6876 - (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النون، الأنماطي البصري قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى الحافظ (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة، أبي الخطاب السَّدوسيُّ الأعمى، الحافظ المفسِّر (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، وفي رواية حَبَّان، بفتح المهملة وتشديد الموحدة، عن همام الآتية بعد سبعة أبواب (( حدثنا أنس ) ) [خ¦6884] (أَنَّ يَهُودِيًّا) قال الحافظ العسقلاني لم أقفْ على اسْمِه.
(رَضَّ) بفتح الراء والضاد المعجمة المشددة، من رضَّ يرضُّ رضًا إذا رَضَخَ ودَقَّ (رَأْسَ جَارِيَةٍ) قال الحافظ العسقلاني يحتمل أن تكون أمة، ويحتمل أن تكون حرَّةً، لكن دون البلوغ، وقد وَقَعَ في رواية هشام بن زيد عن أنس رضي الله عنه في الباب الَّذي يليه «خرجت جاريةٌ عليها أوضاحٌ بالمدينة فرماها يهوديٌّ بحجرٍ» .
وتقدَّم من هذا الوجه في الطَّلاق [خ¦5295] وبلفظ (( عدا يهوديٌّ على جاريةٍ فأخذ أوضاحًا كانت عليها ورضخ رأسها ) ). وفيه (( فأتى أهلُها رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي في آخر رمقٍ ) )وهذا لا يعين كونها حرَّةً لاحتمال أن يرادَ بأهلها مواليها رقيقةً كانت أو عتيقةً، لكن في بعض طُرقه أنَّها من الأنصار. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا عدولٌ عن الظَّاهر، فإنَّ المواليَ لا يُطلقُ عَليهم أهلٌ بالحقيقة، وبالاحتمال النَّاشئ عن غير دليلٍ لا يثبتُ الحكم، وفيه نظرٌ.
والأوضاحُ جمع وضحٍ وهي الحليُّ من فضَّةٍ، قاله أبو عبيدة وغيره. وقال الجوهريُّ الأوضاح حليٌّ من الدَّراهم الصِّحاح. ونقله القاضي عياض أنَّها حليٌّ من حجارةٍ، ولعلَّه أرادَ حجارة الفضَّة احترازًا عن الفضَّة المضروبة أو المنقوشة.
(بَيْنَ حَجَرَيْنِ) ولا تنافي بين قوله (( رضَّ رأسَها بين حَجَرين ) )وبين قوله (( رماها
ج 28 ص 541
بحجر )) وبين قوله (( رَضَخَ رأسَها ) )لأنَّه يُجْمَعُ بَيْنَها بأنَّه رَمَاها بحَجَرٍ فأصاب رأسها فسقطت على حجرٍ آخر (فَقِيلَ لَهَا) أي قال لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا) أي الرَّضَّ؛ أي أَفَعَلَه (أَفُلاَنٌ أَوْ فُلاَنٌ) وفي رواية الكُشميهني بحذف الهمزة. وتقدم في الإشخاص من وجهٍ آخر عن همَّامٍ (( أفلان أفلان ) ) [خ¦2413] التكرار بغير واو.
وجاء بيان الَّذي خاطبها بذلك في الرِّواية التي تلي هذه بلفظ فقال لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( فلانٌ قَتَلَكِ ) ). وبيَّن في رواية أبي قِلابة عن أنسٍ رضي الله عنه عند مسلم وأبي داود فدخل عليها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لها (( مَنْ قَتَلَكِ ) ).
(حَتَّى) أي تكرَّر ذلك حتَّى (سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ) بضم السين وكسر الميم المشددة على البناء للمفعول، فاليهوديُّ رفع على الفاعلية، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح السين والميم على البناء للفاعل فاليهودي نصب على المفعولية. وزاد في الرِّوايتين اللَّتين في الإشخاص [خ¦2413] ، والوصايا [خ¦2746] (( فأومتْ برأسها ) ). ووقع في رواية هشام بن زيد في الرواية الَّتي بعد هذه بيان الإيماء المذكور، وأنَّه كان تارةً دالًّا على النَّفي، وتارةً دالًّا على الإثبات بلفظ «فلان قتلك فرفعت رأسها» وهو مشعرٌ بأنَّ فلانًا الثاني غيرُ الأول. ووقع التَّصريح بذلك في الرِّواية الَّتي في الطلاق [خ¦5295] ، وكذا الآتية بعد بابين [خ¦6879] فأشارت برأسها أن لا قال ففلانٌ لرجلٍ آخر؛ يعني عن رجلٍ آخر فأشارت أن لا قال ففلان قاتلها، فأشارت أن نعم.
(فَأُتِيَ بِهِ) بضم الهمزة وكسر الفوقية؛ أي باليهوديِّ (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقَرَّ) أي اليهودي، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني ؛ أي بالفعل، وفي الوصايا (( فجيء به يعترف، فلم يزل به حتَّى اعترف ) ). قال أبو مسعودٍ لا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث فاعترف، ولا فأقرَّ، إلَّا همام بن يحيى.
قال المهلَّب فيه أنَّه ينبغي للحاكم أن يستدعيَ أهل الجنايات، ثمَّ يتلطَّف بهم حتَّى يقرُّوا لِيُؤْخَذُوا بإقرارهم، وهذا بخلاف ما إذا جاءوا تائبين، فإنَّه يُعْرِضُ عمَّن لم يصرِّح بالجناية، فإنَّه يجب
ج 28 ص 542
إقامة الحدِّ عليه إن أقرَّ، وسياق القصَّة يقتضي أنَّ اليهوديَّ لم تَقُم عليه بيِّنةٌ، وإنَّما أُخِذَ بإقراره، وفيه أنَّه يجب المطالبة بالدَّم بمجرَّد الشَّكوى وبالإشارة. قال وفيه دليلٌ على جواز وصيَّة غير البالغ ودعواه بالدَّين والدَّم. قال الحافظ العسقلاني في هذا نظرٌ؛ لأنَّه لم يتعيَّن كون الجارية دون البلوغ.
وقال المازري فيه الرَّدُّ على من أنكرَ القصاص بغير السَّيف، وقَتْلُ الرَّجلِ بالمرأة، وسيأتي البحث فيهما في بابين مفردين. قال واستدلَّ به بعضُهم على النَّدبية؛ لأنَّها لو لم تعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة. قال ولا يصحُّ اعتباره مجردًا؛ لأنَّه خلافُ الإجماع فلم يبق إلَّا أنَّه يُفِيدُ القَسَامة.
وقال النَّووي ذهب مالكٌ إلى ثبوت قتل المتَّهم بمجرَّد قول المجروح، واستدلوا بهذا الحديث ولا دلالةَ فيه، بل هو قولٌ باطلٌ لأنَّ اليهوديَّ اعترف كما وقع التَّصريحُ به في بعضِ طُرُقه.
وأُجيب عنه أيضًا بأنَّ هذا كان في ابتداء الإسلام، وكان يُقْتَلُ القاتلُ بقول القتيل، وقيل يمكن أن يكون قَتَلَه بلا بيِّنةٍ واعتراف بسببٍ آخر مُوْجِبٍ لِقَتْلِه. وقيل كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَه بالوحي فلذلك قَتَلَه.
ونازعَه بعض المالكيَّة، فقال لم يقل مالكٌ ولا أحدٌ من أهل مذهبهِ بثبوت القتل على المتَّهم بمجرَّد قول المجروح، وإنَّما قالوا إنَّ قَوْلَ المحتضر عند موته فلانٌ قتلني لَوْثٌ يُوْجِبُ القَسَامة، فيقسم اثنان فصاعدًا من عصبته بشرط الذَّكورية.
وقد وافق بعضُ المالكيَّة الجمهورَ واحتجَّ من قال بالنَّدبية أنَّ دعوى من وصل إلى تلك الحالة وهي وقتُ إخلاصه وتوبته عند معاينة مفارقة الدُّنيا يدلُّ على أنَّه لا يقول إلَّا حقًّا. وقال وهي أقوى من قول الشَّافعيَّة إنَّ الوليَّ يقسم إذا وَجَدَ قرب وليِّه المقتول رجلًا معه سكِّين لجواز يكون القاتلُ غيرَ من معه السِّكين.
(فَرُضَّ) بضم الراء؛ أي دُقَّ (رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ) وفي رواية الأشخاص [خ¦2413] (( فرُضِخَ رَأْسُه بين حَجَرين ) )ويأتي في رواية حبَّان [خ¦6876] [خ¦6884] أنَّ همامًا قال كُلًّا من اللَّفظين، وفي رواية هشام التي تليها [خ¦6877]
ج 28 ص 543
(( فقتله بين حجرين ) )، ومضى في الطَّلاق [خ¦5295] بلفظ الرواية الَّتي في الإشخاص، وفي رواية أبي قلابة عند مسلمٍ «فأمر به فرُجِمَ حتَّى مات» لكن في رواية أبي داود من هذا الوجه (( فقتلَ بين حجرين ) ).
قال القاضي عياض رضخه بين حجرين، ورَمْيُه بالحِجَارة ورَجْمُه بها بمعنى، والجامع أنَّه رُمِيَ بحَجَرٍ، أو أكثر، ورَأْسُه على آخر.
وقال ابن التِّين أجاب بعض الحنفيَّة بأنَّ هذا الحديث لا دَلالة فيه على المماثلة في القصاص؛ لأنَّ المرأة كانت حيَّةً، والقَوَدُ لا يكون في حيٍّ. وتعقَّبهُ بأنَّه إنَّما أمر بقتله بعد موتها لأنَّ في الحديث أفلانٌ قتلك، فدلَّ على أنَّها ماتت حينئذٍ؛ لأنَّها كانت تجودُ بنفسها فلمَّا ماتت اقتصَّ منه.
وادَّعى ابنُ المرابط أنَّ هذا الحكمَ كان في أوَّل الإسلام وهو قبولُ قول القتيل. وأمَّا ما جاء أنَّه اعترافٌ فهو في رواية قتادة، ولم يقله غيره، وهذا ممَّا عُدَّ عليه. انتهى.
قال الحافظُ العسقلاني ولا يخفى فساد هذه الدَّعوى فقتادة حافظٌ، زيادتُه مقبولةٌ؛ لأنَّ غيرَه لم يتعرَّض لنفيها فلم يتعارضا، والنَّسخ لا يثبتُ بالاحتمال.
هذا، وقد ثبتتْ هذه اللَّفظةُ في «الصحيحين» وكفى بذلك شاهدًا على ثبوتها، واستُدِلَّ به على وجوب القصاص على الذِّميِّ.
وتُعُقِّب بأنَّه ليس فيه تصريحٌ بكونه ذميًّا فيحتمل أن يكون معاهدًا، أو مستأمنًا، والله تعالى أعلم.
ومطابقةُ الحديث للترجمة في قوله «فلم يزلْ به حتَّى أقرَّ» . وقد مضى الحديث في الإشخاص [خ¦2413] والوصايا [خ¦2746] .