6830 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن يحيى الأويسي المدني، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين؛ أي ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كَيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ كُنْتُ أُقْرِئُ) بضم الهمزة من الإقراء؛ أي كنت أقرئ قرآنًا (رِجَالًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسم أحدٍ منهم غيره، زاد مالك
ج 28 ص 441
في روايته في خلافة عمر فلم أَرَ رجلًا يَجِدُ من الأقشعريرة ما يَجِدُه عبدُ الرَّحمن عند القراءة.
قال الدَّاودي فيما نقله ابن التِّين معنى قوله كنت أُقْرِئُ رجالًا من المهاجرين؛ أي أتعلَّم منهم القرآن؛ لأنَّ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما كان عند وفاة النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّما حفظ المفصل من المهاجرين والأنصار. قال وهذا الَّذي قاله خروجٌ عن الظَّاهر، بل عن النَّصِّ؛ لأنَّ قوله أقرئ، معناه أُعَلِّمُ.
ويؤيِّد تَعَقُّبه ما في رواية ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزُّهري كنت أختلفُ إلى عبد الرحمن بن عوف ونحن بمنى مع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أعلِّم عبد الرَّحمن بن عوف القرآن، أخرجه ابنُ أبي شيبة.
وكان ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما ذكيًّا سريعَ الحفظ، وكان كثير من الصَّحابة رضي الله عنهم لاشتغالهم بالجهاد لم يستوعبوا القرآن حفظًا، وكان من اتَّفق له ذلك يستدركه بعد الوفاة النَّبويَّة وإقامتهم بالمدينة، فكانوا يعْتًمِدُون على نُجَبَاءِ الأبناء يقرئونهم تمكينًا للحفظ، وفيه دَلالةٌ على أنَّ العلمَ يأخذه الكبير من الصَّغير.
(فَبَيْنَمَا) بالميم (أَنَا فِي مَنْزِلِهِ بِمِنًى) وفي رواية ابن إسحاق فأتيتُه في المنزل فلم أجدْه فانتظرته حتَّى جاء (وَهْوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا) أي عمر رضي الله عنه وكان ذلك سنة ثلاث وعشرين (إِذْ رَجَعَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوفٍ رضي الله عنه وهو جواب بينما (فَقَالَ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمه.
(أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ) جواب لو محذوف؛ أي لرأيت عجبًا، أو كلمة لو للتَّمنِّي فلا تحتاج إلى جواب (فَقَالَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ فِي فُلاَنٍ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه أيضًا، ووقع في رواية ابن إسحاق أنَّ من قال ذلك أكثر من واحدٍ، ولفظه أنَّ رجلين من الأنصار ذكرا بيعة أبي بكر رضي الله عنه.
(يَقُولُ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلاَنًا) قال الحافظ العسقلاني في «الشرح» هو طلحة بن عبيد الله، أخرجه البزَّار من طريق أبي معشر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه وعن عمر مولى غُفْرة، بضم المعجمة وسكون الفاء قالا قدم على أبي بكرٍ مالٌ
ج 28 ص 442
فذكر قصَّةً طويلةً في قسم الفيء، ثمَّ قال حتَّى إذا كان من آخر السَّنة التي حجَّ فيها عمر رضي الله عنه، قال بعض النَّاس لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلانًا؛ يعنون طلحة بن عبيد الله.
ونقل ابن بطَّال عن المهلَّب أنَّ الَّذي عنوا أنَّهم بايعوه رجلٌ من الأنصار ولم يذكر مستنده هذا.
وقال في «المقدمة» في «مسند البزار» و «الجعديات» بإسنادٍ ضعيفٍ أنَّ المرادَ بالَّذي يبايَعُ له طلحةُ بن عبيد الله، ولم يسمَّ القائل ولا النَّاقل، ثمَّ وجدته في «الأنساب» للبلاذري بإسنادٍ قويٍّ من رواية هشام بن يوسف، عن مَعمر، عن الزُّهري بالإسناد المذكور في الأصل، ولفظه قال عمر «بلغني أنَّ الزُّبير قال لو قد مات عمر لبايعنا عليًّا» ، الحديث.
(فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ إِلاَّ فَلْتَةً) بفتح الفاء وسكون اللام بعدها مثناة فوقية ثم تاء تأنيث؛ أي فجأة وزنًا ومعنًى. وجاء عن سُحنون عن أشهب أنَّه كان يقولها بضم الفاء، ويفسرها بإفلات الشَّيء من الشَّيء، ويقول إنَّ الفتح غلطٌ، وأنَّه إنَّما يقال فيما يندمُ عليه، وبيعة أبي بكر رضي الله عنه ممَّا لا يندمُ عليه كلُّ واحدٍ، بل يمكن النَّدم عليه من بعضٍ دون بعض. وإنَّما أطلقوا على بيعة أبي بكر ذلك بالنِّسبة لمن لم يحضرها في الحال الأولى.
(فَتَمَّتْ) أي المبايعة بذلك (فَغَضِبَ عُمَرُ) رضي الله عنه، زاد ابنُ إسحاق عند ابن أبي شيبة (( غضبًا ما رأيتُه غضب مثله منذ كان ) ) (ثُمَّ قَالَ إِنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ، فَمُحَذِّرُهُمْ) بالميم في اليونينية، وفي غيرها بالنون (هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ) بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وكسر الصاد المهملة، منصوب بحذف النون بعد الواو، كذا هو في رواية الجميع. وفي رواية مالك (( يغتصبوهم ) )بزيادة مثناة بعد الغين المعجمة من الافتعال، ويروى (( أن يغصبونهم ) )بالنون بعد الواو، وهي لغةٌ كقوله تعالى {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة 237] بالرفع، وهو تشبيههم أنَّ بما المصدرية فلا ينصبون بها؛ أي الَّذين يقصدون أمورًا ليست من وظيفتهم ولا مرتبتهم، فيريدون أن يباشروها بالظُّلم والغصب.
وفي رواية الكُشْمِيْهَني
ج 28 ص 443
بالعين المهملة والضاد المعجمة وفتح أوله. وحكى ابن التِّين أنَّه رُوِيَ بالعين المهملة وضم أوله، من أعضب؛ أي صار لا ناصرَ له، والعضوب الضَّعيف، من عَضَبتِ الشَّاةُ إذا انكسرَ أحدُ قرنيها، أو قرنُها الدَّاخل وهو المُشَاشُ. والمعنى أنَّهم يَغْلِبُون على الأمر فيَضْعُف لِضَعْفِهم والأَوَّلُ أَولى.
والمراد أنَّهم يثبون على الأمر بغير عهدٍ ولا مشاورةٍ، وقد وقع ذلك بعد عليٍّ وفق ما حذَّرهم رضي الله عنه.
(قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف (فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لاَ تَفْعَلْ) ذلك، فيه جواز الاعتراض على الإمام في الرَّأي إذا خشي من ذلك الفتنة واختلاف الكلمة (فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ) بفتح الراء وبمهملتين، وهي الجهلةُ الأراذل، وقيل الشَّباب منهم (وَغَوْغَاءَهُمْ) بغينين معجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة ممدودة، وهو في الأصل صغارُ الجراد حين تبدأ في الطَّيران، ويُطلق على السَّفلة المسرعين إلى الشَّرِّ. وقيل المراد الكثير المختلط من النَّاس.
(فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ) بضم القاف وسكون الراء ثم موحدة؛ أي المكان الَّذي يقرب منك؛ أي هم الَّذين يكونون قريبًا منك عند قيامك للخطبة لغلبتهم ولا يتركون المكان القريب إليك لِأُولي النُّهى بين النَّاس. ووقع في رواية الكُشْمِيْهَني وأبي زيدٍ المروزي بكسر القاف وبالنون بدل الموحدة. قال الحافظ العسقلاني وهو خطأٌ. وعزاها في «المصابيح» للأَصيلي، وقال إنَّ الأولى هي الظَّاهرة. انتهى.
والَّذي في حاشية فرع اليونينية كأصلِها معزوًّا لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني بالميم بدل النون، ووقع في رواية ابن وَهْبٍ عن مالك (( على مجلسك إذا قمت ) ).
(حِينَ تَقُومُ فِي النَّاسِ) للخطبة (وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ) بضم أوله، من أطار الشَّيء إذا أطلقه. وقوله (كُلُّ مُطَيِّرٍ) بالرفع فاعل يطيرها، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المقالة، وضبطه
ج 28 ص 444
العيني بضم الميم وكسر الطاء المهملة اسم فاعلٍ، من الإطارة.
وضَبَطَه القَسْطَلانيُّ بفتح الطاء المهملة وتشديد التحتية فيهما، وفي رواية السَّرخسي بفتح التحتية وكسر الطاء وبالباء الموحدة بعد الراء؛ أي يحملون مَقالتك على غير وجهها.
(وَأَنْ لاَ يَعُوهَا) أي ولا يحفظونها من الوعي وهو الحفظ، أو لا يعرفون المراد بها (وَأَنْ لاَ يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا) وفي رواية بإثبات النون. قال الكِرماني وترك النصب جائزٌ مع النَّواصب، لكنَّه خلاف الأفصح؛ أي لا يضعون دقيق العلم عند أهل الفهم له والمعرفة بمواضعه.
(فَأَمْهِلْ) بفتح الهمزة وكسر الهاء، أمرٌ من الإمهال، وهو التَّؤدة والرِّفق والتَّأنِّي يقال أمهلتُه ومهلتُه إذا انتظرتَه ولم تعاجله (حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ، فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ) بضم اللام بعدها صاد مهملة؛ أي تصل (بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ، فَتَقُولَ) بالنصب، وصحَّح عليه في الفرع كأصله (مَا قُلْتَ) حال كونك (مُتَمَكِّنًا) بكسر الكاف (فَيَعِي أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا. فَقَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (أَمَا) بتخفيف الميم وألف بعدها حرف استفتاح، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني بحذف الألف.
(وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمُّويي والمُسْتَملي بحذف الضمير (بِالْمَدِينَةِ) وفي رواية مالك فقال (( لئن قدمتُ المدينةَ صالحًا لأكلمنَّ الناس ) ).
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ) من مكة (فِي عَقِبِ ذِي الْحَجَّةِ) بضم العين المهملة وكسر القاف عند الأَصيلي، وعند غيره بضم ثمَّ سكون، والأولُ أولى؛ لأنَّ الثَّانيَ يقال لما بعد التكملة، والأوَّل لما قرب منها. يقال جاء عقب الشَّهر بالوجهين والواقع الأول؛ لأنَّ عمرَ رضي الله عنه قدم قبل أن ينسلخ ذو الحجَّة في يوم الأربعاء. وقال الكِرماني قوله عقب ذي الحجة؛ أي يوم هو آخره، أو الشَّهر المعاقب له؛ أي أول المحرم.
وفي «التوضيح» يقال جاء عقب الشَّهر وفي عُقْبه، بضم العين وإسكان القاف إذا جاء بعد تمامه.
(فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ)
ج 28 ص 445
برفع يوم، أو بالنصب على الظَّرفية (عَجَّلْنَا الرَّوَاحَ) بنون الجمع، وفي رواية الأَصيلي وأبي ذرٍّ وأبي الوقت بتاء المتكلم، وفي رواية الكُشْمِيْهَني وزاد سفيان فيما رواه البزَّار «وجاءتِ الجُمُعَةُ وذَكَرْتُ ما حدَّثني عبدُ الرَّحمن بن عوف فهَجَرْتُ إلى المسجد» .
(حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ) أي حين زالت عن مكانها، والمراد زالت عن اشتداد الحرِّ، وفي رواية مالك حين كانت صَكَّة عُمِّي، بفتح الصاد وتشديد الكاف، وعُمِّي، بضم المهملة وتشديد التحتية، وقيل بتشديد الميم بوزن حُبْلى. قال أبو هلال العسكري المراد به اشتداد الهاجرة، والأصل فيه أنَّه رجلٌ من العمالقة، يقال له عِمِّي غزا قومًا في قائم الظَّهيرة فأوقع بهم فصار مثلًا لكلِّ من جاء في ذلك الوقت. وقيل المعنى أنَّ الشَّخص في هذا الوقت يكون كالأعمى لا يقدر على مباشرة الشَّمس بعينه. وقيل أصله أنَّ الظَّبي يَدُوْرُ؛ أي يدوخُ من شدَّة الحرِّ فيصكُّ برأسه ما واجهه. وللدَّارقطني من رواية سعيدِ بن داود، عن مالك صَكَّة عُمِّىٍّ ساعة من النَّهار فسمَّتها العرب، وهو نصف النَّهار، أو قريبٌ منه.
(حَتَّى أَجِدَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) بضم النون وفتح الفاء، وهو أحدُ العشرة المبشَّرة (جَالِسًا إِلَى رُكْنِ الْمِنْبَرِ) وقوله (( حتى أجد ) )بالنصب أو بالرفع. قال ابن هشام لا يرتفعُ الفعل بعد حتَّى إلَّا إذا كان حالًا، ثمَّ إن كانت حاليَّة بالنِّسبة إلى زمان المتكلم، فالرفع واجبٌ، كقولك سرت حتَّى أدخلها إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدُّخول وإن كانت حاليَّةً ليست حقيقيَّةً، بل كانت محكيَّةً جاز نصبه إذا لم يقدر الحكاية، نحو {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة 214] ، وقرأ نافع بالرفع بتقدير حتَّى حالتهم حينئذٍ أنَّ الرَّسول والذَّين معه يقولون كذا وكذا.
(فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ) وفي رواية الإسماعيلي «حذوه» ، وكذا لمالك في رواية إسحاق الفروي عن مالك «حذاءه» ، وفي رواية مَعمر «فجلست إلى جنبه» (تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أَنْشَبْ) بفتح الشين المعجمة؛ أي فلم أمكث ولم أتعلَّق بشيءٍ.
ج 28 ص 446
(أَنْ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه، بفتح همزة أن؛ أي خرج من مكانه إلى جهة المنبر، وفي رواية مالك «أن طلع» ؛ أي ظهر يؤمُّ المنبر؛ أي يقصده (فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلًا، قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) ليستعدَّ ويحضر فهمه (لَيَقُولَنَّ الْعَشِيَّةَ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتُخْلِفَ) وفي رواية مالكٍ (( لم يقلها أحدٌ قطُّ قبله ) ) (فَأَنْكَرَ عَلَيَّ) بتشديد الياء، استبعادًا لذلك منه؛ لأنَّ الفرائضَ والسُّنن قد تقرَّرت وزاد سفيان «فغضب شديدًا» .
(وَقَالَ مَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ) وكان القياس أن يقول ما عسى أن يقول، فكأنَّه في معنى رجوتَ وتوقَّعتَ (فَجَلَسَ عُمَرُ) رضي الله عنه (عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ) بالفوقية بعد الكاف، من السُّكوت عند النُّطق وضبطه الصغاني سَكَبَ، بالموحَّدة بدل الفوقية؛ أي أذنوا فأستُعِرَ السَّكْبُ للإفاضة في الكلام، كما يقال أفرغ في أذني كلامًا؛ أي ألقى وصبَّ.
(قَامَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي) بضم القاف على البناء للمفعول (أَنْ أَقُولَهَا، لاَ أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي) أي بقرب موتي، وهو من الأمور التي وقعت وجرت على لسان عمر [1] رضي الله عنه، فوقعت كما قال. وفي رواية أبي معشر عند البزَّار أنَّه قال في خطبتهِ هذه «رأيت رؤيا وما ذاك إلَّا عند اقتراب أجلي رأيت كأنَّ ديكًا نقرني» . وفي مرسل سعيد بن المسيِّب في «الموطأ» أنَّ عمر لمَّا صدر من الحجِّ دعا الله أن يقبضَه إليه غير مضيعٍ ولا مفرطٍ. وقال في آخر القصَّة فما انسلخ ذو الحجَّة حتَّى قتل رضي الله عنه.
(فَمَنْ عَقَلَهَا) بفتح العين المهملة والقاف (وَوَعَاهَا) أي حفظها (فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ) فيه الحضُّ لأهل العلم والضبط على التَّبليغ والنَّشر في الأسفار (وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لاَ يَعْقِلَهَا) بكسر القاف (فَلاَ أُحِلُّ) بضم الهمزة وكسر الحاء المهملة، من الإحلال، وذلك نهيٌ لأجل التَّقصير والجهل عن الحديث بما لم يعلموه ولا ضبطوه.
(لأَحَدٍ) كان الأصل أن يقولَ له؛ ليرجع الضَّميرُ إلى الموصول لكن لمَّا كان القَصْدُ
ج 28 ص 447
هو الارتباط وعموم الأحد قامَ عموم أحدٍ مقامه (أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (إِنَّ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ) العزيز الَّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفِه. قال الطِّيبي قدَّم عمر رضي الله عنه هذا الكلامَ قبل ما أراد أن يقول توطئة له؛ ليتيقَّظ السَّامع لما يقوله ودفعًا للتُّهمة ورفعًا للرِّيبة.
(فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني بالفاء بدل الميم (آيَةُ الرَّجْمِ) وهي قوله تعالى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، وهي قرآنٌ نُسِخَتْ تلاوتُه دون حكمه، وآية بالنصب والرفع في اليونينية. وقال الطِّيبي بالرفع اسم كان، وخبرها من التَّبعيضية في قوله ممَّا أنزل الله، تقدَّم الخبر على الاسم وهو كثيرٌ.
(فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا) أي حفظناها (رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي أمر برجمِ المحصن، وفي رواية الإسماعيلي «ورجم» ، بزيادة الواو وكذا لمالكٍ (وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى) وفي رواية مالكٍ (( وإنِّي خائفٌ ) ) (إِنْ) بكسر الهمزة (طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ) بفتح الهمزة (قَائِلٌ وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ) أي في الآية المذكورة التي نُسِخَتْ تلاوتُها وبقيَ حكمُها، وقد وقع ما خشيه عمر رضي الله عنه، فإنَّ طائفةً من الخوارج أنكروا الرَّجم، وكذا بعض المعتزلة أنكروه، ويحتمل أن يكون استند في ذلك إلى توقيفٍ، وقد أخرج عبد الرَّزَّاق والطَّبري من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ عمر قال «سيجيء قومٌ يكذبون بالرَّجم» الحديث، ووقع في رواية سَعْدِ بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في حديث عمر رضي الله عنه عند النَّسائي و «أنَّ ناسًا يقولون ما بال الرَّجم، وإنَّما في كتاب الله الجلد، ألا قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ عمر استحضر أنَّ ناسًا قالوا ذلك فردَّ عليهم.
(وَالرَّجْمُ) وفي نسخة بالفاء (فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ) بضم الهمزة؛ أي تزوَّج
ج 28 ص 448
وكان بالغًا عاقلًا، وقد تزوَّج حرَّةً تزويجًا صحيحًا وجامعها (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ) بالزنى بشرطها المقدَّر في الفروع (أَوْ كَانَ الْحَبَلُ) بفتح المهملة والموحدة؛ أي وجدت المرأة الخلية من زوجٍ، أو سيِّدٍ حبلى ولم يذكر شبهة ولا إكراهًا، وفي رواية معمر (( أو كان الحمل ) ).
(أَوْ الاِعْتِرَافُ) أي الإقرار بالزِّنى والاستمرار عليه، قيل المراد أنَّه حقٌّ في قوله تعالى {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء 15] بيَّن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّ المرادَ به رجمُ الثَّيِّب وجَلْدُ البِكْر. ففي «مسند أحمد» من حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال أنزلَ الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ فلمَّا سُرِّيَ عنه، قال (( خذوا عنِّي قد جعل الله لهنَّ سبيلًا الثَّيِّب بالثَّيِّب والبِكْر بالبِكْر جَلْدُ مائةٍ، ورجمٌ بالحجارة، والبِكْرُ جلد مائة، ثمَّ نفي سنة ) ). ورواه مسلمٌ وأصحاب «السنن» من طريقٍ آخر بلفظ (( خذوا عنِّي خذوا عنِّي قد جعل الله لهنَّ سبيلًا البِكْر بالبِكْرِ جلد مائةٍ وتغريب عامٍ والثَّيِّب بالثَّيِّب جلد مائةٍ والرَّجم ) ).
قال الطِّيبي التَّكرير في قوله (( خذوا عنِّي ) )يدلُّ على ظهور أمرٍ قد خفي شأنه وأُبْهِمَ، فإنَّ قولَه (( قد جعل الله لهنَّ سبيلًا ) )مبهمٌ في التَّنزيل ولم يعلم ما تلك السَّبيل؛ أي الحد الثَّابت في حقِّ المحصن وغيره. وقوله البكر بالبكر بيانٌ للمبهم وتفصيلٌ للمُجْمَلِ مصداقًا؛ لقوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل 44] .
وقد ذهبَ الإمامُ أحمدُ إلى القول بمقتضى هذا الحديث وهو الجمعُ بين الجلد والرَّجم في حقِّ الثَّيِّب. وذهب الجمهورُ إلى أنَّ الثَّيِّب الزَّاني إنَّما يرجم فقط من غير جلدٍ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم رَجَمَ ماعزًا والغامديَّة واليهوديين ولم يجلدهم فدلَّ على أنَّ الجَلْدَ ليس بحتمٍ، بل هو منسوخٌ فعلم أنَّ الرَّجم في كتاب الله حقٌّ على من زنى إذا أُحصن ... إلى آخره.
(ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) عزَّ وجلَّ؛ أي ممَّا نُسِخَتْ تلاوتُه وبقي حُكْمُه (أَنْ لاَ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ) أي لا تتركوا النِّسبة إلى آبائكم فتنتسبون إلى غيرهم (فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ) أي فإنَّ انتسابكم إلى غير آبائكم كفرُ حقٍّ ونعمة، أو كفرانٌ استحللتموه، أو هو للتَّغليظ (أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ) بالشَّكِّ فيما كان في القرآن،
ج 28 ص 449
وهو أيضًا من منسوخ التَّلاوة، وفي رواية (( فإنَّه كفرٌ بكم، أو إنَّ كُفْرًا بكم. .. إلى آخره ) ) (أَلاَ) بالتخفيف حرف استفتاح كلامٍ غَيْرِ سَابِق.
(ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية مالك (( ألا وإن ) )بالواو بدل ثمَّ (قَالَ لاَ تُطْرُونِي) بضم الفوقية وسكون المهملة، من الإطراء، وهو المبالغةُ في المدح؛ أي لا تبالغوا في مدحي بالباطل (كَمَا أُطْرِيَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) عليهما السلام وفي رواية سفيان (( كما أطرت النَّصارى عيسى حيث قالوا هو ابنُ الله ) )، ومنهم من ادَّعى أنَّه هو الله (وَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) وفي رواية مالك (( فإنَّما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله ) ).
قال ابنُ الجوزي لا يلزم من النَّهي عن الشَّيء وقوعُه؛ لأنَّا لا نعلم أحدًا يدَّعي في نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ما ادَّعته النَّصارى في عيسى عليه السلام، وإنَّما سببُ النَّهي فيما يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه لما استأذن في السُّجود له فامْتَنَعَ ونَهَاه، فكأنَّه خشي أن يبالغَ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النَّهي تأكيدًا للأمر.
وقال ابن التِّين معنى قوله (( لا تطروني ) )لا تمدحوني كمدح النَّصارى عيسى حتَّى غلا بعضُهم فجَعَلَه إلهًا مع الله، وبعضهم ادَّعى أنَّه الله، وبعضُهم أنَّه ابن الله، ثمَّ أردف النَّهي بقوله (( أنا عبد الله ) ). قال والنُّكتة في إيراد عمر رضي الله عنه هذه القصَّة هنا أنَّه خشي عليهم الغلوَّ يعني خَشِيَ على من لا قوَّة له في الفَهْمِ أن يظنَّ شخصٌ استحقاقَه الخلافه، فيَقُومُ في ذلك مع أنَّ المذكورَ لا يستحقُّ فيطريه بما ليس فيه فيَدْخُلُ في النَّهي، ويحتمل أن تكون المناسبة أنَّ الَّذي وقع منه في مدح أبي بكرٍ رضي الله عنه ليس من الإطراء المنهيِّ عنه، ومن ثمَّة قال وليس فيكم مثل أبي بكر.
(ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ وَاللَّهِ لَوْ مَاتَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (عُمَرُ بَايَعْتُ فُلاَنًا، فَلاَ يَغْتَرَّنَّ) بتشديد الراء والنون (امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وَتَمَّتْ، أَلاَ) بالتخفيف (وَإِنَّهَا كَانَتْ كَذَلِكَ) أي فلتة؛ أي فجأةً من غير مشورةٍ مع جميع من كان ينبغي أن يشاور، كذا قال الدَّاودي.
وقال الكرابيسي صاحب الشَّافعي المراد
ج 28 ص 450
أنَّ أبا بكرٍ ومن معه تفلَّتوا في ذهابهم إلى الأنصار، فبايعوا أبا بكرٍ رضي الله عنه بحضرتهم، والمراد بالفلتة ما وقع من مخالفة الأنصار، وما أرادوه من مبايعة سَعْدِ بن عبادة.
وقال ابن حبَّان معنى قوله كانت فلتة، أنَّ ابتداءها كان في غير ملأٍ كثير، والشَّيء إذا كان كذلك يقال له الفلتة، فيتوقَّع فيه ما لعلَّه يحدث من الشَّرِّ بمخالفة من يخالف في ذلك عادةً، فكفى الله المسلمين الشَّرَّ المتوقَّع في ذلك عادة.
وهذا هو المراد بقوله (وَلَكِنَّ اللَّهَ) بتشديد النون أو تخفيفها (وَقَى) بتخفيف القاف؛ أي دفع (شَرَّهَا) أي شرَّ فلتةٍ بيعته؛ أي وقاهم ما في العجلة غالبًا من الشَّرِّ؛ لأنَّ العادةَ أنَّ من لم يطَّلع على الحِكْمَةِ في الشَّيء الَّذي يفعل بغتةً لا يرضاه، وقد بيَّن عمر رضي الله عنه سَبَبَ إِسراعهم ببيعة أبي بكر رضي الله عنه، وذلك لمَّا خشوا أن يبايع الأنصار سَعْدَ بن عبادة. وقال أبو عبيد عاجلوا ببيعة أبي بكر خيفةَ انتشار الأمر وأن يتعلَّق به من لا يستحقُّه فيقعُ الشرُّ.
وفي «التوضيح» وقال عمر «والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرٍ أقوى من بيعة أبي بكر رضي الله عنه ولأن أُقَدَّمَ فيُضْرَبَ عنقي أحبُّ إليَّ من أن أتأمَّر على قومٍ فيهم أبو بكر» ، فهذا يبيِّن أنَّ قولَ عمر رضي الله عنه كانت فلتةً لم يرد مبايعة أبي بكر رضي الله عنه، وإنَّما أرادَ ما وصفه من مخالفة الأنصار وما كان من أمر سعد بن عبادة وقومه.
(وَلَيْسَ مِنْكُمْ) وفي رواية أبي ذرٍّ (مَنْ تُقْطَعُ الأَعْنَاقُ) أي أعناق الإبل من كثرة السَّير، ويروى (إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ) .
قال الخطابي يريد أنَّ السَّابق منكم الَّذي لا يُلْحَقُ في الفَضْلِ لا يَصِلُ إلى منزلةِ أبي بكر رضي الله عنه فلا يطمعُ أحدٌ أن يقعَ له مثل ما وقع لأبي بكرٍ من المبايعةِ له أوَّلًا في الملأ اليسير، ثمَّ اجتماع النَّاس عليه وعدم اختلافهم عليه لما تحققوا من استحقاقهِ فلم يحتاجوا في أمره إلى نَظَرٍ ولا إلى مشاورة أخرى وليس غيره في ذلك مثله. انتهى ملخَّصًا.
وفيه إشارةٌ إلى التَّحذير من المسارعة إلى مثل ذلك حيث لا يكون هناك مثل أبي بكرٍ رضي الله عنه لما اجتمع فيه من الصِّفات المحمودة من قوَّته في أمر الله تعالى، ولِينِ
ج 28 ص 451
جانبه للمسلمين، وحُسْنِ خلقه ومعرفته بالسِّياسة وورعه التام، فمن لا يوجد فيه مثل صفاته لا يؤمن من مبايعته من غير مشورةٍ للاختلاف الَّذي ينشأ عنه الشَّرُّ. وقيل عبَّر بقوله تنقطع الأعناق؛ لكون النَّاظر إلى السَّابق يمدُّ عنقه لينظر، فإذا لم يحصل مقصوده من سَبْقِ من يريد سَبْقَه قيل انقطعت عنقه، أو لأنَّ المتسابقين تَمْتَدُّ إلى رؤيتِهِما الأَعناقُ حتَّى يغيب السَّابق عن النَّظر، فعبَّر عن امتناع نَظَرِه بانقطاع عُنُقِه.
وقال ابن التِّين هو مثل يقال للفرس الجواد تقطَّعت أعناق الخيل دون لحاقه. ووقع في رواية أبي معشر «ومن أين لنا مثل أبي بكر تُمَدُّ أعناقُنا إليه» .
(مَنْ بَايَعَ رَجُلًا مِنْ) وفي رواية الكُشْمِيْهَني (غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) بفتح الميم وضم الشين المعجمة وسكون الواو، وبفتح الميم وسكون الشين وفتح الواو (فَلاَ يُبَايَعُ هُوَ) جواب من على البناء للمفعول من المبايعة بالموحدة، وجاء بالمثناة الفوقية من المتابعة وهو أولى لقوله (وَلاَ الَّذِي تَابَعَهُ) بالمثناة الفوقية في أوله وبالموحدة (تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلاَ) أي المتابِع والمتابعَ، وقوله تَغِرَّة، بمثناة مفتوحة وغين معجمة مكسورة وراء ثقيلة بعدها تاء تأنيث مصدر غرر. يقال غرَّر نفسه تغريرًا وتغرةً إذا عرضها للهلاك، والمعنى من فعل ذلك فقد غرَّر بنفسه وبصاحبه وعرَّضهما للقتل.
وفي «المصابيح» والَّذي يظهر لي في إعرابه أن يكون تغرَّةً حال على المبالغة، أو على حذف مضاف؛ أي ذا تغرة؛ أي مخافة أن يقتلا فحذف المضاف الَّذي هو مخافة، وأقيم المضاف إليه الَّذي هو تغرَّة مقامه، وانتصب على أنَّه مفعول له، وحاصله حذرًا من القتل.
(وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ أي وإنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه (قَدْ كَانَ مِنْ خَبْرِنَا) بالخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية (حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم إِنَّ الأَنْصَارَ) بكسر الهمزة، على أنَّه ابتداء كلام، كذا وقع في رواية المُسْتَملي
ج 28 ص 452
وفي رواية غيره من خبرنا بالموحدة، فعلى هذا يقرأ أنَّ الأنصار، بفتح الهمزة، على أنَّه خبر كان، وفي الفرع كأصله (إِلاَّ أَنَّ الأَنْصَارَ) بكسر الهمزة وتشديد اللام وفتح همزة أن الأنصار.
وقال العيني إنَّها بالتخفيف للافتتاح؛ ينبَّه المخاطب بها على ما يأتي فيقرأ (( إِن الأنصار ) )بكسر الهمزة، وأَنَّها على رواية المستملي (( من خيرنا ) )بالتحتية.
(خَالَفُونَا) أي لم يجتمعوا معنا في منزلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ) أي بأَجْمَعِهم وكليتهم (فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ) بفتح السين وكسر القاف، وهي الصُّفَّة وكانوا يجتمعون عندها لفصل القضاء وتدبيرِ الأمور (وَخَالَفَ عَنَّا) أي معرضًا عنَّا (عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا) فلم يجتمعوا عندنا حينئذٍ.
وقال المهلَّب أي في الحضورِ والاجتماع لا بالرَّأي والقلب، وفي رواية مالكٍ ومَعمر أنَّ عليًّا والزُّبير ومن معهما تخلَّفوا في بيت فاطمة رضي الله عنها، وكذا في رواية سفيان، لكن قال (( العباس ) )بدل (( الزبير ) ).
(وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا هَؤُلاَءِ مِنَ الأَنْصَارِ) وفي رواية جويرية عن مالك «فبينا نحنُ في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا برجلٍ يُنادي من وراء الجدار اخرج إليَّ يا ابن الخطَّاب، فقلت إليك إنِّي مشغولٌ، قال اخرج إليَّ إنَّه قد حدث أمرٌ إنَّ الأنصار اجتمعوا فأَدْرِكْهم قبل أن يُحْدِثُوا أَمْرًا يكون بينكم فيه حربٌ فقلت لأبي بكرٍ انطلق» .
(فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ) زاد جويرية «فلقينا أبو عبيدة بن الجرَّاح فأخذ أبو بكرٍ بيدهِ يمشي بينه وبينه» (فَلَمَّا دَنَوْنَا) أي قربنا (مِنْهُمْ، لَقِيَنَا) بكسر القاف وفتح الياء (رَجُلاَنِ صَالِحَانِ) في رواية مَعمر عن ابن شهاب «شهدا بدرًا» . وفي رواية ابن إسحاق «رَجُلا صدق عُوَيْم بن ساعدة ومَعْن بن عدي» كذا أدرج تسميتهما وبين مالك أنَّه قول عروة ولفظه قال ابنُ شهاب أخبرني عروة أنَّهما مَعن بن عدي وعُوَيم بن ساعدة.
وأخرج الإسماعيليُّ قال ابنُ شهاب وأخبرني عروة أنَّ الرَّجلين فسمَّاهما، وزاد فأمَّا عويم فهو الَّذي بلغنا أنَّه قيل يا رسول الله، من الَّذين قال الله فيهم رِجَالٌ يُحِبُّونَ
ج 28 ص 453
أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة 108] قال (( نِعْمَ المَرءُ منهم عُوَيم بن ساعدة ) ). وقد شهدَ العقبتين جميعًا في قول الواقدي وغيره، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق، ومات في خلافة عمر رضي الله عنه بالمدينة.
قال الحافظُ العسقلاني في «المقدمة» وفيه ردٌّ على من زعم أنَّ عويم بن ساعدة مات في حياته صلى الله عليه وسلم.
وأمَّا معن فبلغنا أنَّ النَّاس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفَّاه الله، وقالوا وددنا أنَّا متنا قبله لئلا نفتتن بعده، فقال معن والله ما أحبُّ أن لو مت قبله حتَّى أصدِّقَه ميّتًا كما صدَّقته حيًا، شَهِدَ العقبةَ وبَدْرًا وأُحُدًا والخندقَ وسائر مشاهد النَّبي صلى الله عليه وسلم وقُتِلَ يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهم.
(فَذَكَرَا مَا تَمَالَأَ) بالهمز؛ أي اتَّفق، كذا في رواية أبي ذرٍّ، ويروى (عَلَيْهِ الْقَوْمُ) وفي رواية مالك من أنَّهم اتَّفقوا على أن يبايعوا لسعد بن عبادة (( فقالا أين تريدون يا معشرَ المهاجرين فقلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا لا عليكم أن لا تقربوهم ) )كلمة لا بعد أن زائدة.
(اقْضُوا أَمْرَكُمْ) وفي رواية سفيان (( أمهلوا حتى تقضوا أمركم ) )ويؤخذ من هذا أنَّ الأنصارَ كلَّهم لم تجتمع على سَعْد بن عبادة (فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ) على وزن اسم مفعول، من التَّزميل؛ أي ملفف بثوبه (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ) بفتح الظاء المعجمة والنون؛ أي بينهم وفي وسطهم، وأصله بين ظهريهم فزيدت الألف والنون للتَّأكيد (فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا هَذَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقُلْتُ مَا لَهُ؟ قَالُوا يُوعَكُ) بضم أوله وفتح المهملة؛ أي يحصل له الوعك، وهو الحمَّى بناقضٍ ولذلك زُمِّلَ في ثَوْبٍ. وفي رواية سفيان (( وَعَكَ ) )بصيغة الفعل الماضي.
وزعم بعض الشُّرَّاح أنَّ ذلك وقع لسعدٍ من هول ذلك المقام، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ سَعْدًا كان من الشُّجعان والذين كانوا عنده أعوانه وأنصاره
ج 28 ص 454
وقد اتَّفقوا على تأميره. وسياق عمر رضي الله عنه يقتضي أنَّه جاء فوجدهُ موعوكًا فلو كان ذلك حصل له بعد كلام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لكان له بعض اتِّجاهٍ؛ لأنَّ مثله قد يكون من الغيظ، وأمَّا قبل ذلك فلا. وقد وقع في رواية الإسماعيلي قالوا سعد وجعٌ يوعَكُ وكأنَّ سعدًا كان موعوكًا، فلمَّا اجتمعوا عليه في سقيفة بني ساعدة وهي منسوبةٌ إليه؛ لأنَّه كان كبير بني ساعدة خرج إليهم من منزله، وهو بتلك الحالة فوجدَه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في تلك الحالة.
(فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ) أي قال كلمة الشَّهادة. قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه. وقال في «المقدمة» قيل هو ثابتُ بن قيس بن شماس يدعى خطيب الأنصار، والَّذي يظهرُ أنَّه هو (فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) لدينه (وَكَتِيبَةُ الإِسْلاَمِ) بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية وبالموحدة بوزن عظيمة، وهو الجيش المجتمع الَّذي لا ينتشر، ويُجْمَعُ على كتائب، وأُطْلِقَ عليهم ذلك مبالغةً، كأنَّه قال إنَّهم مجمع الإسلام.
(وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ) كذا في رواية الكُشْمِيْهَني، وفي رواية غيره (( معاشر المهاجرين ) ) (رَهْطٌ) أي قليلٌ بالنِّسبة إلى الأنصار. قال الخطَّابي أي نفرٌ يسيرٌ بمنزلة الرَّهط، وهو من ثلاثةٍ إلى عشرة، ورفعه على الخبريَّة وزاد ابن وهب في روايته «منا» ، وكذا في رواية مَعمر وهو يرفع الإشكال فإنَّه لم يرد حقيقة الرَّهط، وإنَّما أطلقه عليهم بالنِّسبة إليهم؛ أي أنتم بالنسبة إلينا قليلٌ؛ لأنَّ عدد الأنصار في المواطن النَّبوية التي ضُبِطَتْ كان دائمًا أكثرَ من عَدَدِ المهاجرين، وهو بناءٌ على أنَّ المراد بالمهاجرين من كان مسلمًا قبل فتح مكَّة، وهو المعتمدُ وإلَّا فلو كان أريدَ من كان من غير الأنصار لكان أضعاف أضعاف الأنصار.
(وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ) بتشديد الفاء، من الدَّفِّ، وهو السَّير البطيء في جماعةٍ (مِنْ قَوْمِكُمْ) أي عدد قليل. وقال الكرماني الدَّافَّة الرِّفقة يسيرون سيرًا ليِّنًا؛ أي وإنكم قومٌ
ج 28 ص 455
طُرَأَةٌ غُرَبَاءُ أَقْبَلْتُم من مكَّة إلينا (فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا) بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقية وكسر الزاي، من الاختزال وهو الاقتطاع؛ أي يقتطعونا عن الأمور ويتفرَّدون به دوننا. قال أبو زيد خزلته عن حاجتهِ عوقته، والمراد بالأصل هنا ما كانوا عليه من الأصالة والتَّعين.
(وَأَنْ يَحْضُنُونَا) بالحاء المهملة الساكنة وضم الضاد المعجمة وتكسر؛ أي يخرجوننا (مِنَ الأَمْرِ) أي الإمارة والحكومة ويستأثرون علينا، قاله أبو عبيد، وهو كما قال. يقال حضنه وأحضنه واحتضنه عن الأمر؛ أي أخرجه في ناحيةٍ عنه واستبدَّ به، أو حبسه عنه ووقع في رواية أبي علي ابن السَّكن بالمثناة قبل الصاد المهملة المشددة. ومثله في رواية الكُشْمِيْهَني، لكن بضم الحاء بدون التاء وهو بمعنى الاقتطاع والاستئصال. وفي رواية سفيان عند البزَّار (( ويختصُّون بالأمر ) )أي تستأثرون بالأمر دوننا، وفي رواية أبي بكرٍ الحنفي عن مالك عند الدَّارقطني (( ويخطفونا ) )بالخاء المعجمة ثمَّ طاء مهملة ثمَّ فاء.
والرِّوايات كلُّها متَّفقةٌ على أنَّ قوله (( فإذا هم ... إلى آخره ) )بقيَّة كلام خطيب الأنصار، لكن وقع عند ابن حبَّان بعد قوله وقد دفَّت دافَّةٌ من قومكم قال عمر رضي الله عنه فإذا هم يريدون إلى آخره، وزيادة قوله هنا قال عمر خطأ، والصَّواب أنَّه كلُّه كلام الأنصار.
ويدلُّ له قول عمر رضي الله عنه (فَلَمَّا سَكَتَ) أي خطيب الأنصار، وحاصل ما تقدَّم من كلامه أنَّه أخبر أنَّ طائفةً من المهاجرين أرادوا أن يمنعوا الأنصار من أمرٍ يعتقد الأنصار أنَّهم يستحقُّونه، وإنَّما عرضَ بذلك بأبي بكر وعمر، ومن معهما رضي الله عنهم.
(أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَكُنْتُ زَوَّرْتُ) بزاي مفتوحة ثم واو مشددة بعدها راء ساكنة؛ أي هيَّأت وحسَّنت وفي رواية أبي ذرٍّ . وفي رواية مالك (( رَوَّيْتُ ) )براء ثمَّ واو ثقيلة ثمَّ تحتانية ساكنة، من الروية ضدُّ البديهة. ويؤيِّده قول عمر رضي الله عنه بعد فما ترك كلمةً، وفي رواية مالكٍ ما ترك من كلمةٍ أعجبتني في تزويري إلَّا قالها في بديهته.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها «وكان عمر يقول والله ما أردت بذلك إلَّا أنِّي قد هيَّأت كلامًا قد أعجبني حسبت أن لا يبلغه أبو بكر» .
ج 28 ص 456
(مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني (أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ) قال الزُّهري أراد عمر رضي الله عنه بالمقالة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَمُتْ كذا في «اللامع» (وَكُنْتُ أُدَارِي) بضم الهمزة وكسر الراء بعدها تحتية، وفي رواية الأَصيلي بالهمزة بدل التحتية؛ أي أرفع (مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ) أي بعض ما يعتريه من الحَدِّ، بالحاء المهملة والدال المشددة المهملة؛ أي الحدَّة كالغضب ونحوه.
(فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الراء وسكون المهملة ويجوز الفتح؛ أي على مَهَلك، بفتحتين؛ أي اتَّئد واستعمل الرِّفق والتَّؤدة. وفي حديث عائشة رضي الله عنها الماضي في مناقب أبي بكر [خ¦3668] «فأسكته أبو بكر» (فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ) بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة وكسر الضاد المعجمة وبالموحدة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهنَي بفتح الهمزة وبالعين والصاد المهملتين ثمَّ التحتية (فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَكَانَ) ويروى بالواو (هُوَ أَحْلَمَ مِنِّي) بالحاء المهملة الساكنة واللام المفتوحة، من الحلم، وهو الطَّمأنينة عند الغضب؛ أي أشدُّ حلمًا منِّي (وَأَوْقَرَ) بالقاف، من الوقار وهو التَّأنِّي في الأمور والرَّزانة عند التَّوجُّه إلى المطالب، وفي حديث عائشة رضي الله عنها (( فتكلَّم أبلغ الناس ) ).
(وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي، إِلاَّ قَالَ فِي بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا) كذا في رواية الكُشْمِيْهَني، وسقط في رواية غيره لفظ (حَتَّى سَكَتَ، فَقَالَ مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي من النُّصرة وكونكم كتيبة الإسلام (فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ) زاد ابن إسحاق في روايته عن الزُّهري (( إنَّا والله يا معشر الأنصار ما ننكرُ فضلكم ولا بلاءكم في الإسلام ولا حقَّكم الواجب علينا ) ).
(وَلَنْ يُعْرَفَ) بضم أوله على البناء للمفعول (هَذَا الأَمْرُ) أي الخلافة، وفي رواية مالك (( ولن تعرف العرب ) )هذا الأمر، وكذا في رواية سفيان (إِلاَّ لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ) وفي رواية ابن إسحاق (( قد عرفتم أنَّ هذا الحيَّ من قريشٍ بمنزلةٍ من القُرْب ليس منها غيرهم، وأنَّ العَرَبَ لن تجتمعَ
ج 28 ص 457
إلَّا على رجلٍ منهم، فاتَّقوا الله ولا تَصَدَّعُوا في الإسلام، ولا تكونوا أوَّل من أَحْدَثَ في الإسلام )) .
(هُمْ) أي قريش، وفي رواية الكُشْمِيْهَني أي الحيُّ (أَوْسَطُ الْعَرَبِ) أي أعدلهم وأفضلهم (نَسَبًا وَدَارًا) وقد ثبتَ في رواية أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه أنَّه قال يومئذٍ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الأئمة في قريش» (وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا) بكسر المثناة التحتية (أَيَّهُمَا شِئْتُمْ) فإن قيل كيف جاز لأبي بكرٍ رضي الله عنه أن يقولَ ذلك، وقد جعله صلى الله عليه وسلم إمامًا في الصَّلاة وهي عمدةُ الإسلام؟ أجيب بأنَّه قاله تواضعًا وأدبًا وعلمًا منه أنَّ كلًّا منهما لا يرى نفسَه أهلًا لذلك مع وجوده وأنَّه لا يكون للمسلمين إلَّا إمام واحد.
قال عمر رضي الله عنه (فَأَخَذَ) أي أبو بكر رضي الله عنه (بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَهْوَ) أي أبو بكر رضي الله عنه (جَالِسٌ بَيْنَنَا، فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ) أبو بكر رضي الله عنه (غَيْرَهَا، كَانَ وَاللَّهِ أَنْ أُقَدَّمَ) بضم الهمزة وفتح الدال المشددة، وكلمة أن مصدرية، وأن أقدم في تأويل المصدر اسم كان ولفظة والله معترضة.
وقوله (فَتُضْرَبَ عُنُقِي) بالنصب عطف على أقدم (لاَ يُقَرِّبُنِي) بضم أوله وفتح القاف (ذَلِكَ) أي تقديم وضرب عنقي (مِنْ إِثْمٍ) أي لا أعصي الله به. وقوله (أَحَبَّ إِلَيَّ) بتشديد الياء وأحب بالنصب خبر كان (مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ) أي من كوني أميرًا (عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (اللَّهُمَّ إِلاَّ أَنْ تُسَوِّلَ) بكسر الواو المشددة؛ أي تُزَيِّن (إِلَيَّ) بالهمزة وتشديد الياء، وفي رواية أبي ذرٍّ (نَفْسِي عِنْدَ الْمَوْتِ شَيْئًا لاَ أَجِدُهُ الآنَ) من الوجدان والآن؛ أي السَّاعة هذه يقال سوَّلتْ له نفسُه شيئًا؛ أي زيَّنته وسوَّل له الشَّيطان؛ أي يقول له افعلْ كذا وكذا.
(فَقَالَ قَائِلُ الأَنْصَارِ) وفي رواية الكُشْمِيْهَني وقد سمَّاه سفيان في روايته عند البزَّار فقال (( حُبَاب بن المنذر ) )بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى، البدري لكنَّه من هذه الطَّريق مدرجٌ، فقد بيَّن مالكٌ في روايته عن الزُّهري أنَّ الَّذي سمَّاه سعيد بن المسيَّب
ج 28 ص 458
فقال وقال ابن شهاب فأخبرني سعيد بن المسيَّب أنَّ الحباب بن المنذر هو الَّذي قال أنا جَدِيْلُها المُحَكَّك.
وتقدَّم موصولًا [خ¦3668] في حديث عائشة رضي الله عنها «فقال أبو بكر نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال الحُبَابُ بن المنذر لا والله ما نفعل منا أميرٌ ومنكم أمير» .
(أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ) بضم الجيم وفتح الذال المعجمة، مصغَّر الجذْل، بفتح الجيم وكسرها وسكون المعجمة وهو أصل الشَّجر، ويُرادُ به هنا الجذع الَّذي تُرْبطُ به الإبل الجربى، وتضم إليه لتحتك، والتَّصغير للتعظيم. والمُحَكَّك، بضم الميم وفتح الحاء المهملة وفتح الكاف الأولى المشددة على البناء للمفعول، ووصفه بذلك؛ لأنَّه صار أملس لكثرة ذلك؛ يعني أنا ممَّن يستشفى به كما تستشفي الإبل الجربى بهذا الاحتكاك.
(وَعُذَيْقُهَا) بالذال المعجمة، مصغَّر عَذْق، بفتح العين وسكون المعجمة النَّخلة، وبالكسر العرجون والقنو منها (الْمُرَجَّبُ) بضم الميم وفتح الراء والجيم المشددة بعدها موحدة اسم مفعولٍ من التَّرجيب، وهو التَّعظيم من قولك رَجَّبْتُ النَّخلةَ إذا دعمتها ببناء ونحوه خشيةً عليها لكرامتها وطولها وكثرة حملها أن تقعَ، أو ينكسر شيءٌ من أغصانها، أو يسقط شيءٌ من حملها. وقيل هو ضمُّ أعذاقها إلى سعفها وشدِّها بالخوص؛ لئلَّا تنغضها الرِّيح، أو هو وضع الشَّوك حولها؛ لئلَّا تصل إليها الأيدي المتفرِّقة.
(مِنَّا) معشر الأنصار (أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ) وزاد إسحاق بن الطَّباع هنا (( وإلَّا أعدنا الحرب بيننا وبينكم جذعةً، فقلت إنَّه لا يصلح سيفان في غمدٍ، ولكن منَّا الأمير ومنكم الوزراء ) ) (فَكَثُرَ اللَّغَطُ) بفتح اللام والغين المعجمة الصَّوت والجلبة.
(وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، حَتَّى فَرِقْتُ) بفتح الفاء وكسر الراء ثم قاف، من الفَرَق، بفتحتين وهو الخوف، وفي رواية مالكٍ (( حتَّى خفت ) )، وفي رواية جويرية (( حتَّى أشفقنا الاختلاف ) ) (مِنَ الاِخْتِلاَفِ، فَقُلْتُ ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ) أبايعك (فَبَسَطَ يَدَهُ) ووقع في رواية ابن إسحاق فيما أخرجه
ج 28 ص 459
الذُّهلي في «الزهريات» بسندٍ صحيحٍ عنه حدَّثني عبد الله بن أبي بكر، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه قال «قلت يا معشرَ الأنصار إنَّ أولى النَّاس بنبيِّ الله ثاني اثنين إذ هما في الغار، ثمَّ أخذت بيده» .
ووقع في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند أحمدَ والنسائي من طريق عاصم عن زرِّ بن حبيش [2] «أنَّ عمر رضي الله عنه قال يا معشرَ الأنصار ألستم تعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَ أبا بكر أن يؤم بالنَّاس فأيُّكم تطيبُ نفسه أن يتقدَّم أبا بكرٍ، فقالوا نعوذُ بالله أن نتقدَّم أبا بكر» . وسنده حسنٌ.
وله شاهدٌ من حديث سالم بن عبيد الله، عن عمر رضي الله عنه، أخرجه النَّسائي أيضًا وآخر من طريق نافع بن عَمرو الطَّائي، أخرجه الإسماعيلي في مسند عمر بلفظ «فأيُّكم يجترئ أن يتقدَّم أبا بكرٍ فقالوا لا أينُّا» . وأصله عند أحمد وسنده حسنٌ.
وأخرج التِّرمذي وحسَّنه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال قال أبو بكر أَلَسْتُ أحقَّ النَّاس بهذا الأمر؟ أَلَستُ أوَّل من أَسْلَم؟ أَلَسْتُ صاحب كذا؟
(فَبَايَعْتُهُ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ) فيه ردٌّ على الدَّاودي فيما نقله ابن التِّين عنه حيث أطلق أنَّه لم يكن مع أبي بكر حينئذٍ من المهاجرين إلَّا عمر وأبو عبيدة، وكأنَّه استصحبَ الحال المنقول في تَوَجُّههم، لكن ظهر من قول عمر وبايعه المهاجرون بعد قوله بايعته، أنَّه حضر معهم جَمْعٌ من المهاجرين، فكأنَّهم تلاحقوا بِهمْ لَمَّا بَلَغَهُم أنَّهم تَوَجَّهُوا إلى الأنصار، فلمَّا بايع عمرُ أبا بكر وبايعه من حَضَرَ من المهاجرين على ذلك، بَايَعَه الأنصارُ حين قامت عليهم الحجَّة بما ذكره أبو بكر وغيره رضي الله عنهم.
(ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأَنْصَارُ) بفوقية ساكنة بعد العين، وفي رواية ابن إسحاق «ثمَّ أخذت بيده وبدرني رجلٌ من الأنصار، فضرب على يده، ثمَّ ضربت على يد