6764 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحاك بن مخلد النَّبيل البصري (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المعروف بزين العابدين (عَنْ عُمَرَ) بضم العين، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح العين بدل (( عُمر ) )بضمها وكلاهما (ابْنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان القرشي الأموي رضي الله عنه.
واتَّفق الرُّواة
ج 28 ص 307
عن الزُّهري أنَّ عَمْرو بن عثمان _ بفتح أوله وسكون الميم _ إلَّا أنَّ مالكًا وحدَه قال عُمَر _ بضم أوله وفتح الميم _ وشذَّت رواياتٌ عن غير مالكٍ على وفقه، وروايات عن مالكٍ على وفقِ الجمهور، وقد بيَّن ذلك ابن عبد البرِّ وغيره، ولم يُخرِّج البخاريُّ رواية مالك، وقد عدَّ ذلك ابن الصَّلاح في «علوم الحديث» في أمثلة المنكر، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) أمَّا الكافر؛ فإنَّه لا يرث المسلم بالإجماع بالحديث، وبقوله تعالى {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء 141] .
وفي الميراث إثبات السَّبيل للكافر على المسلم، والمراد منه نفي السَّبيل من حيث الحكم لا من حيث الحقيقة؛ لتحقُّق حقيقة السَّبيل، وأمَّا المسلم فهل يرثُ من الكافر أم لا؟.
فقال عامَّة الصَّحابة رضي الله عنهم لا يرث، وبه أخذَ علماؤنا والشَّافعي وهذا استحسانٌ، والقياس أن يرثَ، وهو قول معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان، وبه أخذَ مسروق والحسن ومحمَّد بن الحنفيَّة ومحمَّد بن علي بن الحسين، كما مرَّ.
وقد تقدَّم في «المغازي» [خ¦4283] بلفظ (( المؤمن ) )في موضعين، وأخرجه النَّسائي من رواية هُشيم عن الزُّهري بلفظ (( لا يتوارث أهل ملَّتين ) )، وجاءت رواية شاذَّة عن ابن عُيينة عن الزُّهري بلفظ (( لا يتوارث أهل ملَّتين ) ). وله شاهدٌ عند التِّرمذي من حديث جابرٍ رضي الله عنه، وآخر من حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي يعلى، وثالثٌ من حديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه في «السنن الأربعة» ، وتمسَّك به من قال (( لا يرث أهل ملَّة كافرةٍ من أهل ملَّة أخرى كافرة ) ).
وحملها الجمهورُ على أنَّ المراد بإحدى الملَّتين الإسلام، وبالأخرى الكفر، فيكون الرِّواية مساوية للرِّواية الَّتي بلفظ حديث الباب، وهو أولى من حملها على ظاهر عمومها حتَّى يمتنعَ على اليهودي مثلًا أن يرثَ من النَّصراني.
والأصحُّ عند الشَّافعية أنَّ الكافر يرث الكافر، وهو قول الحنفيَّة والأكثر، وروي عن مالكٍ وأحمد، وعنه التَّفرقة بين الحربي والذِّمي، وكذا عند الشَّافعية، وعن أبي حنيفة
ج 28 ص 308
لا يتوارث حربيٌّ وذميٌّ، فإن كانا حربيين شُرِط أن يكونا من دارٍ واحدة، وعند الشَّافعية لا فرق، وعندهم وجه كالحنفيَّة. وعن الثَّوري وربيعة وطائفة الكفر ثلاث مللٍ يهوديَّة ونصرانيَّة وغيرهم، فلا ترث ملَّة من هذه من الملَّتين، وعن طائفةٍ من أهل المدينة والبصرة كلُّ فريقٍ من الكفَّار ملَّة واحدة، فلم يورِّثوا مجوسيًّا من وثنيٍّ، ولا يهوديًّا من نصرانيٍّ، وهو قول الأوزاعي. وبالغَ فقال لا يرثُ أهل ملَّة من دينٍ واحدٍ أهل ملَّة أخرى كاليعقوبيَّة والملكائيَّة من النَّصارى.
واختُلف في المرتدِّ قال الشَّافعي وأحمد يصير ماله إذا مات فيئًا للمسلمين، وقال مالك يكون فيئًا إلَّا إن قصد بردَّته أن يحرمَ ورثته المسلمين فيكون لهم، وكذا قال في الزِّنديق، وهو من لا يتديَّن بدينٍ، وعن أبي يوسف ومحمَّد لورثته المسلمين. وعن أبي حنيفة ما كسبه قبل الرِّدة لورثته المسلمين، وبعد الرِّدة لبيت المال، وعن بعض التَّابعين وكعلقمة يستحقُّه أهل الدِّين الَّذي انتقلَ إليه، [وعن داود يختص بورثته من أهل الدين الذي انتقل إليه] ولم يفصِّل فالحاصل من ذلك ستَّة مذاهب حرَّرها الماوردي، واحتجَّ القرطبيُّ في «المفهم» لمذهبه بقوله تعالى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة 48] فهي مللٌ متعدِّدة وشرائع مختلفة.
قال وأمَّا ما احتجُّوا به من قوله تعالى {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة 120] فوحَّد الملَّة فلا حجَّة فيه؛ لأنَّ الوحدة في اللَّفظ، وفي المعنى الكثرة؛ لأنَّه أضافه إلى مفيد الكثرة، كقول القائل أخذت عن علماء الدِّين علمهم يريد علم كلٍّ منهم، قال واحتجُّوا بقوله تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون 1] إلى آخرها. والجواب أنَّ الخطاب بذلك وقع لكفَّار قريشٍ، وهم أهلُ وثن.
وأمَّا ما أجابوا عن حديثه (( لا يتوارث أهل ملَّتين ) )بأنَّ المراد ملَّة الكفر وملَّة الإسلام، فالجواب عنه بأنَّه إذا صحَّ في حديث أسامة؛ فمردودٌ في حديث غيره، واستُدلَّ بقوله (( لا يرث الكافر المسلم ) )على جواز تخصيصِ عموم الكتاب بالآحاد؛ لأنَّ قوله تعالى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء 11] عام في الأولاد فخُصَّ منه الولد الكافر، فلا يرثُ من المسلم بالحديث المذكور.
وأُجيب بأنَّ المنع حصلَ
ج 28 ص 309
بالإجماع وخبر الواحد إذا حصلَ الإجماع على وفقه كان التَّخصيص بالإجماع لا بالخبر فقط.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّها لفظ الحديث، وقد مضى الحديث في «المغازي» [خ¦4282] .