فهرس الكتاب

الصفحة 10014 من 11127

6749 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أبو محمَّد الدِّمشقي ثمَّ التِّنيسي الكلاعي الحافظ، قال (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبير، وفي رواية شَّعيب عن الزُّهري في «العتق» [خ¦2533] حدَّثني عروة، وكذا وقع في رواية عبد الله بن مسلمة عن مالكٍ في «المغازي» [خ¦4303] ، لكن أخرجه في «الوصايا» [خ¦2745] بلفظ عن عروة. (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ كَانَ عُتْبَةُ) بضمِّ المهملة وسكون الفوقية وفتح الموحدة، هو ابنُ أبي وقَّاص أخو سعد بن أبي وقَّاص مختلفٌ في صحبته، فذكره العسكريُّ في «الصَّحابة» ، وذكر أنَّه أصاب دمًا بمكَّة في قريش، فانتقلَ إلى المدينة، ولمَّا مات أوصى إلى سعدٍ.

وذكره ابنُ منده في «الصَّحابة» ، ولم يذكر مستندًا إلَّا قول سعدٍ عهد إليَّ أخي أنَّه ولده، وأنكر أبو نعيمٍ ذلك، وذكر أنَّه الذي شجَّ وجه رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بأحد، وما علمت له إسلامًا، بل قد روى عبد الرَّزاق من طريق عثمان الجزري عن مقسم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دعا بأن لا يحولُ على عتبة الحول حتى يموت كافرًا، فمات كافرًا قبل الحول، وهذا مرسلٌ، وجزم السَّفاقسي والدِّمياطي بأنَّه مات كافرًا.

(عَهِدَ) بفتح

ج 28 ص 278

العين وكسر الهاء؛ أي أوصى (إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي) أي ابن أَمَةِ زمعة منِّي، وكذا وقع في «المظالم» [خ¦2421] ، والوليدة فعيلةٌ من الولادة، قال الجوهريُّ هي الصبيَّة والأمة، والجمع ولائد، وقيل إنَّها اسمٌ لغير أمِّ الولد، وكانت أمة يمانيَّة.

وزَمْعة _ بفتح الزاي وسكون الميم _ وقد تحرَّك، قال النَّووي التَّسكين أشهر، وقال أبو الوليد الوقَّشي التَّحريك في النِّسبة، وهو ابنُ قيس بن عبد شمس القرشي العامري والد سودة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقال الحافظ العَسقلاني لم أقف على اسم الوليدة، وأمَّا ولدها فعبد الرَّحمن.

(فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ) بكسر الموحدة (فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ) بنصب «عام» بتقدير في، وبالرفع اسم كان (أَخَذَهُ سَعْدٌ) أي ابن أبي وقَّاص (فَقَالَ ابْنُ أَخِي) أي هذا ابن أخي (عَهِدَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (فِيهِ) وكان رآه يوم الفتح فعرفه بالشَّبه فاحتضنَه إليه، وقال ابن أخي وربِّ الكعبة، وفي رواية اللَّيث [خ¦2218] فقال سعدٌ يا رسول الله، هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقَّاصٍ، عهد إليَّ أنَّه ابنه، وعتبة بالجرِّ بدل من لفظ أخي أو عطف بيان، والضَّمير في أخي لسعد لا لعتبة.

(فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بغير إضافة، ووقع في «مختصر ابن الحاجب» عبد الله، وهو غلطٌ. نعم، عبد الله بن زمعة آخر، وفي بعض الطُّرق من غير رواية عائشة رضي الله عنها عند الطَّحاوي في هذا الحديث (( عبد الله بن زمعة ) )ونبَّه على أنَّه غلطٌ، وأنَّ عبد الله بن زمعة، هو ابن الأسود بن المطَّلب بن أسد بن عبد العزَّى آخر.

وقد وقع لابن منده [خبط] في ترجمة عبد الرَّحمن بن زمعة أنَّ عبد الرَّحمن وعبد الله وعبدًا إخوة ثلاثة أولاد زمعة بن الأسود وليس كذلك، بل عبد بغير إضافة، وعبد الرَّحمن أخوان عامريَّان من قريشٍ، وعبد الله بن زمعة أسديٌّ من قريش أيضًا، ذكره الحافظ العَسقلاني في «الإصابة في تمييز الصَّحابة» .

(فَقَالَ) هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي) أي جارية أبي زمعة (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) من أمَته المذكورة، وقد كانت عادة الجاهليَّة إلحاق النَّسب بالزِّنى، وكانوا يستأجرون الإماء للزِّنى، فمن اعترفت الأمُّ أنَّه له أُلحق به، ولم يقع إلحاق ابن وليدة زمعة في الجاهليَّة، وفي رواية يونس [خ¦4303] (( يا رسول الله، هذا ابن زمعة

ج 28 ص 279

وُلِد على فراشه )) زاد في رواية اللَّيث [خ¦2218] (( انظر إلى شبهه يا رسول الله ) ). وفي رواية يونس (( فنظر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو أشبه النَّاس بعتبة بن أبي وقَّاصٍ ) )، وفي رواية اللَّيث [خ¦2218] (( فرأى شبهًا بينًا لعتبة ) ). وقال الخطَّابي وتبعه القرطبيُّ وغيرهما كان أهل الجاهليَّة يقتنون الولائد، ويضربون عليهنَّ الضَّرائب، فيكتسبن بالفجور، وكانوا يُلحقون النَّسب بالزناة إذا ادَّعوا الولد كما في النِّكاح، وكان لزمعة أَمَة، وكان يُلمُّ بها فظهر لها حمل زعم عتبة بن أبي وقَّاص أنَّه ابنه، وعهد إلى أخيه سعدٌ أنَّه يستلحقه، فخاصم فيه عبد بن زمعة، فقال سعدٌ هو ابن أخي على ما كان عليه الأمر في الجاهليَّة، فقال عبدٌ هو أخي، على ما استقرَّ عليه الحكم في الإسلام، فأبطل النَّبي صلى الله عليه وسلم حكم الجاهليَّة، فألحقه بزمعة. وأبدل عياض قوله إذا ادَّعوا الولد بقوله إذا اعترفت به الأم، وبنى عليها القرطبيُّ، فقال ولم يكن إلحاقه بعتبة في الجاهليَّة، إمَّا لعدم الدَّعوى، وإمَّا لكون الأمة لم تعترف به لعتبة.

وقال الحافظ العَسقلاني وقد مضى في «النِّكاح» [خ¦5127] من حديث عائشة رضي الله عنها ما يؤيِّد أنَّهم كانوا يعتبرون استلحاق الأمِّ في صورة، وإلحاق القائف في صورة، ولفظها أنَّ النِّكاح في الجاهليَّة كان على أربعة أنحاء الحديث، وفيه يجتمع الرَّهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومضت ليالٍ أرسلت إليهم، فاجتمعوا عندها، فقالت قد ولدت فهو ابنك يا فلان، فيلحق به ولدها، فلا يستطيع أن يمتنعَ إلى أن قالت ونكاح البغايا كنَّ ينصبنَ على أبوابهنَّ راياتٍ، فمن أرادهنَّ دخل عليهنَّ، فإذا حملت إحداهنَّ فوضعت، جمعوا لها القافة، ثمَّ يلحقون ولدها بالذي يرى القائف لا يمتنع من ذلك. انتهى.

واللَّائق بقصَّة أَمَة زمعة الأخير؛ فلعلَّ جمع القافة لهذا الولد تعذَّر بوجهٍ من الوجوه، أو أنَّها لم تكن من البغايا، بل أصابها عتبة سرًّا من زنى وهما كافران، فحملت وولدت ولدًا يشبهه، فغلب على ظنِّه أنَّه منه،

ج 28 ص 280

فَبَغَتَه الموت قبل استلحاقه، فأوصى أخاه أن يستلحقَه، فعمل سعدٌ بذلك تمسُّكًا بالبراءة الأصليَّة.

وقال القرطبيُّ كان عبد بن زمعة سمع بأنَّ الشَّرع ورد بأنَّ الولد للفراش، وإلَّا فلم يكن العادة الإلحاق به، قال الحافظ العَسقلاني كذا قال، وما أدري من أين له هذا الجزم بالنَّفي، فكأنَّه بناه على ما قاله الخطَّابي أنَّ أمة زمعة كانت من البغايا اللَّاتي عليهنَّ الضَّرائب، فكان الإلحاق مختصًّا باستلحاقها على ما ذُكِر، أو بإلحاق القائف على ما في حديث عائشة رضي الله عنها، لكن لم يذكر الخطَّابي مستندًا لذلك.

والَّذي يظهر من سياق القصَّة أنَّها كانت أَمَةً مستفرشة لزمعة، فاتَّفق أنَّ عتبة زنى بها، وكانت عادة الجاهليَّة في مثل ذلك أنَّ السَّيد إذا استلحقه لحقه، وإن نفاهُ انتفى عنه، فإذا ادَّعاه غيره كان مرد ذلك إلى السَّيد أو القافة. وأمَّا قوله إنَّ عبد بن زمعة سمع من الشَّرع ... إلى آخره، ففيه نظرٌ؛ لأنَّه يبعد أن يسمعَ ذلك عبد بن زمعة، وهو بمكَّة لم يسلم بعد، ولا يسمعه سعد بن أبي وقَّاصٍ وهو من السَّابقين الأوَّلين الملازمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حين إسلامه إلى فتح مكَّة نحو العشرين سنة، ولو قلت إنَّ ذلك لم يرد به الشَّرع إلَّا في زمن الفتح؛ فبلوغه إلى عبد قبل سعد بعيدٌ أيضًا.

والَّذي يظهر أنَّ شرعيَّة ذلك إنَّما عُرِفت من قوله صلى الله عليه وسلم في هذه القصَّة «الولد للفراش» ، وإلَّا فما كان سعدٌ لو سبق علمه بذلك ليدَّعيه، بل الَّذي يظهر أنَّ كلًّا من سعد أو عتبة بنى على البراءة الأصليَّة، وأنَّ مثل هذا الولد يقبل النِّزاع. انتهى.

وقد أطال الحافظ العَسقلاني في ذلك الكلام، والله تعالى أعلم بالمرام.

(فَتَسَاوَقَا) أي تماشيا وتلازما في الذَّهاب من التَّساوق، وهو المتابعة كأنَّ أحدهما يتبع الآخر ويسوقه (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ) هذا (ابْنُ أَخِي، قَدْ كَانَ) أخي عتبة (عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ) أنَّه ابنه (فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) سقط قوله (( فقال سعدٌ ... إلى آخره ) )في رواية أبي ذرٍّ.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ) أي الولد(لَكَ

ج 28 ص 281

يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ)بنصب عبد وبرفعه، وبنصب ابن؛ أي هو أخوك إمَّا بالاستلحاق، وإمَّا بالقضاء بعلمه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ زمعة كان صهره، أو هو لك ملكًا؛ لأنَّه ابن وليدة أبيه من غيره؛ لأنَّ زمعة لم يقرَّ به ولا شهد عليه، والأصول تدفع قول ابنه، فلم يبق إلَّا أنَّه عبد تبعًا لأمِّه، قاله ابن جرير.

وقال الطَّحاوي معناه هو بيدك لا أنَّك تملكه، ولكن تمنع غيرك منه إلى أن يتبيَّن أمره، كما قال لصاحب اللقطة (( هي لك ) )وقال له (( إذا جاء صاحبها فردَّها إليه ) )، قال ولمَّا كانت سودة شريكة لعبدٍ في ذلك لكن لم يُعْلم منها تصديق ذلك، ولا الدَّعوى به ألزم عبدًا بما أقرَّ به على نفسه، ولم يجعل ذلك حجَّة عليها فأمرها بالاحتجاب.

وقال الحافظ العَسقلاني وكلامه كلُّه متعقَّبٌ بالرِّواية المصرَّح فيها بقوله «هو أخوك» ، فإنَّها رفعت الإشكال، وكأنَّه لم يقف عليها، ولا على حديث ابن الزُّبير وسودة الدالِّ على أنَّ سودة وافقت أخاها عبدًا في الدَّعوى بذلك. انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه روى أبو داود هذا الحديث عن سعيد بن منصورٍ ومسدد، وفيه وزاد مسدَّد في حديثه (( هو أخوك ) )، والصَّحيح ما رواه سعيد بن منصور، وزيادة مسدَّد لم يوافقه عليها أحدٌ، ولئن سلَّمنا صحَّة هذه الرِّواية الزِّيادة، ولكن يراد به أخوك في الدِّين، ويحتمل أن يكون أصل الحديث هو لك، فظنَّ الرَّاوي أنَّ معناه أخوه في النَّسب، فحمله على المعنى عنده، والخبر الَّذي يرويه عبد الله بن الزُّبير صرَّح بأنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( فإنَّه ليس لك بأخٍ ) ). وفي «مسند أحمد» و «سنن النَّسائي» أيضًا (( ليس لك بأخٍ ) )لكن أعلَّها البيهقيُّ، وقال المنذري إنَّها زيادةٌ غير ثابتةٍ، وقال البيهقيُّ معنى قوله (( ليس لك بأخٍ ) )شبهًا؛ فلا يُخالف قوله لعبد هو أخوك.

وقال الحافظ العَسقلاني أو معنى قوله (( ليس لك بأخٍ ) )بالنِّسبة إلى الميراث من زمعة؛ لأنَّ زمعة مات كافرًا، وخلَّف عبد بن زمعة والولد المذكور وسودة، فلا حقَّ لسودة في إرثه، بل حازه عبد قبل الاستلحاق، فإذا استلحقَ الابن المذكور شاركه

ج 28 ص 282

في الإرث دون سودة، فلذا قال لعبدٍ هو أخوك، وقال لسودة (( ليس لك بأخٍ ) ).

وقال المازريُّ يتعلَّق بهذا الحديث استلحاق الأخ لأخيه، وهو صحيحٌ عند الشَّافعي إذا لم يكن له وارثٌ سواه، وقد تعلَّق أصحابه بهذا الحديث؛ لأنَّه لم يرد أنَّ زمعة ادَّعاه ولدًا، ولا اعترفَ بوطء أمِّه، فكان المعوَّل في هذه القصَّة على استلحاقِ عبد بن زمعة.

قال وعندنا لا يصحُّ استلحاق الأخ، ولا حجَّة في هذا الحديث؛ لأنَّه يمكن أن يكون ثبت عند النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّ زمعة كان يطأ أمته فألحق الولد به؛ لأنَّ من ثبت وطؤه لا يحتاج إلى الاعتراف بالوطء، وإنَّما يصعب هذا على العراقيِّين، ويعسر عليهم الانفصال عمَّا قال الشَّافعي؛ لما قرَّرناه من أنَّه لم يكن لزمعة ولدٌ من الأمة المذكورة سابقٌ ومجرد الوطء لا عبرة به عندهم، فلزمهم ما قال الشَّافعي.

(الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) قال صاحب «التوضيح» وعند جمهور العلماء أنَّ الحرَّة لا تكون فراشًا إلَّا بإمكان الوطء، ويلحق الولد في مدَّةٍ تلد في مثلها، وأقلُّ ذلك ستَّة أشهرٍ، وشذَّ أبو حنيفة فقال إذا طلَّقها عقيب النِّكاح من غير إمكان وطءٍ، فأتت بولدٍ لستَّة أشهرٍ من وقت العقد، فإنَّه يلحقه.

وقال أيضًا وما ذهب إليه أبو حنيفة خلاف ما أجرى الله العادة في أنَّ الولد إنَّما يكون من ماء الرَّجل وماء المرأة، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ أبا حنيفة لم يشترط الوطء فيما ذهب إليه، ولا خالف ما أجرى الله من العادة، وأنَّ صاحب «التَّوضيح» ومن سلك مسلكه لم يدركوا في هذه المسألة ما أدركه أبو حنيفة؛ لأنَّه احتجَّ فيما ذهب إليه بقوله (( الولد للفراش ) )أي لصاحب الفراش، ولم يذكر فيه اشتراط الوطء ولا ذكره، ولأنَّ العقد فيها كالوطء، بخلاف الأمة فإنَّه ليس لها فراشٌ، فلا يثبت نسب ما ولدته إلَّا باعتراف مولاها.

والحاصل أنَّ الأمة تصير فراشًا بالوطء، فإذا اعترف السَّيد بوطء أمتهِ، أو ثبت ذلك بطريقٍ شرعيٍّ، ثمَّ أتت بولدٍ لمدَّة الإمكان بعد الوطء لحقه من غير استلحاقٍ، كما في الزَّوجة، لكن الزَّوجة تصير فراشًا بمجرَّد العقد،

ج 28 ص 283

فلا يشترط [في الاستلحاق] إلَّا الإمكان؛ لأنَّها تراد للوطء، فجُعل العقدَ عليها كالوطء، بخلاف الأمة فإنَّها تراد لمنافعٍ أُخر، فاشترط في حقِّها الوطء هذا قول الأكثر. وعن الحنفيَّة لا تصير الأمة فراشًا إلَّا إذا ولدت من السَّيد ولدًا ولحق به، فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلَّا أن ينفيه، وعن الحنابلة من اعترفَ بالوطء، فأتت منه لمدَّة الإمكان لحقه، وإن ولدت منه أولًا، فاستلحقه لم يلحقه ما بعده إلَّا بإقرارٍ مستأنفٍ على الرَّاجح عندهم.

ونقل عن الشَّافعي أنَّه قال لقوله (( الولد للفراش ) )معنيان أحدهما ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شرع له كاللِّعان انتفى عنه. والثَّاني إذا تنازع ربُّ الفراش والعاهر فالولد لربِّ الفراش.

(وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) أي وللزَّاني الخيبة والحرمان، والعَهَر _ بفتحتين _ الزِّنى، وقد يختصُّ بالليل، ومعنى الخيبة هنا الحرمان من الولد الَّذي يدَّعيه؛ أي لا حقَّ له في النَّسب، وجرت عادة العرب أن تقول لمن خاب له الحجر وبفيه التراب ونحو ذلك، وقيل المراد بالحجر هنا أنَّه يُرْجم.

قال النَّووي وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ الرَّجم مختصٌّ بالمحصن، ولأنَّه لا يلزم من رجمه نفي الولد، والخبر إنَّما سيق لنفي الولد، قال السُّبكي والأوَّل أشبه لسياق الحديث؛ لتعمَّ الخيبة كلَّ زانٍ، ودليل الرَّجم مأخوذٌ من موضعٍ آخر، فلا حاجة إلى التَّخصيص من غير دليلٍ.

ويؤيِّد الأوَّل أيضًا ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه (( الولد للفراش، وفي فم العاهر الحجر ) )، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند ابن حبَّان (( الولد للفراش، وفي فم العاهر [1] الأثلب ) )وهو بالمثلثة ثم موحدة بينهما لام ويفتح أوله ويكسر، قيل هو الحجر، وقيل دُقاقته، وقيل التُّراب.

(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ) زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم (احْتَجِبِي مِنْهُ) وفي رواية اللَّيث [خ¦2218] (( واحتجبي منه يا سودةُ بنت زمعة ) )أي من عبد الرَّحمن استحبابًا للاحتياط (لِمَا رَأَى) بكسر اللام وتخفيف الميم؛ أي لأجل ما رأى (مِنْ شَبَهِهِ) البين (بِعُتْبَةَ) أي ابن أبي وقَّاص (فَمَا رَآهَا) عبد الرَّحمن (حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ)

ج 28 ص 284

عزَّ وجلَّ. وفي رواية مَعمر (( قالت عائشة رضي الله عنها فوالله ما رآها حتَّى ماتت ) )، وفي رواية اللَّيث [خ¦2218] (( فلم تره سودة ) )يعني في المدَّة الَّتي بين هذا القول وبين موت أحدهما، وكذا في رواية مسلمٍ من طريقه، وفي رواية ابن جُريج في «صحيح أبي عوانة» مثله.

وفي رواية الكُشميهني الآتية في حديث اللَّيث أيضًا ، وهذه إذا ضُمَّت إلى رواية مالكٍ ومَعمر استفيد منها أنَّها امتثلت الأمر، وبالغت في الاحتجاب منه حتَّى إنَّها لم تره فضلًا عن أن يراها؛ لأنَّه ليس في الأمر المذكور دلالةٌ على منعها من رؤيتها إيَّاه.

وقد استدلَّ به الحنفيَّة على أنَّه لم يُلحقْه بزمعة؛ لأنَّه لو ألحقَه به؛ لكان أخا سودة، والأخ لا يؤمر بالاحتجاب عنه.

وأُجيب بأنَّ الأمر بذلك كان للاحتياط؛ لأنَّه وإن كان حكم بأنَّه أخوها؛ لقوله في الطُّرق الصَّحيحة (( هو أخوك يا عبدُ ) )، وإذا ثبت أنَّه أخو عبد لأبيه فهو أخو سودة لأبيها، لكن لمَّا رأى الشَّبه بيِّنًا بعتبة أمرها بالاحتجاب عنه احتياطًا.

وأشار الخطَّابي إلى أنَّ في ذلك مزيَّة لأمَّهات المؤمنين؛ لأنَّ لهنَّ في ذلك ما ليس لغيرهنَّ، قال والشَّبه يُعتبر في بعضِ المواطن، لكن لا يُقضى به إذا وُجِد ما هو أقوى منه، وهو كما يُحكم في الحادثة بالقياس، ثمَّ يوجد فيها نصٌّ، فيُترك القياس، قال وقد جاء في بعضِ طُرق هذا الحديث، وليس بالثَّابت (( احتجبي منه يا سودة ليس لك بأخٍ ) ).

وتعقَّبه النَّووي فقال إنَّ الزِّيادة باطلةٌ مردودةٌ، وتُعقِّب بأنَّها وقعت في حديث عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما عند النَّسائي، ولفظه كانت لزمعة جارية يطؤها، وكان يظنُّ بآخر أنَّه يقع عليها، فجاءت بولدٍ يُشبه الَّذي كان يُظَنُّ فمات زمعة، فذكرت ذلك سودة للنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودةُ، فليس لك بأخٍ ) )ورجال سنده رجال الصَّحيح، إلَّا شيخ مجاهد، وهو يوسف مولى آل الزُّبير.

وقد طعن البيهقيُّ في سنده فقال فيه جريرٌ، وقد نُسِب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف

ج 28 ص 285

وهو غير معروفٍ، وعلى تقدير ثبوته؛ فلا يعارضُ حديث عائشة رضي الله عنها المتَّفق على صحَّته.

وتُعقِّب بأنَّ جريرًا هذا لم يُنسب إلى سوء الحفظ، وكأنَّه اشتبه عليه بجرير بن حازم، وبأنَّ الجمع بينهما [ممكن فلا ترجيح، وبأن يوسف معروف في موالي آل الزبير، وعلى هذا فيتعين تأويله، وإذا ثبتت] هذه الزِّيادة تعيّن تأويل نفي الأخوة عن سودة على نحو ما تقدَّم [من أمرها بالاحتجاب منه، ونقل ابن العربي في القوانين عن الشافعي نحو ما تقدم] ، وزاد ولو كان أخاها بنسبٍ محقَّق لما منعها، كما أمر عائشة رضي الله عنها أن لا تحتجب عن عمِّها من الرَّضاعة.

وقال البيهقيُّ معنى قوله (( ليس لك بأخٍ ) )بالنِّسبة للميراث من زمعة؛ لأنَّ زمعة مات كافرًا، وخلَّف عبد بن زمعة، والولد المذكور وسودة فلا حقَّ لسودة في إرثه، بل حازه عبد قبل الاستلحاق، فإذا استُلحق الابن المذكور شاركه في الإرث دون سودةَ، ولهذا قال لعبد (( هو أخوك ) ).

وقال القرطبيُّ بعد أن قرَّر أن أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط، وتوقي الشُّبهات، ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظِ أمر الحجاب في حقِّ أمَّهات المؤمنين، وأيضًا فإنَّ للزَّوج أن يمنعَ زوجتَه من الاجتماع بمحارمها، فلعلَّ المراد بالأمر بالاحتجاب عدم الاجتماع في الخلوة، وقال ابنُ حزم لا يجب على المرأة أن يراها أخوها، بل الواجب عليها صلة رحمها، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( الولد للفراش ) )، وقد مضى في «البيوع» [خ¦2053] ، و «الوصايا» [خ¦2745] ، و «المغازي» [خ¦4303] ، وسيجيء في «الأحكام» [خ¦7182] إن شاء الله تعالى.

[1] في هامش الأصل في نسخة وبفم العاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت