فهرس الكتاب

الصفحة 10077 من 11127

6788 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بفتح السين في الأول وضمها في الثاني، البزَّاز، بتشديد الزاي الأولى، البغدادي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّ قُرَيْشًا) أي القبيلة المشهورة، وأنَّ الَّذي نُسِبُوا إليه هو فهرُ بن مالك على ما هو الأكثر.

والظَّاهرُ أنَّ المرادَ منهم من أدركَ منهم القصَّة

ج 28 ص 357

بمكَّة عام الفتح، والنَّبي صلى الله عليه وسلم مقيمٌ بمكَّة، كما في رواية مسلم، وقريشٌ بالتنوين مصروفًا على إرادة الحيِّ، ولو أريد القبيلة يُمْنَعُ من الصَّرف.

(أَهَمَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ) أي جلبت إليهم همًّا، أو صيَّرتهم في همومٍ بسبب ما وقع منها، يقال أهمَّني الأمرُ؛ أي أقلقني، والمعنى أهمَّهم شأنُ المرأةِ الَّتي سَرَقَتْ، وهي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهي بنتُ أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصَّحابي الجليل الَّذي كان زوج أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها قبل النَّبي صلى الله عليه وسلم، قُتِل أبوها كافرًا يومَ بدرٍ، قَتَلَه حمزةُ رضي الله عنه، ووهم من زعم أنَّ له صحبةً. وقيل هي أمُّ عَمرو بنت سفيان بن عبد الأسد، وهي بنتُ عمر المذكور، وهو غلطٌ ممَّن قاله، نبَّه عليه الحافظُ العسقلاني.

(الْمَخْزُومِيَّةُ) نسبة إلى مخزوم بن يَقَظة، بفتح التحتية والقاف بعدها ظاء معجمة مشالة، ابن مرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب، ومخزوم أخو كلاب بن مرَّة الَّذي يُنْسَبُ إليه بنو عبد مناف (الَّتِي سَرَقَتْ) زاد يونس في روايته [خ¦2648] «في عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح» .

وبيَّن ابنُ ماجه في روايته أنَّها سرقتْ قطيفةً من بَيْتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ووقعَ في مرسل حبيبِ بن أبي ثابتٍ أنَّها سَرَقَتْ حليًّا، ويمكن الجمعُ بأنَّ الحليَّ كان في القطيفة [1] ، والَّذي ذَكَرَ الحُلِيَّ ذَكَرَ المظروفَ دون الظَّرف.

وقال الحافظ العسقلاني الَّذي رَجَحَ عندي أنَّ ذِكْرَ الحُليِّ في قصَّة هذه المرأة وهمٌ، ووَقَعَ في مرسل الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالبٍ [2] رضي الله عنه فيما أخرجه عبد الرَّزاق، عن ابن جُريج أخبرني عَمرو بن دينار أنَّ الحسن أخبره قال سرقتِ امرأة، قال عَمرو حسبت أنَّه قال من ثياب الكعبة. وسندُه إلى الحَسَنِ صحيحٌ.

فإن أَمْكَنَ الجَمْعُ وإلَّا فالأولُ أقوى، وقد وقع في رواية مَعْمَرٍ، عن الزُّهري في هذا الحديث أنَّ المرأة المذكورة كانت تستعير المتاعَ وتجحده، أخرجه مسلمٌ وأبو داود. وأخرجه النَّسائي

ج 28 ص 358

من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزُّهري بلفظ «استعارتْ امرأةٌ على ألسنة ناسٍ يُعْرَفُون وهي لا تُعْرَفُ حُليَّا فباعتْه وأخذت ثمنَه» ، الحديثَ.

وقد بيَّنه أبو بكر بن عبد الرَّحمن بن هشام فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ إليه أنَّ امْرأةً جاءتْ امْرأةً، فقالتْ إنَّ فلانةً تَسْتَعِيْرُكِ حُليًّا فأعارَتْها إيَّاه فمكثتْ لا تراها، فجاءتْ إلى الَّتي استعارت لها، فسألتْها فقالت ما اسْتَعَرْتُكِ شيئًا فرجعتْ إلى الأخرى فأنكرتْ، فجاءتْ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فدعاها فسألها، فقالت والَّذي بعثَكَ بالحقِّ ما استعرتُ منها شيئًا، فقال (( اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحتَ فراشها ) )فأَتَوْه فوَجدوه، وأَمَرَ بها فقُطِعَتْ، الحديث.

قال الحافظ العسقلاني والَّذي اتَّضح أنَّ الحديثين محفوظان عن الزُّهري، وأنَّه كان يحدِّث تارةً بهذا وتارةً بهذا، واقتصرتْ كلُّ طائفةٍ من أصحاب الزُّهري على أَحَدِ الحديثين، وقد اختَلَفَ نظرُ العلماء في ذلك، فأخذه بظاهره أحمدُ في أشهر الرِّوايتين عنه وإسحاق، وانتصرَ له ابنُ حزم من الظَّاهرية، وذهب الجمهورُ إلى أنَّه لا تُقْطَعُ في جَحْدِ العارية، وهي رواية عن أحمد أيضًا.

وأجابوا عن الحديث بأنَّ روايةَ من روى سرقتْ أرجحُ، وبالجَمْعِ بين الرِّوايتين بضَرْبٍ من التَّأويل، فأمَّا التَّرجيح فنقل النَّووي أنَّ رواية مَعمر شاذَّة مخالفةٌ لجماهير الرُّواة، قال والشَّاذة لا يُعْمَلُ بها.

وقال المنذريُّ في «الحاشية» وتَبِعَه المُحِبُّ الطَّبري قيل إنَّ مَعْمَرًا انفرد بها، وقال القرطبيُّ رواية أنَّها سَرَقَتْ أكثرُ وأشهرُ من رواية الجَحْدِ، فقد انفردَ بها مَعْمَر وحدَهُ من بين الأئمَّة الحفَّاظ، وفي هذا كلامٌ طويل في «فتح الباري» للحافظ العَسقلاني، وأمَّا الجمع فقد قال ابنُ المنذر قد يجوز أن تستعيرَ المتاع وتجحده، ثمَّ سرقتْ فوجب القطع للسَّرقة لا بجَحْدِ المتاع.

(فَقَالُوا) أي لما أهمَّتهم؛ أي صيَّرتهم ذوي خوفٍ من لحوقِ العار، وافتضاحِهِم بها بين القبائل، وظنُّوا إمكان الشَّفاعة في مثل ذلك، فلمَّا جاء أهلها إلى من يشفع لهم فيها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا(مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ

ج 28 ص 359

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)أي يشفعُ أن لا يَقْطَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إمَّا بعفوٍ، وإمَّا بفداء. وأمر الفداء جاء في حديث مسعود بن الأسود ولفظه أعْظَمْنَا ذلك فجِئْنا إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا نحنُ نفديها بأربعين أوقيةً، فقال (( تطهَّر خيرٌ لها ) )وكأنَّهم ظنُّوا أنَّ الحدَّ يَسْقُطُ بالفِدْيَة.

ومسعود بن الأسود بن حارثة القرشي العدوي، وكان من أصحاب الشَّجرة، واستشهد يوم موتة، ولحديث مسعودٍ شاهدٌ عند أحمد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما «أنَّ امرأةً سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قومُها نحن نفديها» .

(وَمَنْ يَجْتَرِئُ) بسكون الجيم وكسر الراء مع الهمزة، من الاجتراء يفتعلُ من الجرأة، وهي الإقدامُ على الشَّيء؛ أي من يتجاسر (عَلَيْهِ) بطريق الإدلال (إِلاَّ أُسَامَةُ) وفي رواية أبي ذرٍّ وأسامة بالرفع على الفاعلية، والمعنى لا يجترئُ عليه منَّا أحدٌ لمهابته، ولِمَا لا يأخذُهُ في دين الله رأفةٌ، لكن أسامة (حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) له عليه دَلالٌ فهو يجسرُ على ذلك، ووَقَعَ في حديثِ مسعودٍ رضي الله عنه بعد قوله (( تطهر خيرٌ لها ) )فلمَّا سمعنا لينَ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أتينا أسامة. ووقع في رواية يونس في «الفتح» ففزعَ قومُها إلى أسامة، وفي رواية أيُّوب بن موسى في الشَّهادات [خ¦3733] «فلم يجترئ أحدٌ أن يكلِّمه إلَّا أسامة» ، وكان السَّبب في اختصاص أسامة بذلك ما أخرجَه ابن سعدٍ من طريق جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين، عن أبيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لأسامة (( لا تشفعْ في حدٍّ ) ). وكان إذا شَفَعَ شفَّعَه وهو _ بتشديد الفاء _ أي قَبِلَ شفاعَتَه، وكذا وقع في مرسل حبيب بن ثابتٍ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشَفِّعُه، وحِبُّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، بكسر الحاء المهملة؛ أي محبوبه، مثل قِسْم بمعنى مَقْسُوم.

(فَكَلَّمَ) أسامة (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بالنصب، وفي رواية قتيبة (( فكلَّمه أسامة ) )وفي الكلام شيءٌ مطويٌّ تقديره فجاءوا إلى أسامة

ج 28 ص 360

فكلَّموه في ذلك، فجاء أسامةُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فكلَّمه. ووقع في رواية يونس فأُتِيَ بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فكلَّمه فيها، فأفادت هذه الرِّواية أنَّ الشَّافع يشفعُ بحضرة المشفوع فيه ليكون أعذر له عنده إذا لم تقبل شفاعته، وعند النَّسائي من رواية إسماعيل بن أميَّة فأتاه فكلَّمه فزَبره، بفتح الزاي؛ أي أغلظ له في النَّهي حتَّى نسبَه إلى الجهل؛ لأنَّ الزَّبْر، بفتح ثمَّ سكون، هو العقل. وفي رواية يونس «فكلَّمه فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم» . زاد شعيب عند النَّسائي (( وهو يكلِّمه ) )، وفي مرسل حبيب بن ثابتٍ فلمَّا أقبل أسامة ورآه النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تكلِّمني يا أسامة ) ).

(فَقَالَ أَتَشْفَعُ) بهمزة الاستفهام، وفيها معنى الإنكار (فِي) ترك (حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) زاد يونس وشعيب «فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله» (ثُمَّ قَامَ) صلى الله عليه وسلم (فَخَطَبَ) أي النَّاس، وفي رواية قتيبة (( فاختطب ) )، وفي رواية يونس (( فلمَّا كان العشيُّ قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا ) ) (قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وفي رواية قتيبة بحذف (( يا ) )من أوله، وفي رواية يونس (( فقام خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله ثمَّ قال أمَّا بعد ) ).

(إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني ، وفي رواية أبي الوليد (( هلك ) )، وكذا لمحمَّد بن رمح عند مسلمٍ، وفي رواية سفيان عند النَّسائي (( إنَّما هَلَكَ بنو إسرائيل ) )، وفي رواية قتيبة (( أهلك من كان قبلكم ) ) (أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ) فلا يحدُّوه، وفي رواية قتيبة (( إذا سرقَ فيهم الشَّريف ) )، وفي رواية سفيان عند النَّسائي (( حين كانوا إذا أصابَ فيهم الشَّريفُ الحدَّ تركوه ولم يقيموا عليه ) ).

(وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ) وفي رواية إسماعيل بن أميَّة (( وإذا سرق فيهم الوضيعُ قطعوه ) )، قال ابنُ دقيق العيد الظَّاهر أنَّ هذا الحصرَ ليس عامًّا، فإنَّ بني إسرائيل كانت فيهم أمورٌ كثيرةٌ تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك

ج 28 ص 361

على حَصْرٍ مخصوصٍ وهو الإهلاكُ بسَبَبِ المحاباة في الحدود، فلا ينحصر في حدِّ السَّرقة.

