635 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين (قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشين المعجمة وسكون المثناة التحتية وبالموحدة، هو ابن عبد الرحمن النَّحوي (عَنْ يحيى) هو ابن أبي كثير (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن رِبْعي الأنصاري رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين كوفي وبصري، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الباب اللَّاحق أيضًا [خ¦637] ، وأخرجه مسلم في «الصلاة» .
(قَالَ بَيْنَمَا) بالميم أصله «بين» ، فزيدت فيه الميم والألف، وربما تزاد الألف فقط، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة يضاف إلى جملة، ويحتاج إلى جوابٍ، وقد مرَّ تحقيقه [خ¦59] (نَحْنُ نُصَلِّي) جملة مضاف إليها لقوله «بينما» (مَعَ النَّبِيِّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ سَمِعَ) جواب «بينما» مع «إذ» (جَلَبَةَ) بفتح الجيم واللام والموحدة (الرِّجَالٍ) وفي رواية بدون الألف واللام؛ أي أصواتهم بسبب حركاتهم واستعجالهم، وسمَّى منهم الطَّبراني في روايته أبا بكرة رضي الله عنه.
(فَلَمَّا صَلَّى) صلى الله عليه وسلم (قَالَ مَا شَأْنُكُمْ؟) بالهمز؛ أي ما حالكم حيث وقع منكم الجلبة؟ (قَالُوا اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ) وفي رواية بالفاء (تَفْعَلُوا) أي لا تستعجلوا، وعبَّر بلفظ الفعل عن الاستعجال مبالغةً في النَّهي عنه، (إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاَةَ) جمعةً أو غيرها من الصلوات المكتوبة (فَعَلَيْكُمْ) أي الزموا (بِالسَّكِينَةِ) بفتح السين وكسر الكاف، التأنِّي والتُّؤدة والهينة، ويروى بالنصب بدون الباء، كما في قوله تعالى {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة 105] فإنَّ «عليكم» من أسماء الأفعال التي تتعدَّى بنفسه إلَّا أنَّ «الباء» قد تزاد في مفعولها لضعفها في العمل، وفي الحديث الصَّحيح (( عليكم برُخَص الله ) )ويجوز الرفع على أنَّه مبتدأ خبره قوله (( عليكم ) ).
فإذا فعلتم ذلك (فَمَا أَدْرَكْتُمْ) أي القدر الذي أدركتموه من الصلاة مع الإمام(فَصَلُّوا
ج 4 ص 85
وَمَا فَاتَكُمْ)منها (فَأَتِمُّوا) أي أكملوه وحدَكم، وفي هذه اللَّفظة اختلاف فعند أبي نُعيم الأصبهاني (( وما فاتكم فاقضوا ) )، وكذا ذكرها الإسماعيلي من حديث شيبان عن يحيى.
وفي رواية أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( فما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتكُم فأتمُّوا ) )كما في هذا الصَّحيح [خ¦636] ، وكذا هو في أكثر روايات مسلم. وفي رواية «فاقض ما سبقك» وفي رواية لأبي داود (( فاقضوا ما سبقكم ) )، وعند أحمد من حديث ابن عُيينة، عن الزُّهري، عن سعيد، عنه (( وما فاتكم فاقضوا ) ).
وفي «المحلى» من حديث ابن جُريج عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قال إذا كان أحدكم مقبلًا إلى الصلاة فليمش على رسله، فإنَّه في صلاة فما أدرك فليصلِّ وما فاته فليقضِ بعد.
قال عطاء وإني لأصنعه، ثم إنَّه اختلف العلماء في القضاء والإتمام المذكورين هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟، وترتب على ذلك خلاف فيما يدركه الدَّاخل مع الإمام هل هو أول صلاته أو آخرها على أربعة أقوال
أحدها أنه أول صلاته وأنه يكون بانيًا عليه في الأفعال والأقوال، وهو قول الشافعي وإسحاق والأوزاعي، وهو مروي عن علي وابن المسيِّب والحسن وعطاء ومكحول، ورواية عن مالك وأحمد، واستدلُّوا بقوله (( وما فاتكم فأتموا ) )لأنَّ لفظ «أتموا» واقع على باقٍ من شيء قد تقدَّم سائره.
قيل وأوضح دليل على ذلك أنَّه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كلِّ حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرًا له لما احتاج إلى إعادة التَّشهد.
وأجاب عنه ابن بطَّال أنَّه ما تشهَّد إلَّا لأجل السلام؛ لأنَّ السلام يحتاج إلى سبق تشهُّدٍ، ونظر فيه بعضهم، هذا وقد استدل لذلك ابنُ المنذر بأنهم أجمعوا على أنَّ تكبيرة الافتتاح لا تكون إلَّا في الركعة الأولى، وهو لا ينتهضُ دليلًا لذلك كما لا يخفى على من تأمل.
وروى البيهقي من حديث عبد الوهَّاب بن عطاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث عن عليٍّ رضي الله عنه (( ما أدركتَ فهو أوَّل صلاتك ) )، وعن ابن عمر بسندٍ جيدٍ مثله.
الثاني أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبنى عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها وهو قول مالك. وقال ابن بطال عنه ما أدرك فهو أول صلاته إلَّا أنَّه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأمِّ القرآن وسورة، ولا يستحب له إعادة الجهر في الركعتين الباقيتين في الرباعية، قيل وهو قول الجمهور.
وقال سحنون هذا الذي لم يُعْرَف خلافه، دليله ما رواه البيهقي من حديث قتادة أنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال «ما أدركتَ مع الإمام فهو أوَّل صلاتك، واقض ما سبقكَ به من القرآن» .
الثَّالث أنَّ ما أدرك فهو أوَّل صلاته إلَّا أنَّه يقرأ فيها بالحمد وسورة مع الإمام، وإذا قام للقضاء قضى بالحمد وحدها؛ لأنَّه أخَّرَ صلاته وهو قولُ المزني وإسحاق وأهل الظَّاهر.
الرابع أنَّه آخر صلاته، وأنه يكون قاضيًا في الأفعال والأقوال، وهو قول
ج 4 ص 86
أبي حنيفة وأحمد في رواية وسفيان ومجاهد وابن سيرين. وقال ابنُ الجوزي الأشبه بمذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنَّه آخر صلاته فيُستَحب له الجهر في الركعتين الأخيرتين وقراءة السُّورة مع الفاتحة في الرباعية.
وقال ابن بطَّال روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النَّخعي والشَّعبي وأبي قِلابة، ورواه ابن القاسم عن مالك وهو قول أشهبٍ، وابن الماجشون، واختاره ابنُ حبيب، واستدلُّوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (( وما فاتكم فاقضوا ) )، ورواهُ ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ عن أبي ذرٍّ وابن حزم بسند مثله عن أبي هريرة، والبيهقي بسندٍ لا بأس به على رأي جماعة عن معاذ بن جبل رضي الله عنهم.
والجواب عمَّا استدلَّ به الشافعي ومن معه، وهو قوله (( فأتموا ) )أنَّ صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، فحُمِلَ قوله (( فأتموا ) )على أنَّ من قضى ما فاته فقد أتمَّ؛ لأنَّ الصلاة تنقص بما فات فقضاؤه إتمام لما نقص، وأمَّا ما يقال أنَّ المراد بالقضاء الفعل، لا القضاء المصطلح عليه عند الفقهاء، وقد كَثُرَ استعمال القضاء بمعنى الفعل، فمنه قوله تعالى {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ} [فصلت 12] ، وقوله تعالى {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة 200] ، وقوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة 10] .
ويقال قضيت حق فلان، ومعنى الجميع الفعل، ففيه أنَّ الفعل مشترك الدَّلالة؛ لأنه يطلق على الأداء والقضاء جميعًا، ومعنى {قَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَات} قدَّرهنَّ، ومعنى {قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} فرغتم عنها، وكذا معنى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} ، ومعنى قضيت حقَّ فلان أنهيتَ إليه حقَّه، ولو سُلِّمَ أنَّ القضاء بمعنى الأداء يكون مجازًا والحقيقة أولى من المجاز، ولا سيَّما على أصلهم أنَّ المجاز ضروري لا يصار إليه إلَّا عند الضَّرورة والتَّعذر.
فإن قيل حكى البيهقيُّ عن مسلم أنَّه قال لا أعلم هذه اللَّفظة يعني «فاقضوا» رواها عن الزُّهري إلَّا ابن عُيينة وأخطأ.
فالجواب أنَّه تابعه ابن أبي ذئب فرواها عن الزُّهري كذلك، وكذا وقع في روايةٍ لمسلم وأبي داود.
وأمَّا قول الكرماني (( ومافاتكم فأتموا ) )دليل للشافعية حيث قالوا ما أدركه المسبوق مع الإمام فهو آخرها؛ لأنَّ التمام لا يكون إلَّا للآخر؛ لأنَّه يقع على باقي شيء تقدَّم أوَّله، وعكس أبو حنيفة فقال ما أدرك مع الإمام فهو آخرها انتهى.
فقد قال فيه محمود العيني عَكَس هو حيثُ غَفَل عن رواية (( فاقضوا ) )، وما قال فيه العلماء، وقد ذُكِرَ، ولو تأدَّب لأحسن في عبارته، وليس أبو حنيفة فيما قاله وحده، بل معه عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر
ج 4 ص 87
رضي الله عنهم، وكذا سفيان وابن سيرين ومجاهد والنَّخعي والشَّعبي وأبو قِلابة وآخرون، ثمَّ ممَّا يستفاد من الحديث الحثُّ على الإتيان إلى الصلاة بالسَّكينة والوقار خلف تكبيرة الإحرام أولًا، وفيه جواز قول الرجل (( فاتتنا الصلاة ) )وأنَّه لا كراهة فيه عند جمهور العلماء، وقد مرَّ الكلام فيه [خ¦635 قبل] .