6857 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن يحيى الأُويسيَّ المديني، وهو من أفراد البخاري، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (سُلَيْمَانُ) هو ابنُ بلال (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) بالمثلثة، المدني (عَنْ أَبِي الْغَيْثِ) بالمعجمة والمثلثة، اسمه سالمٍ مولى ابن مطيع (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ) بضم الميم وسكون الواو وكسر الموحدة بعدها قاف؛ أي المهلكات، وسمِّيت بذلك؛ لأنَّها سببٌ لإهلاك مُرْتَكِبِها، قاله المُهَلَّبُ.
والمراد بها الكبائر كما ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه من وجهٍ آخر، أخرجه البزَّار وابن المنذر من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه رَفَعَه
ج 28 ص 510
(( الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس ) )الحديث مثل رواية أبي الغيث إلَّا أنَّه ذَكَرَ بعد السِّحرِ الانتقالَ إلى الأَعرابيَّةِ بعد الهِجْرة.
وأخرج النَّسائي والطَّبري وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم من طريق صهيبٍ، عن أبي هريرة وأبي سعيدٍ رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما من عبدٍ يصلِّي الخمس ويجتنب الكبائر إلَّا كرهًا إلَّا فتحت له أبواب الجنَّة ) )الحديث.
(قالُوا يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا هُنَّ) أي الموبقات (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هنَّ (الشِّرْكُ بِاللَّهِ) بأن يتَّخذ معه إلهًا غيره (وَالسِّحْرُ) بكسر السين وسكون الحاء المهملتين، وهو أمرٌ خارقٌ للعادة صادرٌ عن نفسٍ شريرة، والَّذي عليه الجمهور أنَّ له حقيقةً تؤثِّر وتُغَيِّر المِزَاج.
(وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ) قَتْلَها (إِلاَّ بِالْحَقِّ) كالقصاص والقتل على الرِّدَّة والرَّجم (وَأَكْلُ الرِّبَا) وهو في اللُّغة الزِّيادة، وفي الشَّرع الفضل الخالي عن العِوَض (وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ) بغير حقٍّ (وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) أي الإعراض والفرار يوم القتال في الجهاد (وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ) بفتح الصاد، جمع محصنة؛ أي الَّتي أحصنها الله من الزِّنا، وبكسرها اسم فاعلةٍ؛ أي الَّتي حَفِظَتْ فَرْجَها من الزِّنا (الْمُؤْمِنَاتِ) فخرجت الكافرات (الْغَافِلاَتِ) بالغين المعجمة والفاء، كنايةً عن البريئات؛ لأنَّ البريء غافلٌ عمَّا بُهِتَ به من الزِّنا.
والتَّنصيصُ على العدد لا ينفي غيرهَ إذا ورد في أحاديث أخر كاليمين الفاجرةِ، وعقوقِ الوالدينِ، والإلحادِ في الحَرَمِ، والتَّغرُّبِ بعد الهجرة، وشُرْبِ الخمرِ، وقولِ الزُّور، والغلولِ، والأمنِ من مكر الله، والقنوطِ من رحمةِ الله، والسَّرقةِ، وتركِ التَّنزُّه من البول، وشَتْمِ أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، والنَّميمةِ، ونَكْثِ الصَّفقة؛ أي العَهْدِ، وقد فُسِّر بالخروج على الإمام وفراق الجماعة.
واختُلِفَ في حدِّ الكبيرة، فقيل كلُّ ما يوجب الحدَّ من المعاصي، وقيل كلُّ ما توعَّد عليه بنصِّ الكتاب أو السُّنَّة. وقال الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام لم أقفْ على ضابطٍ للكبيرة؛ يعني يَسْلَمُ من الاعتراض، والأولى ضَبْطُها بما يُشْعِرُ بتهاون مرتكِبِها إشْعَارَ
ج 28 ص 511
أصْغَرِ الكبائر المنصوص عليها. قال وضبطها بعضهم بكلِّ ذنبٍ قُرِنَ به وعيدٌ أو لعنٌ.
وقال ابن الصَّلاح لها أماراتٌ منها إيجاب الحدِّ، ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنَّار ونحوها في الكتاب والسُّنَّة، ومنها وَصْفُ فاعِلِها بالفِسْقِ، ومنها اللَّعن.
وقال أبو العبَّاس القرطبي كلُّ ذنبٍ أطلق عليه بنصِّ كتابٍ، أو سنَّةٍ، أو إجماعٍ أنَّه كبيرةٌ، أو عظيمٌ، أو أخبر فيه بشدَّة العقاب، أو علَّق عليه الحد، أو شدَّة النَّكير عليه فهو كبيرةٌ.
وقال ابن عبد السَّلام أيضًا إذا أردتَ معرفةَ الفرق بين الكبائر والصَّغائر، فاعرضْ مفسدة الذَّنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت من أقلِّ مفاسد الكبائر فهي من الصَّغائر، وإن ساوتْ أدنى مفاسد الكبائر فهي من الكبائر.
فحُكْمُ القاضي بغير الحقِّ كبيرةٌ، فإنَّ شاهد الزُّور متسبِّبٌ متوسِّلٌ، فإذا جُعِلَ السَّببُ كبيرةً فالمباشرةُ أكبرُ من تلك الكبيرة، فلو شَهِدَ اثنان بالزُّور على قتلٍ موجبٍ للقصاص فسلَّمه الحاكم إلى الولي فقتله، وكلُّهم عالمون بأنَّهم باطلون فشهادة الزُّور كبيرةٌ، والحكم بها أكبر منها، ومباشرتُه القتل أكبرُ من الحُكْم.
وقال الحُلَيميُّ في «المنهاج» ما من ذنبٍ إلَّا وفي نوعه صغيرةٌ، وقد تنقلبُ الصَّغيرةُ كبيرةً بقرينةٍ تُضَمُّ إليها، وتَنْقَلِبُ الكبيرةُ فاحشةً كذلك إلَّا الكفر بالله، فإنَّه أفحش الكبائر، وليس من نوعه صغيرة. ثمَّ ذكر الحليمي أمثلةً لما قال.
والثَّاني كقتل النَّفس بغير حقٍّ فإن قتل أصلًا، أو فرعًا، أو ذات رحمٍ، أو بالحرم أو الأشهرِ الحرم فهو فاحشةٌ، والزِّنا كبيرةٌ، فإن كان بحليلة جاره أو بذات الرَّحم، أو في شهر رمضان أو في الحرم؛ فهي فاحشةٌ، وشرب الخمر كبيرةٌ، فإن كان في شهر رمضان نهارًا، أو في الحرم، أو جاهر به؛ فهو فاحشةٌ. والأوَّل كالمفاخذة مع الأجنبيَّةِ صغيرةً، فإن كان مع امرأة الأب، أو حليلة الابن، أو ذات رحمٍ فهو كبيرة.
وسرقة ما دون النِّصاب صغيرةٌ وإن كان المسروقُ منه لا يَمْلِك غيرَه وأفضَى به عَدَمُهِ إلى الضِّعف؛ فهو كبيرةٌ، وهو منهجٌ حَسَنٌ لا بأسَ باعتباره، ومدارُه على شِدَّة المَفْسَدَةِ وضَعْفِها، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في آخر الحديث.
وقد مضى الحديثُ في الوصايا [خ¦2766] ، والطب [خ¦5764] .