(وَايْمُ اللَّهِ) بهمزة الوصل، وهو مبتدأ وخبره محذوف؛ أي قسمي أو يميني أو لَازِمٌ لِي، وقد مرَّ الكلام فيه في «كتاب الأيمان» [خ¦6627 قبل] ، وفي رواية يونس (( والذي نفسي بيده ) ) (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ) رضي الله عنها (بِنْتَ مُحَمَّدٍ) صلى الله عليه وسلم (سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا) وفي رواية أبي الوليد (( لقطعتْ يَدَها ) ). وفي الأولى تجريدٌ، وهذا من الأمثلة الَّتي صحَّ فيها أن لو حرفُ امتناع لامتناع، وقد أتقن القولَ في ذلك صاحبُ «المغني» ، وعند ابن ماجه عن محمَّد بن رمح شيخه في هذا الحديث سمعت اللَّيث يقول عقب هذا الحديث قد أعاذها الله من أن تسرقَ، وكلُّ مسلمٍ ينبغي له أن يقول مثل هذا، فينبغي أن لا يذكر هذا الحديث في استدلالٍ ونحوه إلَّا بهذه الزِّيادة.

ووَقَعَ للشَّافعيِّ أنَّه لمَّا ذَكَرَ هذا الحديثَ قال فَذَكَرَ عُضْوًا شَريفًا من امرأةٍ شريفةٍ، واستحسنوا ذلك منه لما فيه من الأدب البالغ، وإنَّما خصَّ صلى الله عليه وسلم فاطمةَ ابنته رضي الله عنها بالذِّكر؛ لأنَّها أعزُّ أهلِه عنده، ولأنَّه لم يبق من بناته حينئذٍ غيرها، فأراد المبالغة في تثبيت إقامة الحدِّ على كلِّ مكلفٍ، وترك المحاباة في ذلك؛ ولأنَّ اسمَ السَّارقة وافق اسمها رضي الله عنها، فناسب أن يضرب المثل بها.

وزاد يونس في روايته من رواية ابنِ المبارك في غزوة الفتح «ثمَّ أمرَ بتلك المَرأة الَّتي سَرَقَتْ فقُطِعَتْ يَدُها» ، ووقع في حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما عند النَّسائي (( قم يا بلالُ فخذْ بيدهَا فاقطعْهَا ) )، وفي أُخرى له (( فأمرَ بها فقطعتْ ) ).

وذكر أبو داود تعليقًا عن محمَّد بن عبد الرَّحمن، وزاد فيه قال فشهدَ عليها، وزاد يونس أيضًا في روايته قالت عائشة رضي الله عنها (( فحسنت توبتها بعد وتزوَّجت ) )وكانت تأتي بعد ذلك فأرْفَعُ حاجتَهَا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

وعند أبي عَوَانة عن الزُّهري قال وأخبرني القاسم بن محمَّد أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت «فنكحت تلك المرأةُ رجلًا من بني سليم

ج 28 ص 362

وتابَتْ، وكانت حسنة التَّلبُّسِ، تأتيني فأرفعُ حاجتَها»، الحديث.

وفي آخر حديث مسعود بن الحكم عند الحاكم قال ابن إسحاق وحدَّثني عبد الله بن أبي بكرٍ رضي الله عنه «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان بعد ذلك يرحمها ويصلها» ، وفي حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما عند أحمد أنَّها قالت هل لي من توبةٍ يا رسول الله؟ فقال (( أنْتِ اليومَ مِنْ خَطيئتِكِ كيومَ ولدتكِ أمُّك ) ).

وفي الحديث من الفوائد منع الشَّفاعة في الحدود، وقد تقدَّمت في التَّرجمة الدَّلالة على تقييد المنع بما إذا انتهى ذلك إلى والي الأمر، واختلف العلماء في ذلك فقال أبو عمر بن عبد البرِّ لا أعلم خلافًا أنَّ الشَّفاعةَ في ذوي الذُّنوب حسنةٌ جميلةٌ ما لم تبلغِ السُّلطان، وأنَّ على السُّلطان أن يقيمها إذاَ بلَغتْهُ.

وذكر الخطَّابيُّ وغيرهُ عن مالكٍ أنَّه فرَّق بين من عُرِفَ بأذى النَّاس ومن لم يُعْرَف، فقال لا يشفع للأوَّل مطلقًا سواءٌ بلغ الإمام أم لا، وأمَّا من لم يُعْرَف بذلك؛ فلا بأس أن يشفعَ له ما لم يبلغ الإمام. وتمسَّك بحديث الباب من أوجب إقامة الحدِّ على القاذف إذا بلغ الإمام، ولو عفا المقذوف، وهو قول الحنفيَّة والثَّوري والأوزاعي، وقال مالكٌ والشَّافعي وأبو يوسف يجوز العفو مطلقًا ويدرأ بذلك الحدَّ؛ لأنَّ الإمام لو حدَّه بعد عفو المقذوف؛ لجاز أن يُقِيمَ البيِّنة بصدق القاذف، وكانت تلك شبهة قويةٌ، وفيه دخول النِّساء مع الرِّجال في حدِّ السَّرقة، وفيه قبول توبة السَّارق.

وفيه ما يدلُّ على أنَّ فاطمة رضي الله عنها عند أبيها صلى الله عليه وسلم في أعظمِ المنازل، فإنَّ في القصَّة إشارةً إلى أنَّها الغاية في ذلك، ولا يؤخذ منها أنَّها أفضلُ من عائشة رضي الله عنها، وفيه تَرْكُ المحاباةِ في إقامة الحدِّ على من وجب عليه، ولو كان ولدًا أو قريبًا، أو كبيرَ القَدْر، والتَّشديد في ذلك والإنكار على من رخَّص فيه أو تعرَّض للشَّفاعة فيمن وجب عليه، وفيه جواز ضرب المثل بالكبير القدر؛ للمبالغة في الزَّجر عن الفعل،

ج 28 ص 363

ومراتبُ ذلك مختلفةٌ.

ولا يخفى ندب الاحتراز مع ذلك حيث لا يترجَّح التَّصريح بحسب المقام كما تقدَّم نقلُه عن اللَّيث، وعن الشَّافعي، ويؤخذ منه جواز الإخبار عن أمرٍ مقدَّرٍ يفيد القطع بأنَّه محقَّق.

وفيه أنَّ من حَلَفَ على أَمْرٍ لا يتحقَّقُ أن يفعله أو لا يفعله أن لا حنث عليه كمن قال لمن خاصم أخاه والله لو كنت حاضرًا لهشمتُ أنفك خلافًا لمن قال يحنث مطلقًا.

وفيه جواز التَّوجع لمن أقيم عليه الحدُّ بعد إقامته عليه، وقد حكى ابن الكلبي في قصَّة أمِّ عمرو بنت سفيان أنَّ امرأة أُسيد بن حضير رضي الله عنها آوتها بعد أن قُطِعَتْ، وصنعتْ لها طعامًا، وأن أُسيدًا رضي الله عنه ذَكَرَ ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم كالمُنْكِرِ على امرأته فقال (( رَحِمَتْها رَحِمَها الله تعالى ) )، وفيه الاعتبارُ بأحوال من ينقضي من الأمم، ولا سيَّما من خالف أمر الشَّرع.

وتمسَّك به بعض من قال إن شرع من قبلنا شرعٌ لنا؛ لأنَّ فيه إشارةً إلى تحذير من فعل الشَّيء الَّذي جرَّ الهلاك إلى الَّذي من قبلنا؛ لئلَّا نهلك كما هلكوا، وفيه نظرٌ، وإنَّما يعمُّ أن لو لم يرد قطع السَّارق في شرعنا، وأمَّا اللَّفظ العام فلا دلالةَ فيه على المدَّعى أصلًا.

ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة ظاهرةٌ، وهو كالتَّفسير للحديث الَّذي ذكر في الباب الَّذي قبله [خ¦6787] .

[1] في هامش الأصل القطيفة كساء مخمل.

[2] في هامش الأصل يعني محمد بن الحنفية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت