فهرس الكتاب

الصفحة 10145 من 11127

6837 - 6838 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي الدِّمشقي الأصل، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين (ابْنِ [1] عَبْدِ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ زيادة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهني رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ) تحدٍّ أو لا؟ وفي رواية حُميد بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه أتى رجلٌ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال جاريتي زنت فتبيَّنَ زِنَاها، قال (( اجلدها ) ). قال الحافظ العسقلاني ولم أقف على اسم هذا الرَّجل.

(وَلَمْ تُحْصَنْ) من الإحصان الَّذي هو بمعنى العفَّة عن الزِّنى.

وفي «التلويح» اختلف العلماء في إحصان الإماء غير ذات الأزواج ما هو، فقالت طائفة إحصانُ الأمة تزويجها فإذا زَنَتْ ولا زوجَ لها فعليها التَّأديب ولا حدَّ عليها، هذا قول ابن عبَّاس وطاوس وقتادة، وبه قال أبو عبيدة. وقالت طائفةٌ إحصانُ الأمة إسلامها، فإذا كانت الأمة مسلمة وزنتْ وجب عليها خمسون جلدةً سواءٌ كانت ذات زوجٍ أو لم تكن، روي هذا عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في رواية، وهو قول عليٍّ وابنِ مسعود وابن عمر وأنس رضي الله عنهم. وإليه ذهب النَّخعي ومالك واللَّيث

ج 28 ص 475

والأوزاعي والكوفيُّون والشافعي.

قال ابن بطَّال وزعم أهلُ المقالة الأولى أنَّه لم يقل في هذا الحديث ولم تُحْصَن غير مالكٍ وليس كما زعموا؛ فقد رواه يحيى بنُ سعيد الأنصاري، عن ابن شهابٍ، كما قال مالك، وكذا رواه طائفةٌ عن ابن عُيينة عنه، وإذا اتَّفق مالكٌ ويحيى وسفيان بن عُيينة على شيءٍ فهم حجَّة على من خالفهم، وعلى تقدير أنَّ مالكًا تفرَّد بها فهو من الحفَّاظ وزيادتُه مقبولةٌ، وقد فسَّر الإحصانَ بالعفَّة عن الزِّنى، فتذكر.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا) وفي رواية أبي الوقت (زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا) قيل أعاد الزِّنى في الجواب، وهو غير مقيَّدٍ بالإحصان للتَّنبيه على أنَّه لا أثر له، وأنَّ الموجبَ للحدِّ في الأَمَةِ مُطْلَقُ الزِّنى، ومعنى اجلدوها الحدَّ اللَّائق بها المبيَّن في الآية، وهو نصف ما على الحرَّة.

وقد وقعَ في روايةٍ أُخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فليجلدها الحدَّ ) )، والخطابُ في اجلدها لمن يملك الأمَة. واستُدِلَّ به على أنَّ السَّيِّد يقيمُ الحدَّ على من يملكه من جارية أو عبد، أمَّا الجارية فبالنصِّ، وأمَّا العبد فبالإلحاق.

وقد اختلف السَّلف فيمن يقيم الحدَّ على الأرقَّاء فقالت طائفةٌ لا يقيمه إلَّا الإمام، أو من أذن له وهو قول الحنفيَّة، وعن الأوزاعي والثَّوري لا يقيم السَّيِّد إلَّا حدَّ الزنى. واحتجَّ الطَّحاوي بما أورده من طريق مسلم بن بشار قال كان أبو عَبْدِ الله رَجُلٌ من الصَّحابة يقول «الزَّكاة والحدود والفيء والغنيمة إلى السُّلطان» . قال الطَّحَّاوي لا نعلم له مخالفًا من الصَّحابة.

وتعقَّبه ابنُ حزم فقال بل خالفَه اثنا عشر نفسًا، وقال آخرون يقيمه السَّيِّد ولو لم يأذن له الإمام، وهو قول الشافعي. وأخرج عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما في الأمة إذا زنتْ ولا زوج لها يحدُّها السَّيِّد وإن كانت ذات زوجٍ، فَأمْرُها إلى الإمام، وبه قال مالك، إلَّا إنْ كان زوجَها عبدًا لسيِّدها فأمرُها إلى السَّيِّد. واستثنى مالك القطع في السَّرقة، وهو قولٌ للشَّافعيَّة، وفي آخر يستثنى حدَّ الشُّرب.

ج 28 ص 476

(ثُمَّ بِيعُوهَا) وأتى بِثُمَّ؛ لأنَّ التَّرتيبَ مطلوبٌ لمن يريد الإمساك بأمته الزَّانية، وأمَّا من يريد بيعها في أوَّل مرَّةٍ فله ذلك (وَلَوْ بِضَفِيرٍ) بفتح الضاد المعجمة وكسر الفاء وبالراء، وهو الشَّعر المنسوج فعيل بمعنى مفعول. وزاد يونس وابن أخي الزُّهري ويحيى بن سعيد كلُّهم عن ابن شهابٍ عند النَّسائي الضَّفير الحبل وهو مدرجٌ في هذا الحديث من قول الزُّهري. ووقع في رواية المقبري (( ولو بحَبْلٍ من شَعْر ) ).

وأصل الضَّفْر نَسْجُ الشَّعْرِ وإدخالُ بَعْضِهِ في بَعْضٍ، ومنه ضفائر شعر الرَّأس للمرأةِ وللرَّجل، قيل لا يكون مضفورًا إلَّا إن كان في ثلاث، وقيل شرطه أن يكون عريضًا وعبَّر بالحبل للمبالغة في التَّنفير عنها، وعن مثلها لما في ذلك من الفساد.

ويؤخذ منه الزَّجر عن مخالطةِ الفسَّاق ومعاشرتهم إذا تكرَّر زجرُهم ولم يرتدعوا والأمر ببيعها للنَّدب عند الشَّافعيَّة والجمهور ولا يضرُّ عطفُه على الأمر بالحدِّ مع كونه للوجوب؛ لأنَّ دَلالة الاقتران ليست بحجَّةٍ عند غير المُزَنِيِّ وأبي يوسف. وزعم ابنُ الرَّفعة أنَّه للوجوب، وبه قالت الظَّاهريَّة، ولكنْ نُسِخَ، ويحتاج ذلك إلى ثبوت.

وقال ابن بطَّال حَمَلَ الفقهاءُ الأمرَ بالبيعِ على الحضِّ على مباعدة من تكرَّر منه الزِّنى؛ لئلا يظن بالسَّيِّد الرِّضا بذلك، ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزِّنى.

(قالَ ابْنُ شِهَابٍ) وهو موصولٌ بالسَّند السَّابق (لاَ أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ) وفي رواية أبعد الثالثة بهمزة التَّسوية، وأصلها الاستفهام، لكنْ لَمَّا كانَ المُسْتَفْهِمُ يَستوي عنده الوجود والعدم، وكذا المستوي سمِّيت بذلك؛ أي لا أدري هل يجلدها، ثمَّ يَبِيْعُها ولو بِضَفيرٍ بعد الزَّنْيَة الثَّالثة؟

(أَوِ الرَّابِعَةِ) وروى التِّرمذي من حديث أبي صالحٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا زنتْ أمةُ أحدكُم فليجلدها ثلاثًا بكتاب الله، فإن عادتْ فليبعها ولو بحبلٍ من شعير ) )فهذا يدلُّ على أنَّ بيعَها بعد الرَّابعة.

وروى النَّسائي من حديث حميد بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه

ج 28 ص 477

قال أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال جاريتي زنت فتبيَّن زناها، قال (( اجلدها خمسين ) )وأتاه، وقال عادت فتبيَّن زناها، قال (( اجلدها خمسين ) )، ثمَّ أتاه فقال عادت فتبيَّن زناها، قال (( بعهَا ولو بحبلٍ من شعر ) )فهذا يدلُّ على أنَّ بيعَها بعد الثالثة.

وفي الحديث (( إنَّ الزِّنى عَيبٌ ) )يُرَدُّ به الرَّقيق للأمر بالحطِّ من قيمة المرقوق إذا وجد منه الزِّنى كما جزم به النَّووي إلَّا أنَّ قوله (( ولو بضفير ) ). وقوله (( ولو بحبلٍ من شعر ) )لا يراد به ظاهره، وإنَّما ذكر للمبالغة كما وقع في حديث (( من بنى مسجدًا ولو كمفحص قطاة ) )على أحدِ الأجوبة؛ لأنَّ قدر المِفْحَصِ لا يَسَعُ أن يكون مَسْجِدًا حقيقة.

وقال ابن العربي المرادُ من الحديث الإسراعُ بالبيع وإمضاؤُه ولا يُتَرَبَّصُ به طَلَبُ الرَّاغبِ في الزِّيادة، وليس المرادُ بَيْعَه بالحَبْلِ حَقيقةً. وقال القاضي عياض إنَّ عيبَ الزِّنى تَنْقُصُ به القيمةُ عند كلِّ أحدٍ، فيكون بيعها بالنُّقصان بيعًا بثَمَنِ المِثْل.

وتوقَّف فيه ابنُ دقيق العيد؛ لجواز أن يكون المقصودُ بالأمر بالبيع ولو انحطَّت القيمة أمرًا متعلِّقًا بأمرٍ وجوديٍّ لا إخبارًا عن حكمٍ شرعيٍّ، إذ ليس في الحديث التَّصريحُ بالأمر بحطِّ القيمة. وفي الحديث أنَّه يجب عليه أن يُعْلِمَ المشتري بعيب السِّلعة؛ لأنَّ قيمتها إنَّما تنقصُ مع العلم بالبيع، حكاه ابنُ دقيق العيد.

وتعقَّبه بأنَّ العيبَ لو لم يعلم لم تنقصِ القيمةُ فلا يَتَوقَّف على الإعلام، واستُشْكِلَ الأمرُ ببيع الرَّقيق إذا زنى مع أنَّ كلَّ مؤمنٍ مأمورٌ بأن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، ومن لازِمِ البيعِ أن يُوافق أخاه المؤمن على أن لا يقتني ما لا يرضى اقتناءه لنفسه.

وأجيب بأنَّ السَّبب الَّذي باعه لأجله يكون محقَّق الوقوع عند المشتري؛ لجواز أن يرتدع الرَّقيق إذا علم أنَّه متى عاد أُخْرِجَ، فإنَّ الإِخْراجَ من الوطن المألوف شاقٌ، ولجواز أن يقعَ الإعفاف عند المشتري.

قال ابنُ العربي يرجى عند تبديل المحلِّ تبديل الحال، ومن المعلوم أنَّ للمجاورة تأثيرًا

ج 28 ص 478

في الطَّاعة والمعصية.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( سُئل عن الأمة إذا زنت ) ).

وقد مضى الحديث في البيوع [خ¦2153] .

[1] في الأصل عن، والصواب ما أثبته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت