636 - (حَدَّثَنا آَدَمُ) هو ابنُ أبي إياس (قَالَ حَدَّثَنا ابْنُ أَبي ذِئْبِ) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (قَالَ حَدَّثَنا الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ سَعيْدِ بنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) أي بالإسناد الذي قبله، وهو آدم عن ابن أبي ذئبٍ عن الزُّهري.
(عَنْ أَبِيْ سَلَمَةَ) بفتحات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه يعني أنَّ الزُّهري حدَّث عن شيخين سعيد بن المسيب وأبي سلمة، وقد جمع البُخاري بينهما في باب «المشي إلى الجمعة» عن آدم فقال فيه عن سعيد وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة [خ¦908] ، وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعدٍ، عن الزُّهري عنهما.
وذكر الدَّارقطني الاختلاف فيه على الزُّهري، وجزم بأنَّه عنده عنهما جميعًا، قال وكان ربما اقتصر على أحدِهما. وأمَّا الترمذي فإنَّه أخرجه من طريق يزيد بن زُرَيع، عن مَعْمَر، عن الزُّهري، عن أبي سلمة وحده. ومن طريق عبد الرَّزَّاق عن معمر، عن الزُّهري، عن سعيد وحده. قال وقول عبد الرَّزَّاق أصحُّ، ثم أخرجه من طريق ابنِ عُيينة عن الزُّهري كما قال عبد الرَّزَّاق، وهذا عملٌ صحيحٌ لو لم يثبت أن الزُّهري حدَّث به عنهما، وقد أخرجه البخاري في باب «المشي إلى الجمعة» من طريق شعيب [خ¦908] ، ومسلم من طريق يونس كلاهما عن الزُّهري عن أبي سلمة وحدَه، فترجَّح ما قاله الدَّارقطني، ورجال هذا الإسناد كلُّهم مدنيون إلَّا آدم فإنه عسقلاني.
ج 4 ص 88
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ) أي إقامة الصلاة، إنما ذكر الإقامة تنبيهًا على ما سواها؛ لأنه إذا نهى عن إتيانها مسرعًا في حال الإقامة مع خوف فوت بعضها فقَبْلَ الإقامة أولى، وقد لوحظ فيه معنى غير هذا، وهو أنَّ الحكمة في التَّقييد بـ «الإقامة» أن المُسرع إذا أقيمت الصلاة يصلُ إليها، وقد انبهَرَ فيقرأ في تلك الحالة، فلا يحصل له تمام الخشوع في التَّرتيل وغيره، بخلاف من جاء قبل ذلك فإن الصلاة قد لا تقام حتى يستريح.
وقضية هذا أنَّه لا يكره الإسراع لمن جاء قبل الإقامة وهو مخالفٌ لصريح قوله (( إذا أتيتم الصلاة ) )في حديث أبي قتادة؛ لأنَّه يتناول ما قبل الإقامة، وإنما قَيَّد في الحديث الثاني بالإقامة؛ لأن ذلك هو الحامل في الغالب على الإسراع.
(فَامْشُوا إِلَى الصَّلاَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ بالباء، وفي رواية غيره بالنصب بلا باء، وكذا في رواية مسلم من طريق يونس، وضبطها النَّووي بالرفع على أنها جملة في موضع الحال، ثمَّ المراد بالسَّكينة التأني في الحركات واجتناب العبث، والمراد من قوله (وَالْوَقَارِ) هو حُسن الهيئة كغضِّ البصر، وخفض الصَّوت، وعدم الالتفات، على ما قاله النَّووي.
وقال القاضي عياض والقرطبي هو بمعنى السَّكينة، وذُكِرَ على سبيل التَّأكيد، ثمَّ الحكمة في هذا الأمر يستفاد من زيادةٍ وقعت عند مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر نحو حديث الباب، وقال في آخره (( فإنَّ أحدَكم إذا كان يعمدُ إلى الصلاة فهو في صلاة ) )أي إنَّه في حكم المصلِّي فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلِّي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلِّي اجتنابه.
(وَلاَ تُسْرِعُوا) فيه زيادة تأكيد، ويستفاد منه الردُّ على من أوَّل قوله في حديث أبي قتادة «لا تفعلوا» ؛ أي الاستعجال المفضي إلى عدم الوقار، وأمَّا الإسراع الذي لا ينافي الوقار لمن خاف فوت التحريمة فلا، وهذا محكيٌّ عن إسحاق بن راهويه.
وقال النَّووي نبَّه بذلك على أنَّه لو لم يدرك من الصلاة شيئًا لكان محصلًا لمقصوده لكونه في صلاة، والأعمالُ بالنِّيات، وعدم الإسراع أيضًا يستلزم كثرة الخطأ، وهو أمر مندوبٌ مقصودٌ لذاته، وَرَدَتْ فيه أحاديث كحديث جابرٍ عند مسلم (( إنَّ بكلِّ خطوةٍ درجة ) )، ولأبي داود من طريق سعيد بن المسيَّب عن رجلٍ من الأنصار مرفوعًا (( إذا توضَّأ أحدُكم فأحسن الوضوء ثمَّ خرج إلى المسجد لم يرفع قدمَه اليمنى إلا كتب الله له حسنة
ج 4 ص 89
ولم يضع قدمه اليُسرى إلَّا حطَّ الله عنه سيئة، فإن أتى المسجد فصلَّى في جماعة غُفِر له، فإن أتى وقد صلُّوا بعضًا وبقي بعض فصلَّى ما أدرك وأتمَّ ما بقي كان كذلك، وإن أتى المسجد وقد صلُّوا فأتمَّ الصلاة كان كذلك )) ، ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} وإن كان معناه يشعر بالإسراع؛ لأنَّ المراد بالسَّعي الذَّهاب، يقال سعيتُ إلى كذا؛ أي ذهبت إليه، والسعي أيضًا جاء بمعنى العمل، وبمعنى القصد.
(فَمَا أَدْرَكْتُمْ) أي إذا فعلتُم ما أمرتكم به من السَّكينة وترك الإسراع، أو التَّقدير إذا بينت لكم ما هو أولى بكم، فما أدركتُم مع الإمام من الصلاة (فَصَلُّوا) معه، وقد حصلت فضيلة الجماعة بإدراك جزء منها قليلًا أو كثيرًا، وهذا قولُ الجمهور.
وقيل لا تدرك الجماعة بأقل من ركعة للحديث السابق «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك» [خ¦580] ، وقد مرَّ الكلام فيه مفصَّلًا في بابه، واستدلَّ به أيضًا على استحباب الدُّخول مع الإمام في أي حالة وجده عليها، وفيه حديثٌ أصرح منه أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن رُفَيع عن رجل من الأنصار مرفوعًا (( من وجدَني قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها ) ).
(وَمَا فَاتَكُمْ) منها (فَأَتِمُّوا) أي أكملوه، وقد ذكر اختلاف الألفاظ فيه، وما يتعلَّق به من المباحث [خ¦635] ، بقي أنَّه استدلَّ به قوم على أنَّ من أدرك الإمام راكعًا لم تُحسَب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته، وقد فاته القيام والقراءة فيه، وهو أيضًا مذهبُ مَن ذهبَ إلى وجوب القراءة خلف الإمام، وهو قول أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا، واختاره ابن خُزيمة وغيره من محدِّثي الشافعية، وقوَّاه الشيخ تقيُّ الدين السُّبكي من المتأخرين، والجمهور ومنهم أصحابنا الحنفية على أنَّه يكون مدركًا لتلك الركعة، وحجَّتهم في ذلك حديث أبي بَكرة رضي الله عنه حيث ركع دون الصَّف، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( زادك الله حرصًا ولا تعد ) )، ولم يأمره بإعادة تلك الركعة.
وروى أبو داود من حديث معاوية بن أبي سفيان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تبادروني بركوع ولا سجود، فإنَّه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعتُ، وإني قد بدَّنت ) )وهذا يدلُّ على أنَّ المقتدي إذا لحق الإمام وهو في الركوع فلو شرع معه ما لم يرفع رأسه يصير مدركًا لتلك الركعة، فإذا شرع وقد رفع رأسه لا يكون
ج 4 ص 90
مدركًا لتلك الركعة، ولو ركع المقتدي قبل الإمام فلحقه الإمام قبل قيامه يجوز عندنا خلافًا لزفر.