فهرس الكتاب

الصفحة 10052 من 11127

6773 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) أي ابن الحارث بن سَخْبرة الأزدي الحوضي، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائي (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ح) تحويلٌ من سندٍ إلى آخر.

قال البخاريُّ (حَدَّثَنَا آدَمُ) وفي رواية أبي ذرٍّ ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ) أي أمر بالضَّرب (فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ) الباء في بالجريد للآلة، والجريد سعف النَّخل، وسُمِّي به؛ لأنَّه جرد عن الخوص (وَجَلَدَ) أي أمر بالجلد (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه في خلافته (أَرْبَعِينَ)

ج 28 ص 327

جلدةً، وهذا لفظ طريق هشام عن قتادة.

فأمَّا لفظ طريق شعبة؛ فأخرجه البيهقيُّ في «الخلافيات» من طريق جعفر بن محمَّد القلانسي عن آدم شيخ البخاريِّ فيه بلفظ (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أُتي برجلٍ شربَ الخمر، فضربه بجريدتين نحوًا من أربعين، ثمَّ صنعَ أبو بكرٍ رضي الله عنه مثل ذلك، فلمَّا كان عمرُ رضي الله عنه استشار النَّاس، فقال له عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه أخفُّ الحدود ثمانون، ففعلَ عمر رضي الله عنه ) )أي أمر به.

واحتجَّ الشَّافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظَّاهر على أنَّ حدَّ السَّكران أربعون سوطًا، وقال ابن حزم وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن بن علي وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم، وبه يقول الشَّافعي وأبو سليمان وأصحابنا. وقال الحسن البصري والشَّعبي وأبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمَّد وأحمد في رواية ثمانون سوطًا، ورُوي ذلك عن عليٍّ وخالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان.

قال أبو عمر الجمهور من علماء السَّلف والخلف على أن الحدَّ في الشُّرب ثمانون، وهو قول مالك والثَّوري والأوزاعي وعبيد الله بن الحسن والحسن بن حيٍّ وإسحاق وأحمد، وهو أحد قولي الشَّافعي.

وقال اتَّفق إجماع الصَّحابة في زمن عمر رضي الله عنه على الثَّمانين في حدِّ الخمر، ولا مخالف لهم منهم، وعلى ذلك جماعة التَّابعين، وجمهور فقهاء المسلمين، والخلاف في ذلك كالشُّذوذ المحجوج بالجمهور.

وقال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ، وقال صلى الله عليه وسلم (( عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين من بعدي ) ).

وروى الدَّارقطني من حديث يحيى بن فُليح عن محمَّد بن يزيد [1] عن عكرمة عن مولاه أنَّ الشراب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنِّعال والعصي، حتَّى توفِّي وكان في خلافة أبي بكرٍ رضي الله عنه يجلدهم أربعين، ثمَّ عمر كذلك الحديث إلى أن قال فقال عمر رضي الله عنه ماذا ترون؟ فقال علي رضي الله عنه إذا شربَ سكر، وإذا سكر

ج 28 ص 328

هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدةً، فأمر عمر رضي الله عنه، فجلدَهُ ثمانين جلدةً؛ أي جلد السَّكران ثمانين سوطًا.

وقد أخرج مسلمٌ من طريق معاذ بن هشام عن أبيه، ثمَّ جلد أبو بكرٍ رضي الله عنه أربعين، فلمَّا كان عمر ودنا النَّاس من الرَّيف والقرى قال ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرَّحمن بن عوف أرى أن تجعلها كأخفِّ الحدود، قال فجلد عمر رضي الله عنه ثمانين.

والرِّيف _ بكسر الراء _ كلُّ أرضٍ فيها زرعٌ ونخيلٌ، أو ما قاربَ المياه من أرض العرب وغيرها، أو ما فيه زرعٌ وخصب، أو هو الخصب والسِّعة في المأكل والمشرب.

وأخرج النَّسائي من طريق يزيد بن هارون عن شعبة فضربه بالنِّعال نحوًا من أربعين، ثمَّ أَتى به أبا بكرٍ رضي الله عنه، فصنعَ به مثل ذلك، ورواه همام عن قتادة بلفظ فأمر قريبًا من عشرين رجلًا، فجلده كلَّ رجلٍ جلدتين بالجريد والنِّعال، أخرجه أحمدُ والبيهقي.

وقال الحافظ العسقلاني وبهذا يجمع بين ما اختلفَ فيه على شعبة، وأنَّ جملة الضَّربات كانت نحوًا من أربعين بجريدتين، فيكون الجملة ثمانين.

وقد أخرج الطَّبراني والطَّحاوي والبيهقيُّ من طريق أسامة بن زيدٍ عن الزُّهري عن حميد بن عبد الرَّحمن أنَّ رجلًا من بني كلبٍ يُقال له ابن وبرة أخبره أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كان يجلد في الخمر أربعين، وكان عمر رضي الله عنه يجلد فيها أربعين، قال فبعثني خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى عمر رضي الله عنه فقلت إنَّ النَّاس قد انهمكوا في الخمر واستخفوا العقوبة، فقال عمر رضي الله عنه لمن حوله ما ترون؟ قال ووجدت عنده عليًّا وطلحة والزُّبير وعبد الرَّحمن رضي الله عنهم في المسجد، فقال عليٌّ رضي الله عنه إنَّ السَّكران إذا سكر، الحديث.

وأخرج ابن أبي شيبة من رواية أبي عبد الرَّحمن السُّلمي عن عليٍّ رضي الله عنه قال شرب نفرٌ من أهل الشَّام الخمر، فتأوَّلوا الآية يعني قوله تعالى {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة 93] [2] ، فاستشار عمر رضي الله عنه فقلت أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين ثمانين، وإلَّا ضربت

ج 28 ص 329

أعناقهم؛ لأنَّهم استحلُّوا ما حرَّم الله، فاستتابهم فتابوا فضربهم ثمانين ثمانين.

وأخرج أبو داود والنَّسائي من حديث عبد الرَّحمن بن أزهر في قصَّة الشَّارب الَّذي ضربه النَّبي صلى الله عليه وسلم بحنين، وفيه فلمَّا كان عمر رضي الله عنه كتبَ إليه خالدُ بن الوليد رضي الله عنه إنَّ النَّاس قد انهمكوا في الشُّرب وتحاقروا العقوبة.

قال وعنده المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم فسألهم، وأجمعوا على أن يضربوا ثمانين، وأخرج عبد الرَّزاق عن ابن جُريج ومَعمر عن ابن شهاب قال فرضَ أبو بكر رضي الله عنه في الخمر أربعين سوطًا، وفرض فيها عمر رضي الله عنه ثمانين.

قال الطَّحاوي جاءت الأخبار متواترةً عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يسنَّ في الخمر شيئًا، فذكر الأحاديث الَّتي ليس فيها تقييدٌ بعدد، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحديث عقبة بن الحارث وحديث عبد الرَّحمن بن أزهر أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أُتي برجلٍ قد شرب الخمر، فقال للنَّاس اضربوه، فمنهم من ضربه بالنِّعال، ومنهم من ضربه بالعصيِّ، ومنهم من ضربه بالجريد، ثمَّ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ترابًا، فرمى به وجهه.

وتُعقِّب بأنَّه قد ورد في بعضِ طُرقه ما يخالف قوله، وهو ما عند أبي داود والنَّسائي في هذا الحديث ثمَّ أُتي أبو بكرٍ رضي الله عنه بسكران، فتوخَّى الَّذي كان من ضربهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه أربعين، ثمَّ أُتي عمر رضي الله عنه بسكرانٍ فضربه أربعين، فإنَّه يدلُّ على أنَّه لو لم يكن في الحدِّ تنصيصٌ على عدد معينٍ، ففيم اعتمده أبو بكرٍ رضي الله عنه حجَّة على ذلك.

ويؤيِّده ما أخرجه مسلمٌ من طريق حُضَين _ بمهملة وضاد معجمة مصغرًا _ ابن المنذر أنَّ عثمان أمر عليًّا رضي الله عنه بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر اجلده، فجلده فلمَّا بلغ أربعين قال أمسكْ، جلدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلدَ أبو بكرٍ رضي الله عنه أربعين، وجلدَ عمر رضي الله عنه ثمانين، وكلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أحبُّ إليَّ، ففيه الجزمُ بأنَّه صلى الله عليه وسلم جلد أربعين.

والحاصل أنَّه قد اختلف

ج 28 ص 330

النَّقل عن الصَّحابة في التَّحديد والتَّقدير في الحدِّ، والَّذي يحصل من ذلك ستَّة

أحدها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل في ذلك حدًّا معلومًا، بل كان يقتصر على ضرب الشَّارب على ما يليق به.

الثَّاني أربعون بغير زيادةٍ.

الثَّالث مثله، لكن للإمام أن يبلغَ به ثمانين، وهل الزِّيادة من تمام الحدِّ أو تعزيرًا قولان.

الرَّابع أنَّه ثمانون بغير زيادةٍ عليها.

الخامس كذلك، ويجوز الزِّيادة عليها تعزيرًا.

السَّادس إن شرب فجلدَ ثلاث مراتٍ، فعاد في الرَّابعة وجبَ قتله، وقيل إن شربَ أربعًا فعاد في الخامسة وجبَ قتله، وهو قول شاذٌّ.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلمٌ في الحدود أيضًا وكذا أبو داود فيه، وكذا التِّرمذي وابن ماجه.

[1] كذا في العمدة، وفي الفتح (عن ثور عن عكرمة) وفي سنن الدارقطني (حدثني ثور بن زيد)

[2] في هامش الأصل قال ابن عباس رضي الله عنهما إن بقية الآية تدل على أن الذي يرتكب ما حرم الله تعالى ليس بمتق وهو قوله تعالى {إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة 93] . منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت