626 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفي رواية (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوام (أَنَّ عَائِشَةَ) أمَّ المؤمنين رضي الله عنها (قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى) أي عن المناداة أو الدَّعوة الأولى، أو عن المرة الأولى يقال سكتَ عن كذا، إذا تركه و «الباء» بمعنى عن، كما في قوله تعالى {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان 59] أي عنه أو للملابسة أو الباء متعلِّقة بقوله المؤذن. والمراد الأذان الذي يؤذن به عند دخول الوقت وهو أوَّل باعتبار الإقامة، وثان باعتبار الأذان الذي قبل الوقت، ثم في معظم الرِّوايات وقع هكذا بالمثناة الفوقية.
وحكى ابن التين أنه روي (( سكب ) )بالباء الموحدة، ومعناه صبَّ الأذان في الآذان،
ج 4 ص 68
وأفرغه فيها، ومنه أفرغ في أذني كلامًا حسنًا.
وقال ابن قُرْقُول وروِّيناه عن الخطَّابي (( سكب ) )بالموحدة، قال ورأيت بخطِّ أبي عليٍّ الجَيَّاني عن أبي مروان [1] سكب وسكت بمعنًى، وابن الأثير لم يذكر غير الموحدة قال أَرادتْ إذا أذَّن، فاستُعِير السَّكب للإفاضة في الكلام، كما يقال أفرغ في أذني حديثًا؛ أي ألقى وصبَّ.
وقال الصغاني في «العباب» أيضًا بالباء الموحَّدة، وكذا ضبطها في نسخته التي ذكر أنَّه قابلها على نسخة الفِرَبْري، وذكر أنَّ المحدِّثين يقولونها بالمثناة ثمَّ ادَّعى أنه تصحيفٌ.
قال الحافظ العسقلاني وليس كما قال. وقال محمود العيني لم يبيِّن وجه الردِّ عليه، وليس الصَّغاني ممَّن يردُّ عليه في مثل هذا.
وقال ابن بطَّال والسَّفاقسي إنَّ هذه الرواية؛ أي رواية الموحَّدة رواية ابن المبارك عن الأوزاعي عن الزُّهري قالا ولها وجه من الصَّواب.
(قَامَ) أي النبي صلى الله عليه وسلم (فَرَكَعَ) وفي رواية (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ) من الاستبانة، بمعنى الظهور، وفي رواية من الاستنارة، ويروى من الاستيقان، وحينئذٍ يكون الفجر منصوبًا، فافهم.
(ثُمَّ اضْطَجَعَ) في بيته صلى الله عليه وسلم (عَلَى شِقِّهِ) بكسر القاف؛ أي جنبه (الأَيْمَنِ) ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب التَّيامن في شأنه كلِّه، وجميع ما صدر عنه من قولٍ وفعل كان على أحسن الوجوه وأكملها وأفضلها. أو كان ذلك للتَّشريع؛ لأنَّ النوم على الأيسر يستلزمُ الاستغراق فيه؛ لأنَّ القلب من جهة اليسار فإذا نام الإنسان على الأيسر يكون قلبه في دِعة واستراحة فيستغرق بخلاف ما إذا نام على الأيمن، فإنَّه حينئذٍ يعلقُ ولا يستريح فلا يستغرق، وأيضًا إذا نام على اليسار يكون انحدار الثقل إلى أسفل أسهل وأكثر، فيكون سببًا لدغدغة قضاء الحاجة فينتبه أسرع، وهذا كله في غيره صلى الله عليه وسلم، وأما فيه صلى الله عليه وسلم فلا؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه، ثم إنَّ النوم على اليمين نوم الصَّالحين، وعلى اليسار نوم الحكماء، وعلى الظَّهر نوم الجبارين والمتكبرين، وعلى الوجه نوم الكفار.
(حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ) ، وأخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة، عن سالم أبي النَّضر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج بعد النِّداء إلى المسجد، فإن رأى أهل المسجد قليلًا جلس حتَّى يجتمعوا ثمَّ يصلِّي. وإسناده قويٌّ مع إرساله، وليس بينه وبين حديث الباب تعارض؛ لأنه يحملُ على غير الصبح،
ج 4 ص 69
أو كان يفعل ذلك بعد أن يأتيه المؤذِّن ويخرج معه إلى المسجد.
وفي الحديث استحباب التخفيف في سنَّة الفجر، وهو مذهب مالك والشافعي وآخرين. وقال النَّخعي واختاره الطَّحاوي لا بأس بإطالتها، ولعله أراد بذلك أنه غير محرَّم، وفي «مصنَّف ابن أبي شيبة» عن سعيد بن جُبير كان النَّبي صلى الله عليه وسلم ربما أطالَ ركعتي الفجر.
وقال مجاهدٌ لا بأس أن يطيلَ ركعتي الفجر وبالغ قومٌ فقالوا لا قراءة فيها، حكاه القاضي عياضٌ والطَّحاوي، والحديث الصَّحيح يردُّ ذلك، وهو أنَّه كان صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، وفي الثانية بالفاتحة و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . وفي رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان يقرأ فيهما {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة 136] وقوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا} [آل عمران 64] واستحبَّ مالك الاقتصار على الفاتحة على ظاهرِ قول عائشة رضي الله عنها «كان يخفِّفهما حتى إنِّي لا أقول قد قرأ فيهما بأمِّ الكتاب» .
وفي «فضائل القرآن» لأبي العبَّاس الغافقي أَمَرَ رجلًا اشتكى إليه شيئًا، أن يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة {ألم نشرح} ، وفي الثَّانية بالفاتحة و {ألم تر كيف} .
وفيه أيضًا استحباب الاضطجاع على الأيمن عند النَّوم وهو سنَّة عند البعض، وواجبٌ عند الحسن البصري.
وذكر القاضي عياض أنَّ عند مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصَّحابة بدعة؛ يعني الاضطجاع بعد ركعتي الفجر. وفي «سنن» أبي داود والترمذي بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا صلَّى أحدُكم ركعتي الفجر فليضطجعْ على يمينه ) ).
هذا واعلمْ أنَّه ثبت في «الصحيح» أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجعَ على شقِّه حتى يأتيه المؤذِّن فيصلِّي ركعتين خفيفتين، فهذا الاضطجاع كان بعد صلاة اللَّيل وقبل ركعتي الفجر، ولم يقلْ أحدٌ أنَّ الاضطجاع قبلهما سنَّة، فكذا بعدهما.
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت إنْ كنتُ مستيقظةً حدَّثني وإلَّا اضطجع، فهذا يدلُّ على أنَّه ليس بسنَّة، وأنَّه كان تارةً يضطجع قبلُ وتارةً بعدُ وتارةً لا يضطجع.
وفيه أيضًا استحبابُ إتيان المؤذِّن إلى الإمام الرَّاتب، وإعلامه بحضور الصَّلاة.
وفيه دَلالة على أنَّ الانتظار للصَّلاة في البيت كالانتظار في المسجد، إذ لو لم يكن كذلك لخرجَ النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ليأخذ لنفسه بحظِّها من فضيلة الانتظار.
ج 4 ص 70
وفيه أنَّ مراعاة الوقت للمؤذِّن وأنَّ الإمامَ يجعل إليه ذلك. وقال الدَّاودي في حديث عائشة رضي الله عنها دلالةٌ أنَّ المؤذِّن لا يكون إلَّا عالمًا بالأوقات، أو يكونُ من يعرِّفه بها.
وفيه تعجيلُ ركعتي الفجر عند طلوع الفجر، وقد كره جماعةٌ من العلماء منهم أصحابنا التنفُّل بعد أذان الفجر إلى صلاة الفجر بأكثر من ركعتي الفجر لما عند مسلم عن حفصة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلِّي إلَّا ركعتين خفيفتين.
وعند أبي داود عن يسار مولى ابن عمر رضي الله عنهما قال رآني عبدُ الله وأنا أصلِّي بعد طلوعِ الفجرِ، فقال يا يسار إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجَ علينا ونحن نصلِّي هذه الصَّلاة، فقال (( لا تصلُّوا بعد الفجر إلَّا ركعتين ) ).
وقال أبو عيسى _ أي الترمذي _ حديث غريبٌ لا نعرفه إلَّا من حديث قُدامة بن موسى، وهذا ممَّا أجمعَ عليه أهل العلم كرهوا أن يصلِّي الرَّجل بعد طلوع الفجر إلَّا ركعتي الفجر، وإلى هذا ذهبَ أبو حنيفة ومالك وأحمد، ولأصحاب الشَّافعي فيه ثلاثة أوجه
أحدها مثل الجماعة. والثَّاني لا تدخل الكراهة حتى يصلِّي سنَّة الفجر. والثَّالث لا تدخل الكراهة حتى يصلِّي الصُّبح. وقال النَّووي وهو الصَّحيح والله أعلم.
ورجال هذا الإسناد ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وقد أخرج متنه النَّسائي في «الصَّلاة» أيضًا.
[1] في الأصل أبي مرو، والمثبت موافق لما في عمدة القاري أبي مروان.