِيهني والسَّرخسي حيث قال .

(وَالْعَفَافِ) بفتح العين؛ أي الكف عن المحارم وخوارم المروءة (وَالصِّلَةِ) للأرحام، وكلُّ ما أمر الله به أن يوصلَ، وذلك بالبرِّ والإكرام وحُسن المراعاة، ولو بالسَّلام، وصلة الرَّحم هو تشريك ذوي القرابات في الخيراتِ. واختلفوا في الرَّحم فقيل هو كلُّ ذي رحمٍ محرمٍ، بحيث لو كان أحدهما ذكرًا، والآخر أُنثى حرمت مناكحتهما، فلا تدخل أولاد الأعمام فيه. وقيل هو عامٌّ لكلِّ ذي رحمٍ في الميراث محرمًا كان أو غيره، والمراد هنا هو الثَّاني على ما أشرنا إليه.

وفي قوله يأمرنا، بعد قوله يقول اعبدوا الله. .. إلى آخره إشارة إلى المغايرة بين الأمرين؛ لِما يترتَّب على مخالفتهما، إذْ مخالف الأول كافر، والثَّاني ممن قبل الأول عاصٍ، كذا في (( فتح الباري ) ).

ثمَّ إنه قد جمع وصفه صلَّى الله عليه وسلم تمام مكارم الأخلاق؛ لأنَّ الفضيلة إمَّا قوليَّة وهي الصِّدق، وإمَّا فعليَّة. والفعلية إمَّا بالنَّسبة إلى الله تعالى وهي الصَّلاة؛ لأنَّ الصَّلاة تعظيم للمعبود، وإمَّا بالنَّسبة إلى نفسه وهي العفَّة، وإمَّا بالنَّسبة إلى غيره وهي الصِّلة.

وأشار بقوله لا تشركوا، واتركوا، إلى التَّخلي عن الرذائل وبقوله يأمرنا بالصلاة. .. إلى آخره

ج 1 ص 118

إلى التَّحلي بالفضائل، ومحصِّله أنه ينهانا عن النقائص، ويأمرنا بالكمالات، وهو معنى التَّكميل المقصود من الرِّسالة، قاله العلَّامة الكرماني. قال في (( التوضيح ) )من تأمَّل ما استقرأه هرقل من هذه الأوصاف تبيَّن له حسن ما استوصفه من أمره، واستبرأهُ من حاله، لله دره من رجلٍ ما كان أعقله لو ساعدته المقادير.

(فَقَالَ) أي هرقل (لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ) أي لأبي سفيان (سَأَلْتُكَ عَنْ) رتبة (نَسَبِهِ) فيكم أهو شريفٌ أم وضيع؟.

(فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ) شريف عظيم (فَكَذَلِكَ) بالفاء، وفي نسخ بالواو (الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي) أشرف (نَسَبِ قَوْمِهَا) يعني هم أفضلُ القوم وأشرفهم. والحكمة فيه أنَّ من شَرُفَ نسبُه كان أبعد من انتحال الباطل، وكان أقرب؛ لانقياد النَّاس إليه، الظَّاهر أنَّ إخبار هرقل بذلك بالجزم كان عن العلمِ المفرد عنده في الكتب السَّالفة [8] .

(وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ) وِزيد في نسخة (فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ) أي في نفسي وأطلق على حديث النَّفس القول (لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ) أي هو رجل (يَأْتَسِي) بهمزة ساكنة من الائتساء من باب الافتعال، ومادته همزة وسين وياء، وفي نسخ من باب التفعُّل؛ أي يقتدي ويتبع.

(بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ) وإنَّما لم يقل فقلت إلَّا في هذا، وفي قوله هل كان من آبائه من ملك؛ لأنَّ هذين المقامين مقام نظرٍ وفكرٍ، بخلاف غيرهما من الأسئلة، فإنَّها مقام نقل (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، قُلْتُ) وفي رواية (فَلَوْ) وفي نسخة (كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ) وإنَّما قال أبيه دون آبائه؛ ليكون أعذر في طلب الملك، بخلاف ما لو قال ملك آبائه، أو المراد بالأب ما هو أعم من أبيه حقيقةً ومجازًا، وقد وقع في سورة آل عمران (( آبائه ) ) [خ¦4553] بالجمع.

(وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ) واللام فيه لام الجحود سمِّيت بذلك؛ لملازمتها الجحدَ؛ أي النفي، وفائدتُها توكيد النَّفي نحو {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران 179] . وقال النَّحاس الصَّواب تسميتها لام النَّفي؛ لأنَّ الجحد في اللُّغة إنكار ما تعرفه لا مطلق الإنكار؛

ج 1 ص 119

أي لم يكن ليدع.

(الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ) قبل أن يظهرَ رسالته (وَيَكْذِبَ) بالنصب (عَلَى اللَّهِ) بعد إظهارها (وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) وذلك؛ لأنَّ الأشراف يأنفون من تقدُّم مثلهم عليهم، ويستكبرون ويصرُّون على الشِّقاق بغيًا وحسدًا كأبي جهلٍ وأشياعه إلى أن يُهلكهم الله تعالى، وينقذَ بعد حين من أراد سعادته منهم، بخلاف الضُّعفاء فإنهم لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد واتِّباع الرسل، وهذا بحسب الغالب، وإلَّا فكان فيهم الأشراف كالصِّدِّيق رضي الله عنه وغيره، وفي أوائل البعثة، وإلَّا ففي الأواخر لا يستنكفون، بل يفتخرون. هذا ويؤيد استشهاده على ذلك قوله تعالى {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء 111] . المفسَّر بأنهم الضُّعفاء على الصحيح.

قال هرقل لأبي سفيان (وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ) لأنه يظهر نورًا، ثمَّ لا يزال في زيادة (حَتَّى يَتِمَّ) بالأمور المعتبرةِ فيه من صلاة وزكاةٍ وصيامٍ وغيرها، ولهذا نزلتْ في آخر سنِّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلم {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة 3] ومن ذلك قوله تعالى {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة 32] . وكذا أتباع النَّبي صلَّى الله عليه وسلم لم يزالوا في زيادة حتى كَمُل بهم ما أراد الله تعالى من إظهار دينه، وإتمام نعمتهِ، فله الحمد والمنَّة.

(وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ) بالنون، وفي بعض النسخ بالمثناة الفوقية، وفي آل عمران (( إذا ) )وهو يرجِّح رواية حين، وهي رواية الأكثر (تُخَالِطُ) بالمثناة الفوقية (بَشَاشَتُهُ) أي بشاشة الإيمان، والمراد ببشاشة الإيمان هو الانشراحُ والفرح والسرور الحاصل بسبب الإيمان، وأصلها اللُّطف بالإنسان عند قدومهِ وإظهار السُّرور برؤيته.

(الْقُلُوبَ) بالنصب على أنَّه مفعول تخالط، وفي رواية بالمثناة التحتية وبنصب بشاشة، وبإضافته إلى القلوب؛ أي حين يخالط الإيمان انشراحَ القلوب والصُّدور التي يدخل فيها. هذا وفي رواية ابن إسحاق (( وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبًا فتخرج منه ) ).

وقال الكرمانيُّ سؤاله عن الارتدادِ؛ لأنَّ من دخل على بصيرةٍ في أمر محقَّق لا يرجع عنه، بخلاف من دخلَ في أباطيل ثمَّ ارتدادِ كثير ممَّن آمن به لم يكن لبغض الدِّين، بل لحبِّ الرئاسة ونحوه.

ج 1 ص 120

(وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ) لأنَّها لا تطلب حظَّ الدنيا الَّذي لا يبالي طالبه بالغدر وغيره ممَّا يتوصَّل به إليها، بخلافِ من طلب الآخرة، فإنَّه لا يرتكب غدرًا ولا غيره من القبائحِ.

قال المازريُّ هذه الأشياء الَّتي سأل عنها هرقل ليست أدلَّة قاطعة على النُّبوة إلَّا أنَّه يحتمل أنَّها كانت عنده علامات على هذا النَّبيِّ بعينه؛ لأنَّه قد قال بعد ذلك (( قد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنُّ أنَّه منكم ) )وما أورده احتمالًا جزم به ابن بطَّال، وهو ظاهر.

(وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ) يجوز أن يكون الباء بمعنى عن متعلِّقة بسألتُك، كما في قوله تعالى {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان 59] ، وما موصولةٌ، والعائد محذوفٌ. فإن قلت إنَّ أمر يتعدَّى بالباء تقول أمرتك بكذا، فالعائد حينئذ مجرور بغير ما جُرَّ به الموصول معنى، فيمتنع حذفه؟

أجيب بأنه قد ثبت حذف حرف الجر من المفعول الثاني، فينتصب حينئذٍ نحو أمرتك الخير، وعليه حمل جماعة قوله تعالى {مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل 33] ، فجعلوا ماذا المفعول الثاني، وجعلوا الأول محذوفًا؛ لفهم المعنى؛ أي تأمريننا، ويحتمل أن تكون الباء بمعناها متعلِّقة بالأمر، وما استفهامية بإثبات الألف، وهو قليل، كذا ذكره الزَّركشي وغيره.

(فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ذكر ذلك بالاقتضاء؛ لأنَّه ليس في كلام أبي سفيان ذِكر الأمر، بل صيغته، وإنما عدل عن كلام أبي سفيان إلى ما ذكره؛ تعظيمًا للرسول وتأدبًا له، ولهذا سأل فيما تقدم أيضًا بقوله ماذا يأمركم، ولم يقل ماذا يقول لكم، فافهم.

ثمَّ كون عدم الإشراك مأمورًا به مع أن العدم لا يؤمر به، إذ لا تكليف إلَّا بفعل، سيَّما في الأوامر؛ لأنَّ المراد به التوحيد وهو مأمور به. فإن قلت لا تشركوا نهيٌ، ولا يقال له أمر فما معناه؟.

أجيب بأن الإشراك منهي عنه، وعدمُ الإشراك مأمور به؛ لِما مرَّ مع أن كلَّ نهي عن شيءٍ أمرٌ بضدِّه، كما أن كلَّ أمرٍ بشيءٍ نهيٌ عن ضدِّه.

(وَ) إنه (يَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ) جمع وثن بالمثلثة وهو الصَّنم، وهو معرَّب شنم لم يذكره أبو سفيان، لكن قد لزم ذلك من قوله وحده، ومن قوله ولا تشركوا به شيئًا. ومن قوله واتركوا ما يقول آباؤكم. ومقولهم كان الأمر بعبادة الأوثان.

(وَ) إنه (يَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ) ولم يذكر هرقل الصلة التي ذكرها أبو سفيان؛ لدخولها في العفاف، إذ الكف عن المحارم وخوارم المروءة يستلزمُ الصلة.

ج 1 ص 121

فإن قلت لمَ لم يَرْع الترتيب، وقدم في الإعادة سؤال التُّهمة على سؤال الاتباع والزِّيادة والارتداد؟ أُجيب بأن شدَّة اهتمام هرقل بنفي الكذب على الله عنه عليه السلام بعثه على التَّقديم.

فإن قلت المسؤول عنه أحد عشر وجهًا، والمعاد في كلام هرقل تسعة حيث لم يقل وسألتك عن القتال، وسألتك كيف كان قتالكم، فما وجه تركهما؟

أُجيب بأن مقصوده بيان علامات النُّبوة، وأمر القتال لا دخل له هاهنا إلَّا بالنظر إلى العاقبة، وذلك عند وقوع هذه القصة كان في الغيب، وغير معلوم لهم، أو لأنَّ الراوي اكتفى بما سيذكره في كتاب الجهاد في باب دعاء الناس إلى الإسلام بعد تكرار هذه القصة مع الزِّيادات، وهو أنه قال (( وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم، فزعمتَ أن قد فعل، وأنه يكون دولًا، وكذلك الرسل تُبتلى، وتكون لها العاقبة ) ) [خ¦2941] .

قال الكرمانيُّ وإنما يبتليهم الله بذلك؛ ليعظم أجرهُم بكثرة صبرهم وبذلهم وسعَهم في طاعته.

ثمَّ قال هرقل لأبي سفيان (فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا) لأنَّ الخبر يحتمل الصِّدق والكذب (فَسَيَمْلِكُ) أي النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم (مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ) أي أرض بيت المقدس، أو أرض ملكه؛ أي الشَّام كله؛ لأنَّ دار ملكه كانت حمص.

(وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ) أي النَّبي صلَّى الله عليه وسلم (خَارِجٌ) هذا العلم، وكل ما قاله هرقل أخذه إمَّا من القرائن العقليَّة، وإمَّا من الأحوال العاديَّة، وإما من الكتب القديمة، فإنَّه ونحوه من علامات رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم فيها. ومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي سفيان (( أنَّ صاحب بُصرى أخذه وناسًا معه في تجارة، فذكر القصَّة مختصرةً، وزاد في آخرها قال فأخبرني هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت نعم، قال فأدخلت كنيسة لهم فيها الصُّور، فلم أره، ثمَّ أدخلت أخرى، فإذا أنا بصورة محمد صلَّى الله عليه وسلم، وصورة أبي بكر رضي الله عنه ) ).

(لَمْ أَكُنْ) وفي نسخة بالواو (أَظُنُّه أَنَّهُ مِنْكُمْ) أي من قريش (فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي) وفي نسخة بالنونين (أَخْلُصُ) بضم اللام؛ أي أَصِل، يقال خلص إلى كذا؛ أي وصل إليه (إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ) بالجيم والشين المعجمة؛ أي تكلَّفت على مشقة.

(لِقَاءَهُ) أي الوصول إليه، يعني حملت نفسي على الارتحالِ إليه لو كنت أتيقَّن الوصول إليه، لكني أخافُ أن يعوقني عنه عائق، فأكون قد تركتُ ملكي، ولم أصل إلى خدمته. وهذا التَّجشم

ج 1 ص 122

على ما قاله ابن بطَّال هو الهجرة، وكانت فرضًا قبل الفتح على كلِّ مسلم. وفي مرسل ابن إسحاق عن بعضهم أنَّ هرقل قال ويحك والله إنِّي لأعلم أنَّه نبيٌّ مرسل، ولكنِّي أخاف الرُّوم على نفسي، ولولا ذلك لاتَّبعته.

فقد خاف هرقل على نفسه، وخَفي عليه قوله عليه السلام الآتي (( أسلم تسلم ) )أي من جميع المخاوف في الدَّارين، فلو أسلم لسلم ممَّا يخافه، ولكن التَّوفيق بيد الله سبحانه وتعالى. وسيجيء لهذا تفصيل إن شاء الله تعالى.

(وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ) عليه السلام (لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيهِ) أي ما لعله يكون عليهما من الغبار، قاله مبالغة في الخدمة والعبوديَّة، فلا غبار في الكلام. وفي باب دعاء النبي صلَّى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام (( ولو كنتُ عنده لغسلت قدميه ) ) [خ¦2941] . وفي رواية بالإفراد. وزاد عبدُ الله بن شدَّاد عن أبي سفيان (( لو علمتُ أنَّه هو لمشيتُ إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه ) ). وزاد فيها و (( لقد رأيت جبهته يتحادرُ عرقها من كرب الصَّحيفة ) ). يعني لما قُرئ عليه كتاب النَّبي صلَّى الله عليه وسلم.

ثمَّ في اقتصاره على ذِكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنَّه لا يطلب منه إذا وصل إليه سالمًا لا ولاية ولا منصبًا، وإنما يطلب ما يحصل له من البركةِ.

(قَالَ) أبو سفيان (ثُمَّ دَعَا) أي هرقل (بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم) أي دعا من وَكَّل إليه ذلك، أو الناس. والأحسن على ما قاله العيني أن يقال ثمَّ دعا من يأتي بكتاب رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم، وإنما احتيجَ إلى ذلك؛ لأنَّ الكتاب مدعو به لا مدعو، فلذا عدَّى إليه بالباء، وجوز أن يكون الباء زائدة؛ أي دعا الكتاب على سبيلِ المجاز، أو ضمَّن دعا معنى اشتغل ونحوه، فاختر ما شئت.

(الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ) أي أرسله معه فالباء للمصاحبة. وفي رواية أي بعثه عليه السلام معه، فالباء زائدة، وكان ذلك البعث في آخر سنة ستٍّ بعد أن رجعَ من الحديبية.

ودِحية _ بكسر الدال وفتحها _ لغتان، واختلف في الراجحة منهما. ويقال إنَّه الرَّئيس بلغة اليمن، وهو ابنُ خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس الكلبي، وكان من أجمل الصَّحابة وجهًا، ومن كبارهم، وكان إذا قدم المدينةَ لم تبق مُخَدَّرة إلا خرجت تنظر إليه، وكان جبريل عليه السلام يأتي النَّبي صلَّى الله عليه وسلم في صورته؛ لجماله.

وذكر السُّهيليُّ عن ابن سلام في قوله تعالى {أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا} [الجمعة 11] قال كان اللَّهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله. وروي (( أنَّه كان إذا قدم الشام لم يبق معشر إلَّا خرجت إليه تنظر ) ).

قال ابنُ سعد أسلم قديمًا ولم يشهد بدرًا، وشهد

ج 1 ص 123

المشاهد بعدها، وبقي إلى خلافة معاوية، وشهد اليرموك، وسكن المزَّة _ بكسر الميم وتشديد الزاي _ قريةٌ بقرب دمشق، وليس في الصَّحابة مَن اسمه دِحية سواه.

(إِلَى عَظِيمِ) أهل (بُصْرَى) بضم الموحدة مقصورًا، وقيل هي حَوران _ بفتح المهملة _، ولها قلعة ذات أبنية وبساتين، وهي قريبة من طرف العمارة والبرية التي بين الشام والحجاز، ويجاد فيها عمل السيف. قال ابن عساكر فتحت صلحًا في ربيع الأول لخمس بقين سنة ثلاث عشرة، وهي أوَّل مدينة فُتحت بالشَّام، والمراد بعظيمها أميرها، وهو الحارثُ بن أبي شمر الغساني، وإنما بعثه إليه؛ ليدفعه إلى هرقل.

(فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ) ولابن السَّكن أنَّه أرسل بكتاب النَّبي صلَّى الله عليه وسلم إلى هرقل مع عدي بن حاتم، وكان عدي إذ ذاك نصرانيًّا، فوصل به هو ودِحية معًا. وفي قوله فدفعه، مجاز، وكان وصوله إلى هرقل في المحرم سنة سبع، على ما قاله الواقدي.

(فَقَرَأَهُ) هرقل بنفسه، أو التُّرجمان بأمره، وعند الواقدي في هذه القصة فدعا التُّرجمان الذي يقرأ بالعربية فقرأه (فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فيه استحباب تصدير الكتب بالبسملةِ، وإن كان المبعوث إليه كافرًا. وتقديم سليمان عليه السلام اسمه على البسملةِ؛ لأنَّ بلقيس إنَّما عرفت كونه من سليمان؛ لقراءة عنوانه، ولذلك قالت {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل 30] . وقال العينيُّ خافَ من بلقيس أن تسبَّ، فقدَّم اسمه حتى إذا سبَّت يقع على اسمهِ دون اسم الله تعالى.

(مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) إنما وَصف نفسه الشَّريفة بالعبوديَّة؛ تعريضًا لبطلان قول النصارى من أنَّ المسيح هو ابن الله؛ لأنَّ الرسل مستوون في أنهم عباد الله، وقَدَّم ذكرَه على ذكر رسالته؛ ليصير من باب الترقي. وفي بعض الروايات ، وفيه أن السنَّة أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول من فلان إلى فلان، وهو قول الجمهور. بل حكى فيه النَّحاس إجماع الصحابة وقال وكره جماعةٌ من السلف خلافه، وهو أن يكتب باسم المكتوب إليه، ورخَّص فيه بعضهم وقالوا يبدأ باسم المكتوب إليه. وروي أنَّ زيد بن ثابت كتب إلى معاوية رضي الله عنهما فبدأ باسم معاوية. وعن محمد بن الحنفية وأيُّوب السَّختياني أنهما قالا لا بأس بذلك.

(إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ) أهل (الرُّومِ) أي المعظَّم عندهم، ووصفه بذلك؛ ليكون فيه نوعٌ من الملاطفة، وقد أمر الله تعالى بتليين القول لمن

ج 1 ص 124

يُدعى إلى الإسلام فقال {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل 125] ، وعدل عن ذكره بالملك أو الإمرة؛ لأنَّه معزول بحكم الإسلام، ولا سلطنةَ لأحدٍ إلَّا من قبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم. وفيه دليل على التوقِّي في المكاتبة، واستعمال عدم الإفراط.

وذكر المدائنيُّ أنَّ القارئ لمَّا قرأ من محمد رسول الله، غضب أخو هرقل، واجتذبَ الكتاب فقال له هرقل ما لكَ؟ فقال بدأَ بنفسه، وسمَّاك صاحب الرُّوم، قال إنك لضعيف الرَّأي، أَتُريد أن أرمي بكتابٍ قبل أن أعلم ما فيه، لئن كان رسول الله إنَّه لَأَحقّ أن يبدأ بنفسه، ولقد صدقَ، أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكه.

(سَلاَمٌ) وفي رواية المصنِّف في (( الاستئذان ) ) (( السلام ) ) [خ¦6260] (عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) أي الرشاد، ومعناه سلم من عذاب الله من أسلم، وهذا كما في قصَّة موسى وهارون عليهما السَّلام مع فرعون، وظاهر السِّياق يدلُّ على أنَّه مِن جملة ما أُمرا به أن يقولاه، ولم يقل سلامٌ عليك، إذ الكافر لا سلامة له؛ لأنَّه مخزيٌّ في الدنيا بالحرب والقتل والسَّبي، وفي الآخرة معذَّب بالعذاب الأبديِّ، فليس المراد منه التَّحية، وفيه إشعارٌ بأنَّه إن اتَّبع الهدى فهو من أهل السَّلامة، وإلَّا فلا. وفيه حجَّة لمن منعَ أن يبدأ الكافر بالسَّلام، وهو مذهبُ الشَّافعيِّ وأكثر العلماء. وأجازهُ جماعة مطلقًا، وجماعة للاستئلاف أو لحاجة.

وقد جاء عنه النَّهي في الأحاديث الصَّحيحة، وفي (( الصحيحين ) )أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قال (( لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسَّلام ) )الحديث. وقال البخاريُّ وغيره ولا يُسلَّم على المبتدع، ولا على من اقترف ذنبًا كبيرًا ولم يتب منه، ولا يُرَدُّ عليهم السلام.

(أَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضم؛ لقطعه عن الإضافة المنوية لفظًا، وهي فصل الخطاب يُؤتى بها للفصل بين الكلامين. واختلف في أول من قالها فقيل داود عليه السلام، وقيل يَعرُب بن قحطان، وقيل كعب بن لؤي، وقيل قِس بن ساعدة، وقيل سحبان. وفي (( غرائب مالك ) )للدَّارقطنيِّ أن يعقوب عليه السلام أول من قالها.

(فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ) بكسر الدال المهملة، من قولك دعا يدعو دعاية، نحو شكى يشكو شِكاية. ولمسلم وكذا للمؤلف في الجهاد (( بداعية الإسلام ) )؛ أي بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهي كلمة الشهادة، والباء بمعنى إلى؛ أي أدعوك إلى كلمة التوحيد. ويجوز أن يضمِّن أدعوك معنى آمرك؛ أي آمرك بكلمة التوحيد، على ما قاله النَّووي.

(أَسْلِمْ) بصيغة الأمر (تَسْلَمْ) فعل مضارع مجزومٌ على جواب الأمر؛ أي إن أسلمت تبقى سالمًا

ج 1 ص 125

من جميع المخاوف في الدَّارين، وهذا القول غاية في الإيجازِ والاختصارِ، وفيه نوعٌ من البديع، وهو الجناس الاشتقاقي (يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ) إمَّا جواب ثانٍ للأمر، أو بدل، أو بيان للجوابِ الأول، وعند المؤلف في الجهاد (( أسلمْ تسلمْ، وأسلمْ يؤتكَ الله ... إلى آخره ) ) [خ¦2940] . بتكرار أسلم مع زيادة الواو، فيكون الأمر الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه؛ أي ودُمْ واثبُت على الإسلام على حدِّ قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ} [النساء 136] على تقدير كونه خطابًا للمؤمنين، وإمَّا على تقدير كونه خطابًا للمنافقين، فمعناها يا أيها الذين آمنوا نفاقًا آمنوا إخلاصًا.

وإعطاؤه الأجر مرَّتين بكونه كان مؤمنًا بنبيِّه، ثمَّ آمن بنبيِّنا محمد صلَّى الله عليه وسلم، وهذا كقوله تعالى {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص 54] . ويحتملُ أن يكون تضعيف الأجر له من جهةِ إسلامه، ومن جهة أنَّ إسلامه يكون سببًا لإسلام أتباعه.

وربما يؤيد ذلك قوله (فَإِنْ تَوَلَّيْتَ) أي أعرضتَ عن الإسلام، وحقيقة التولِّي إنَّما هو بالوجه، ثمَّ استعمل مجازًا في الإعراض عن الشَّيء (فَإِنَّ عَلَيْكَ) أي مع إثمك، فإنه إذا كان عليه إثم الأتباع بسبب اتباعهم له، فلأنْ يكون عليه إثمُ نفسه أَوْلى (إِثْمَ اليَرِيْسِيْنَ) جمع يَرِيس، على وزن كريم، وفي رواية _ بقلب المثناة الأولى همزة _. وفي أخرى _ بتشديد الياء بعد السين _، جمع يريسي، منسوبٌ إلى يريس، وفي أخرى _ بتشديد الياء أيضًا إلَّا أنه بالهمزة _، وهم الأكَّارون والزرَّاعون.

وقد جاء في بعض الرِّوايات في غير (( الصحيح ) ) (( فإنَّ عليك إثم الأكارين ) )؛ أي عليك إثم رعاياك الذين يتَّبعونك وينقادون لأمركَ، ونبَّه بهم على جميع الرعايا؛ لأنَّهم الأغلب فيهم، وأسرع انقيادًا، فإذا أسلمَ أسلموا، وإذا امتنعَ امتنعوا.

وقال أبو عُبيد المراد بالفلاحين أهل مملكتهِ؛ لأنَّ كلَّ من كان يزرعُ فهو عند العرب فلَّاح سواء كان يلي ذلك بنفسهِ أو بغيره. ويقال إنَّ الأريسيين الذين كانوا يحرثون أرضهم كانوا مجوسًا، وكان الروم أهل كتاب فيريد أنَّ عليك مثل وزر المجوس، يعني أنَّ الروم وإن كانوا أهل كتاب فإنَّ عليهم إن لم يؤمنوا من الإثم مثل إثم المجوس الذين لا كتاب لهم إن لم تؤمن.

وقال أبو عبيدة هم الخدم والخول، يعني لِصدِّه إيَّاهم عن الدِّين، كما قال تعالى {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا} [الأحزاب 67] ؛ أي عليك مثل إثمهم. وقال اللَّيث بن سعد عن يونس فيما رواه الطَّبراني في (( الكبير ) )الأريسيُّون العشَّارون، يعني أهل المكسِ، وهذا إن صحَّ أنَّه المراد، فالمعنى المبالغة في الإثم، ففي (( الصحيح ) )في المرأة التي اعترفت بالزنا (( لقد تابَ توبةً لو تابها صاحبُ مكسٍ لقُبلت ) ).

وقيل المراد الملوك والرُّؤساء الذين يقودون النَّاس إلى المذاهب الفاسدة،

ج 1 ص 126

وقيل هم المتبخترون. قال القرطبيُّ فعلى هذا يكون المراد عليك إثم من تكبَّر على الحق. وقيل هم اليهود والنصارى أتباع عبد الله بن أريس الذي ينسب إليه الأريسية من النصارى، رجلٌ كان في الزَّمن الأول قتل هو ومن معه نبيًَّا بعثه الله إليهم. فعلى هذا كان عليه السلام حذَّره أن يكون عليه إثم الكفر، وإثم من عمل بعمله واتبعه [9] ، إذ كان هو رئيسًا متبوعًا مسموعًا.

ثم إنَّه لا يعارض هذا قوله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر 18] ؛ لأنَّ وزر الإثم ل?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت