6815 - 6816 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، هو ابنُ خالدٍ الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف (وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) أي ابن حرب، الإمام أبي محمد المخزومي، أحدِ الأعلام وسيِّدِ التابعين.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ أَتَى رَجُلٌ) زاد [ابن] مسافر في روايته (( رجلٌ من النَّاس ) )، وفي رواية شعيب بن اللَّيث (( من المسلمين ) )، وفي رواية يونس ومَعمر (( أنَّ رجلًا من أسلم ) ). وفي حديث جابر بن سَمُرة عند مسلم (( رأيتُ ماعز بن مالك الأسلمي حين جيءَ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )الحديث، وفيه (( رجلٌ قصيرٌ أعضلَ ليس عليه رداء ) ). وفي لفظ (( ذو عَضَلات ) )بفتح المهملة ثم المعجمة. وقال أبو عبيدة العضلةُ ما اجتمعَ من اللَّحم في أعلى باطن السَّاق. وقال الأصمعي كلُّ عصبةٍ معها لحمةٌ فهي عضلة. وقال ابنُ القطاع لحم السَّاق والذِّراع، وكلُّ لحمةٍ مستديرةٌ في البدن، والأعضل الشَّديد الخلق، ومنه أعضل الأمر إذا اشتدَّ، لكن دلَّت الرِّواية الأخرى على أنَّ المرادَ هنا الكثيرُ العضلات.
(رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ فِي الْمَسْجِدِ) حالٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجملة الثانية معطوفةٌ على أتى
ج 28 ص 405
(فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ) صلى الله عليه وسلم، زاد ابن مسافر (( فتنحَّى لشقِّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أعرضَ قِبَله ) )بكسر القاف وفتح الموحدة. وفي رواية شعيب (( فتنحَّى تلقاءَ وجهه ) )أي انتقلَ من النَّاحية الَّتي كان فيها إلى النَّاحية التي يستقبلُ بها وجهَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. و (( تلقاءَ ) )منصوب على الظَّرفية، وأصلُه مصدرٌ أُقيم مقامَه الظرف؛ أي مكان تلقاء، فحذف مكان، قيل وليس من المصادر تِفْعال، بكسر أوله، إلَّا هذا، وتِبْيان، وسائرها بفتح أوَّله، وأمَّا الأسماء بهذا الوزن فكثيرةٌ.
(حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني بدال واحدة، وفي رواية غيره (( ردَّدَ عليه ) )بدالين الأولى مشددة، وفي رواية شعيب بن اللَّيث (( حتى ثنَّى ذلك عليه ) )وهي بمثلثة بعدها نون خفيفة؛ أي كرَّر. وفي حديث بريدة عند مسلم قال (( ويحك ارجعْ واستغفرِ الله، وتبْ إليه فرجعَ غير بعيدٍ، ثمَّ جاء فقال يا رسول الله، طهِّرني ) ). وفي لفظ (( فلمَّا كان من الغد أتاه ) ).
ووقع في مرسل سعيد بن المسيَّب عند مالكٍ والنَّسائي من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد أنَّ رجلًا من أسلم قال لأبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه إنَّ الآخر [زنى] ، فقال تبْ إلى الله واستترْ بستر الله، ثمَّ أتى عمر رضي الله عنه كذلك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ثلاث مرَّاتٍ، حتَّى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله.
(فَلَمَّا شَهِدَ) أي أقرَّ (عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ وفي رواية بريدة المذكورة (( حتَّى إذا كان الرَّابعة قال فبم أطهرك ) ). وفي حديث جابر بن سمرة من طريق أبي عوانة، عن سماك (( فشهد على نفسه أربع شهاداتٍ ) )، أخرجه مسلم.
وأخرجه من طريق شعبة عن سماك قال فردَّه مرَّتين، وفي أخرى مرتين أو ثلاثًا، قال شعبة قال سماك فذكرته لسعيد فقال إنَّه ردَّه أربع مرَّاتٍ، ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم أيضًا (( فاعترفَ بالزِّنى ثلاث مرات ) ).
والجَمْعُ بينها إمَّا رواية
ج 28 ص 406
مرتين، فتحمل على أنَّه اعترف مرَّتين في يومٍ آخر كما يُشْعِرُ به قول بريدة «فلمَّا كان من الغد» ، فاقتصر الرَّاوي على أحدهما، أو مراده اعترف مرَّتين في يومين، فيكون من ضرب اثنين في اثنين.
وقد وقع عند أبي داود من طريق إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما «جاء ماعز بن مالك إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فاعترف بالزِّنى مرَّتين» ، وأمَّا رواية الثلاث؛ فكأنَّ المرادَ الاقتصارُ على المرات التي ردَّه فيها، وأمَّا الرَّابعة فإنَّه لم يردُّه، بل استثبت فيه، وسأل عن عَقْلِه، لكن وقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي داود من طريق عبد الرَّحمن بن الصَّامت ما يدلُّ على أنَّه الاستثبات فيه إنَّما وَقَعَ بعد الرابعة.
ولفظه «جاء الأسلميُّ، فشهد على نفسه أنَّه أصاب أمرًا أربع مرَّاتٍ كلُّ ذلك يُعْرِضُ عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل في الخامسة فقال تدري ما الزِّنى» إلى آخره، والمراد بالخامسة الصِّفة الَّتي وقعت منه عند السُّؤال والاستثبات؛ لأنَّ صفة الإعراض وقعت أربع مرَّاتٍ، وصفة الإقبال عليه للسُّؤال وقعتْ بعدها.
(دَعَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ) له (أَبِكَ جُنُونٌ) بهمزة الاستفهام وجنون مبتدأ، والجار والمجرور متعلق بالخبر، والمسوغ للابتداء بالنَّكرة تقديم الخبر في الظرف، وهمزة الاستفهام (قَالَ لاَ) أي ليس بي جنونٌ. وفي رواية شعيب في الطَّلاق [خ¦5271] (( وهل بك جنونٌ ) )، وفي حديث بريدة (( فسأل أَبِهِ جنون؟ فأخبر بأنَّه ليس بمجنونٍ ) ). وفي لفظ (( فأرسل إلى قومه، فقالوا ما نعلم به بأسًا إلَّا أنَّه أصاب شيئًا يرى أنَّه لا يخرجه منه إلا أن يقامَ عليه الحد لله ) ).
وفي مرسل سعيد بعث إلى أهله فقال (( أيشتكي؟ أبه جنة؟ ) )فقالوا يا رسول الله، إنَّه صحيحٌ. ويجمع بينها بأنَّه سأله، ثمَّ سأل عنه؛ لاحتمال أن يكون كذلك ولا يعتدُّ بقوله. وعند أبي داود من طريق نُعيم بن هَزَّال قال «كان ماعز بن مالك يتيمًا في حجر أَبِي، فأصاب جاريةً من الحيِّ، فقال له أَبِي ائتِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأخبِرْه بما صَنَعْتَ لعلَّه يستغفرْ لك، ورجاءَ
ج 28 ص 407
أن يكون له مخرجٌ»، فذكرَ الحديثَ.
قال القاضي عياض فائدة سؤاله أَبِكَ جنونٌ، استقراء لحاله، واستبعاد أن يلحَّ عاقلٌ بالاعتراف بما يقتضي إهلاكه، أو لعلَّه يرجع عن قوله فإنَّ الإنسان غالبًا لا يصرُّ على إقرار ما يقتضي هلاكه من غير سؤالٍ مع أنَّ له طريقًا إلى سقوط الإثم بالتَّوبة، أو لأنَّه سَمِعَه وحدَه، أو ليتمَّ إقراره أربعًا عند من يشترطه، وأمَّا سؤاله قومَه عنه بعد ذلك فمبالغةٌ في الاستثبات.
وتَعَقَّبَ بعضُ الشُّرَّاح «أو لأنَّه سَمِعَه وحدَه» بأنَّه كلامٌ ساقطٌ؛ لأنَّه وقع في نفس الخَبَرِ أنَّ ذلك كان بِمَحْضَرٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم في المسجد، ويُرَدُّ بِوَجْهٍ آخر وهو أنَّ انفرادَه صلى الله عليه وسلم بسماع إقرار المقرِّ كافٍ في الحكم عليه بعلمهِ اتِّفاقًا، إذ لا ينطقُ عن الهوى بخلاف غيره، ففيه الاحتمال.
وقال القرطبيُّ إنما سأل بقوله (( أبك جنونٌ؟ ) )لما ظهر عليه من الحال الَّذي يشبه حال المجنون، وذلك أنَّه دخل منتفش الشَّعر ليس عليه رداءٌ يقول زَنَيْتُ فَطَهِّرني، كما في «صحيح مسلم» من حديث جابر بن سمرة. وإنَّما سأل قومه مبالغةً في تحقيق حاله، وفي صيانة دم المسلم، فبنى الأمرَ عليه لا على مجرَّد إقراره بعدم الجنون، فإنَّه لو كان مجنونًا لم يَفِدْ قولُه إنَّه ليس به جنونٌ؛ لأنَّ إقرارَ المجنون غيرُ معتبرٍ، فهذه هي الحكمةُ في سؤاله عنه قومه.
(قَالَ فَهَلْ أَحْصَنْتَ) أي تزوَّجت هذا معناه جزمًا هنا؛ لافتراق الحكم في حدِّ من تزوَّج ومن لم يتزوَّج (قَالَ نَعَمْ) أحصنت، زاد في حديث بريدة قبل هذا (( أَشَرِبْتَ خَمْرًا قال لا، وفيه فقام رَجَلٌ فاسْتَنْكَهَهُ فلم يجدْ منه ريحًا ) ). وزاد في خبر ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما الآتي قريبًا [خ¦6824] (( لعلَّك قَبَّلْتَ أو غَمَزْتَ، بمعجمة وزاي، أو نَظَرْتَ ) )أي فأطلقت على كلِّ ذلك زنى، ولكنَّه لا حدَّ في ذلك، قال لا. وفي حديث نعيمٍ فقال (( هل ضاجَعْتَها؟ ) )قال نعم، قال (( فهل باشَرْتَها؟ ) )قال نعم، قال (( جَامَعْتَها؟ ) )قال نعم.
وفي حديث ابن عبَّاسٍ المذكور فقال (( أنكتها، لا يَكْني ) )بفتح الياء التحتانية وسكون الكاف، من الكناية؛ أي إنَّه ذكر هذا اللَّفظَ صريحًا، ولم يَكْنِ عنه بلفظٍ آخر كالجِمَاع، ويحتمل أن يجمع بأنَّه ذَكَرَه بعد ذِكْرِ الجِمَاع؛ لأنَّ الجِمَاعَ قد يحمل على مجرَّد الاجتماع، قال فعند ذلك أمر برجمه.
ج 28 ص 408
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اذْهَبُوا بِهِ) الباء للتعدية أو الحال؛ أي اذهبوا مصاحبين له (فَارْجُمُوهُ) ، وفي حديث أبي هريرة (( أَنِكْتَها ) )قال نعم، قال (( تَغَيَّبَ المِرْوَدُ في المُكْحُلَة، والرِّشاءُ في البئر ) )قال نعم، قال (( تدري ما الزِّنى؟ ) )قال نعم، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرَّجلُ من امرأته حلالًا، قال (( فما تريد بهذا القول ) )قال تطهِّرني، قال فأمر به فرُجِمَ. وقبله عند النَّسائي هنا (( هل أَدْخَلْتَه وأَخْرَجْتَه؟ ) )قال نعم.
واستدلَّ به على اشتراط تكرار الإقرار بالزِّنى أربع مرَّاتٍ، وأنَّه لا يكتفى بما دونها؛ لظاهر قوله فلمَّا شهد على نفسه أربعَ شهاداتٍ، فإنَّ فيه إشعارًا بأنَّ العدد هو العلَّة في تأخير إقامة الحدِّ عليه، وإلَّا لأمر برجمه في أوَّل مرَّةٍ، ولما في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال لماعزٍ فيه (( شهدتَ على نفسك أربعَ شهاداتٍ، اذهبوا به فارجموه ) ).
وممَّا يؤيِّده القياس على عدد شهود الزِّنى دون غيره من الحدود، وهو قول الكوفيِّين منهم أبو حنيفة، والرَّاجح عند الحنابلة، في فتح الباري (وزاد ابن أبي ليلى فاشتراط أن تتعدَّدَ مجالسُ الإقرار، وهي رواية عن الحنفية، وتمسكوا بصورة الواقعة، لكن الروايات فيها اختلفت) [1]
قال الحافظ العسقلاني والَّذي يظهر أنَّ المجالس تعددَّت، لكن لا تعدُّد للإقرار، وأكثر ما ينقل في ذلك أنَّه أقرَّ مرتين، ثمَّ عاد من الغد فأقرَّ مرَّتين، وفيه نظرٌ.
وأُجيب عن طرف المالكيَّة والشَّافعيَّة في عدم اشتراط ذلك بأنَّ ذلك وقع في قصَّة ماعز، وهي واقعةُ حالٍ، فجاز أن يكون لزيادة الاستثباتِ والتَّحقيق والاحتياط في دَرْءِ الحدِّ بالشُّبهة.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريِّ بالسَّند السَّابق (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريِّ رضي الله عنهما صرَّح مَعمر ويونس في روايتيهما بأنَّه أبو سلمة بن عبد الرحمن، فكأنَّ الحديث كان عند أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه كما عند سعيد بن المسيَّب، وعنده زيادةٌ عليه عن جابر رضي الله عنه.
(قَالَ كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى) أي مكان صلاة العيد والجنائز، والمعنى في جماعةِ من رجمَهُ، وأعاد على لفظ (( من ) )ولو أعاد على معناه لقال فيمن رَجَموه.
ج 28 ص 409
وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ؛ أي فرجمناه بالمصلَّى، فكنت فيمن رجمَهُ، أو يُقَدَّر فكنت فيمن أراد حضورَ رَجْمِه فرَجَمْناه. وفي رواية مَعْمر (( فأمر به فرُجِم بالمصلَّى ) ). وفي حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه (( فما أوثقناه ولا حفرنا له ) )قال فرميناهُ بالعظام والمدر والخَزَف، بفتح المعجمة والزاي وبالفاء وهي الآنية المتَّخذة من الطِّين المشويِّ، وكأنَّ المرادَ ما تكسَّر منه.
(فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ) بالذال المعجمة وفتح اللام بعدها قاف؛ أي أصابَتْه بحدِّها وأقلقته. قال أهل اللُّغة الذَّلَق بالتحريك القَلَق وممَّن ذكره الجوهري. وقال في «النهاية» أذلقته بلغت منه الجهد حتَّى قلق، يقال أذلقه الشَّيء أجهده. وقال النَّووي معناه أصابته بحدِّها، ومنه انذلق صار له حدٌّ يقطع (هَرَبَ) وفي رواية ابن مسافر بن جَمَزَ، بجيم وميم مفتوحتين ثم زاي؛ أي وَثَبَ مسرعًا، وليس بالشَّديد العدو، بل كالقفز. ووقع في حديث أبي سعيدٍ (( فاشتدَّ فاشتددنا خَلْفه ) ).
(فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المشدَّدة موضعٌ ذو حجارةٍ سودٍ ظاهر المدينة (فَرَجَمْنَاهُ) زاد مَعمر في روايته (( حتَّى مات ) ). وفي حديث أبي سعيدٍ «حتَّى أَتَى عُرْضَ الحَرَّة، بضم أوله؛ أي جانب الحُرَّة، فرميناه بجلاميد الحَرَّة حتَّى سَكَتَ» .
وعند التِّرمذي من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصَّة ماعز (( فلمَّا وجد مسَّ الحجارة فرَّ يشتدُّ حتَّى مرَّ برجلٍ معه لحي جملٍ فضَرَبَه وضَرَبَه النَّاس حتَّى مات ) ). وعند أبي داود والنَّسائي من رواية يزيد بن نُعيم بن هزال، عن أبيه في هذه القصَّة (( فوجَدَ مسَّ الحِجارة، فخرجَ يشتدُّ فلقيهُ عبد الله بن أنيسٍ، فرماهُ بوظيف بعيرٍ فقتلَهُ فكان سببًا في قتله ) ). وفي روايةٍ للطَّبراني في هذه القصَّة «فضربَ به ساقَه فصرعَهُ فرجموهُ حتَّى قتلوه» . والوظيف، بمعجمة، كعظيم خفِّ البعير. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند النَّسائي «فانتهى إلى أصل شجرةٍ فتوسَّدَ يَمِيْنَه حتَّى قُتِل» .
وللنَّسائي من طريق أبي مالك
ج 28 ص 410
عن رجلٍ من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم «فذَهَبوا به إلى حائطٍ بلغ صدره، فذهب يثبُ، فرماه رجلٌ، فأصاب أذنه فصرعَه فقتله» .
وحكى الحاكم عن ابن جريج أنَّه قتله عمر رضي الله عنه، وكان أبو بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه رأس الَّذين رَجَمُوه، ذكره ابن سعدٍ.
وفي هذا الحديث من الفوائد منقبةٌ عظيمةٌ لماعز بن مالك جزاه الله خيرًا عن نفسه؛ لأنَّه استمرَّ على طلب إقامة الحدِّ عليه مع توبتهِ ليتمَّ تطهيره، ولم يرجع عن إقرارهِ مع أنَّ الطَّبع البشريَّ يقتضي أن لا يستمرَّ على الإقرار بما يقتضِي إزهاقَ نفسه، فجاهدَ نفسه على ذلك، وقوي عليها، وأقرَّ من غير اضطرارٍ إلى إقامة ذلك عليه بالشَّهادة مع وضوح الطَّريق إلى سلامته من القتل بالتَّوبة.
لا يقال لعلَّه لم يَعْلَمْ أنَّ الحدَّ بعد أن يُرْفَعَ إلى الإمام يرتفع بالرُّجوع؛ لأنَّه يقال كان له طريقٌ أن يبرزَ أمره في صورة الاستفتاء، فيعلم ما يخفى عليه من أحكام المسألة، ويبني على ما يُجَابُ به، ويعدلَ عن الإقرار إلى ذلك.
ويؤخذ من قصَّته أنَّه يستحبُّ لمن وقع في مثل قصَّته أن يتوبَ إلى الله، ويسترَ نفسه، ولا يذكر ذلك لأحدٍ، كما أشارَ إليه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على ماعز رضي الله عنه، وأنَّ من اطَّلع على ذلك يستر عليه ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام، كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصَّة (( لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك ) ). وبهذا جزم الشَّافعي فقال أحبُّ لمن أصاب ذنبًا فستره الله عليه أن يسترَ على نفسه ويتوب، واحتجَّ بقصَّة ماعزٍ مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وقال ابنُ العربي هذا كلُّه في غير المجاهر، فأمَّا إذا كان متظاهرًا بالفاحشة مجاهرًا، فإنِّي أحبُّ مكاشفته والتَّبريح به لينزجر هو وغيره، وقد استشكلَ استحباب السَّتر مع ما وقع من الثَّناء على ماعز والغامديَّة.
وأجاب الشَّيخ زين الدِّين العراقي بأنَّ الغامديَّة كان ظَهَرَ بها الحَبَلُ مع كونها غيرُ ذات زوج، فتعذَّر الاستتار؛ للاطِّلاع على ما يُشْعِرُ بالفاحشة، ومن ثمَّة قيَّد بعضُهم ترجيحَ الاستتار حيث لا يكون هناك ما يشعر بضدِّه، وإن وُجِدَ فالرَّفْعُ إلى الإمام ليقيم عليه الحدُّ أفضل. انتهى.
ج 28 ص 411
والَّذي يظهر أنَّ السِّتر مستحبٌّ، والرفع لقصد المبالغة في التَّطهير أحبُّ، والعلمُ عند الله تعالى.
وفي الحديث أنَّه يستحبُّ لمن وقع في معصيةٍ ونَدِمَ أن يبادر إلى التَّوبة، ولا يخبر بها أحدًا، ويستتر بستر الله وإن اتَّفق أن يخبر أحدًا، فيستحب أن يأمره بالتَّوبة وسترِ ذلك عن النَّاس كما جرى لماعزٍ مع أبي بكرٍ، ثمَّ عمر رضي الله عنهما.
ثمَّ إنَّه قد وَقَعَ في حديث أبي نعيم بن هزال (( هلَّا تركتموه لعلَّه يتوب، فيتوب الله عليه ) )أخرجه أبو داود وصحَّحه الحاكم والتِّرمذي.
وهو حجَّةٌ للشَّافعي ومن وافقه أنَّ الهارب من الرَّجم إذا كان بالإقرار يُسْقِطُ عن نفسه الرَّجم، وعند المالكيَّة لا يُتْرَكُ إذا هَرَب، بل يُتبع فيرجم؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يلزمهم ديته مع أنَّهم قتلوه بعد هربه. وأُجيب بأنَّه لم يصرِّح بالرُّجوع، وقد ثبت عليه الحدُّ. وعند أبي داود من حديث بريدة قال «كنَّا أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم نتحدَّث أنَّ ماعزًا والغامدية لو رجعا لم نطلبهما» .
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم (( أَبِكَ جنونٌ ) )لأنَّ المفهومَ منه أنَّه إذا كان مجنونًا لا يُرْجَم. وقد أخرجه مسلمٌ في الحدود، والنَّسائي في الرجم.
[1] في الأصل وزاد وهي روايةٌ عن الحنفيَّة قول ابن أبي ليلى، فاشترط أن يتعدَّد مجالس الإقرار، وتمسَّك بالصُّورة الواقعة، لكن الرِّواية فيها اختلاف.