فهرس الكتاب

الصفحة 10119 من 11127

6819 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ) وفي رواية أبي ذرٍّ زيادة العجلي الكوفي، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام المخففة بينهما خاء معجمة ساكنة، القطواني الكوفي، وهو أيضًا أحد مشايخ البخاريِّ، روى عنه في مواضعٍ بلا واسطةٍ، وروى عنه هنا بالواسطة (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو ابنُ بلال، أبو أيوب مولى عبد الله بن أبي عتيقٍ، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) المدني (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) بضم الهمزة على البناء للمفعول (بِيَهُودِيٍّ) لم يُسَمَّ (وَيَهُودِيَّةٍ) اسمها يسرة، كما ذكره ابن العربي في «أحكام القرآن» . قال الزَّجَّاج كانا من أهل خيبر. وعن ابن الطَّلاع ذكر البخاري أنَّهم أهل الذِّمة.

(قَدْ أَحْدَثَا جَمِيعًا) أي زنيا، مِن أَحْدَثَ إذا زنى، ويقال معناه فعلا فِعلًا فاحشًا، وأُريد به الزِّنى (فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لَهُمْ) أي لليهود (مَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ) أي في التَّوراة (قَالُوا إِنَّ أَحْبَارَنَا) بالحاء المهملة والموحدة، جمع حبر، وهو العالم الَّذي يزيِّن الكلام؛ أي علماءَنا (أَحْدَثُوا) أي ابتكروا. قال الكرماني هو من الإحداث وهو الإبداء وهو الإظهار؛ أي اظهروا.

(تَحْمِيمَ الْوَجْهِ) أي تسخيمَه وتسويده بالفحم، والحُمَم، بضم الحاء المهملة وفتح الميم المخففة. قال ابن الأثير هو جمع حُمَمة، وهي الفحمة (وَالتَّجْبِيَةَ) بالجيم والباء الموحدة، من باب التفعلة، وهو الإركاب معكوسًا، وقيل أن يُحْمَلَ الزَّانيان على حمارٍ مخالفًا بين وجوههما. قال الحافظ العسقلاني والمعتمد ما قال أبو عبيد التَّجبية أن يضعَ اليدين على الرُّكبتين، وهو قائمٌ فيصير كالراكع.

وقال الفارابي جَبَّى، بفتح الجيم وتشديد الموحدة، قام قيام الرَّاكِعِ وهو عُريانٌ.

(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ) بتخفيف اللام (ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالتَّوْرَاةِ، فَأُتِيَ بِهَا) بضم الهمزة (فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ) هو عبد الله بن صُوْرِيا (عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ) المكتوبة في التَّوراة(وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا،

ج 28 ص 414

فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَلاَمٍ ارْفَعْ يَدَكَ)عنها فرفعها (فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أن يُرْجَما (فَرُجِمَا) أي بعد إخراجهما إلى محلِّ الرَّجم، وإنَّما فعل ذلك إقامةً للحجَّة عليهم، وإظهارًا لما كتموه وبدَّلوه، لا ليُعْرَفَ الحُكْمُ ولا لتقليدهم.

(قَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (فَرُجِمَا عِنْدَ الْبَلاَطِ) بين السُّوق والمسجد النَّبوي. وفائدةُ ذِكْرِ البلاط الإشارة إلى جواز الرَّجم من غير حَفِيْرَةٍ؛ لأنَّ المواضع المبلَّطة لم تحفر غالبًا، أو أنَّ الرَّجم يجوز في الأبنية، ولا يختصُّ بالمصلَّى ونحوه ممَّا هو خارج المدينة.

(فَرَأَيْتُ الْيَهُودِيَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا) بالجيم والنون آخره همزة مفتوحة. يقال أجنأ عليه إجناء إذا أكبَّ عليه يقيه شيئًا، وفي رواية أبي ذرٍّ بالحاء المهملة مقصورًا، ومعناهما واحد.

قال ابن التِّين وروِّيناه هنا (( أجنأ ) )بالجيم والهمزة، وفي رواية (( فرأيته يجانئ عليها ) )من باب المفاعلة، ويروى بالحاء المهملة (( يحني عليها ) )بالحاء؛ أي يكبُّ عليها.

وقال الخطابي الَّذي جاء في كتاب «السنن» (( يجني ) )يعني بالجيم، والمحفوظ إنَّما هو (( يحني ) )يعني بالحاء، يقال حنا يحنو حنوًا، وأحنى يحني؛ أي يعطف ويشفقُ. قيل فيه سبع روايات كلُّها راجعةٌ إلى الوقاية. وقال القاضي عياض الصَّحيح في هذا ما قاله أبو عبيد؛ يعني بالجيم والهمز.

وقد روى الحديث مسلم من رواية نافعٍ أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بيهوديٍّ ويهوديَّةٍ قد زَنَيا، فانطلقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتَّى جاءَ يهود فقال (( ما تجدون في التَّوراة على من زنى ) )قال نسوِّد وجوهَهما ونحميهما، ونخالف بين وجوههما، ويُطاف بهما، قال (( فأْتُوا بالتَّوراة إن كنتم صادقين ) )فجاءوا بها فقرؤوها حتَّى إذا مرُّوا بآيةِ الرَّجْم، وَضَعَ الفتى الذي يَقْرأُ يدَه على آية الرَّجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام، وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فليرفع يده، فرفعها

ج 28 ص 415

فإذا تحتها آية الرَّجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرَجَمَهُما.

قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما «كنتُ فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه» . وروى أبو داود من رواية زيد بن أسلم، عن ابن عمر رضي الله عنهما أتى نفرٌ من اليهود، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القفِّ، فأتاهم في بيت المدراس، فقالوا إنَّ رجلًا منَّا زنى بامرأةٍ، فاحكم بينهما، ووضعوا له وسادةً فجلس عليها، فقال (( ائتوني بالتَّوراة ) )، فأُتِيَ بها فنزعَ الوسادة من تحته، ووضع التَّوراة عليها، وقال (( آمنت بك ومن أنزلك، ثمَّ قال ائتوني بأعلمكم ) )فأُتِيَ بفتى شابٍّ، ثمَّ ذكر قصَّة الرَّجم، الحديث.

واختلف العلماء في الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا أواجبٌ ذلك علينا أم نحن مخيَّرون فيه، فقال جماعةٌ من فقهاء الحجاز والعراق إنَّ الإمامَ أو الحاكم مخيَّرٌ إن شاء حَكَمَ بينهم إذا تحاكموا بحُكْم الإسلام، وإن شاء أعرضَ عنهم، وقالوا إنَّ قولَه {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة 42] لم ينسخها شيءٌ، وممَّن قال بذلك مالكٌ والشَّافعي في أحد قوليه، وهو قول عطاء والشَّعبي والنَّخعي، ورُوي ذلك عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ} [المائدة 42] قال نزلت في بني قريظة، وهي مُحْكَمةٌ. وقال عامر الشَّعبي إن شاء حَكَمَ وإن شاء لم يحكم. وعن ابن القاسم إذا تحاكم أهل الذِّمَّة إلى حاكم المسلمين، ورضي الخصمان به جميعًا فلا يحكم بينهما إلَّا برضى أساقفتهما، فإن كَرِهَ ذلك أساقفتُهم فلا يحكم بينهم، وكذلك إن رضيَ الأساقفة، ولم يرض الخصمان أو أحدهما لم يحكم بينهم.

وقال الأزهريُّ مضت السُّنَّة أن يُرَدَّ أهل الذِّمَّة في حقوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إلى أهل دينهم، إلَّا أن يأتوا راغبين في حكمنا فيُحْكَمُ بينهم بكتاب الله عزَّ وجلَّ. وقال آخرون واجبٌ على الحاكم أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه بحكم الله تعالى، وزعموا أنَّ قوله تعالى {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة 48] ناسخٌ للتَّخيير

ج 28 ص 416

في الحكم بينهم في الآية التي قبل هذه، روي ذلك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وبه قال الزُّهري وعمر بن عبد العزيز والسُّدِّي. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابُه، وهو أحد قَوْلَي الشَّافعي إلَّا أنَّ أبا حنيفة قال إذا جاءت المرأة والزَّوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزَّوج لم يحكم، وقال صاحباه يحكم وكذا اختلف أصحاب مالكٍ.

واختلف الفقهاء أيضًا في اليهوديين من أهل الذِّمَّة إذا زنيا هل يُرْجمان إن رفعهم حكَّامُهم إلينا أم لا؟ فقال مالكٌ إذا زنى أهل الذِّمَّة وشربوا الخمر، فلا يَتَعَرَّضُ لهم الإمامُ إلَّا أن يُظْهِرُوا ذلك في دِيارِ المسلمين. قال مالكٌ وإنَّما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين؛ لأنَّه لم يكن لليهود يومئذٍ ذمَّة وتحاكموا إليه. وقال أبو حنيفة وأصحابه يحدَّان إذا زنيا كحدِّ المسلمين، وهو أحدُ قَولي الشَّافعي.

ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في آخر الحديث. وقد أخرجهُ مسلمٌ أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت