6964 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَنَّ رَجُلًا) اسمه حَبَّان _ بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحّدة _ ابن منقِذ _ بالقاف المكسورة والمعجمة بعدها _ الصَّحابيّ ابن الصَّحابيّ، وقيل هو منقذ بن عَمرو، وصحَّحه النَّووي في «مهماته» .
(ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ) بضم التّحتيّة وسكون الخاء المعجمة (فَقَالَ) له صلى الله عليه وسلم (إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللّام؛ أي لا خديعة في الدِّين؛ لأنَّ الدِّين النَّصيحة.
وقال المهلَّب معنى قوله (( لا خلابة ) )لا تخلبوني؛ أي لا تخدعوني؛ فإنَّ ذلك لا يحلُّ.
قال الحافظ العسقلانيّ والَّذي يظهر أنَّه واردٌ مورد الشَّرط؛ أي إن ظهر في العقد خداعٌ فهو غير صحيحٍ، كأنَّه قال يشترط أن لا يكون فيه خديعةٌ، أو قال لا تلزمني خديعتُك، وجعل صلى الله عليه وسلم هذا القول منه بمنزلة شرط الخيار له ليكون له الرَّدُّ إذا تبيَّن له الخديعة، وقيل عامٌّ في كلِّ أحدٍ. قال المهلَّب ولا يدخل في الخداع المحرّم الثّناء على السِّلعة، والإطناب في مدحها، فإنَّه متجاوزٌ عنه ولا ينقض به البيع.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وقد مضى الحديث في (( البيوع ) ) [خ¦2117] .
ج 29 ص 139
فائدة قال ابن القيِّم في «الأعلام» أحدث بعض المتأخِّرين حيلًا لم يصحَّ القول بها عن أحدٍ من الأئمَّة، ومن عرف سير الشَّافعيّ وفضله علم أنَّه لم يكن يأمرُ بفعل الحيل التي تبنى على الخداع، وإن كان يجري العقود على ظاهرها، ولا ينظرُ قصد الفاعل إذا خالف لفظه، فحاشاه أن يبيحَ للنَّاس المكر والخديعة، فإنَّ الفرقَ بين إجراء العقد على ظاهره، فلا يعتبر القصد في العقدِ، وبين تجويز عقد قد علم بناؤه على المكرِ مع العلم بأنَّ باطنه خلاف ظاهره ظاهرٌ.
ومَن نسب حلَّ الثَّاني إلى الشَّافعيّ فهو خصمُه عند الله، فإنَّ الَّذي جوَّزه بمنزلة الحاكم يجري الحكم على ظاهرهِ في عدالة الشُّهود فيحكم بظاهر عدالتهم وإن كانوا في الباطن شهود زورٍ.
وكذا في مسألة العِيْنة إنَّما جوَّز أن يبيع السِّلعة ممَّن يشتريها جريًا منه على أنَّ ظاهر عقود المسلمين سلامتها من المكر والخديعة، ولم يجوز قطّ أنَّ المتعاقدين يتواطآن على ألف بألف ومائتين ثمَّ يحضران سلعة تحلل الرِّبا، ولا سيما إن لم يقصد البائع بيعَها، ولا المشتري شراءَها.
ويتأكَّد ذلك إذا كانت ليست ملكًا للبائع، كأن يكون عنده سلعةٌ لغيره فيوقع العقد ويدَّعي أنَّها ملكه ويصدّقه المشتري فيوقعان العقد على الأكثر، ثمَّ يستعيدها البائعُ بالأقلّ ويترتَّب الأكثر في ذمَّة المشتري في الظَّاهر، ولو علم الَّذي جوَّز ذلك بذلك لبادرَ إلى إنكاره؛ لأنَّ لازم المذهب ليس بمذهبٍ، فقد يذكر العالم الشَّيء ولا يستحضر لازمه حتَّى إذا عرفه أنكره، وأطالَ في ذلك جدًّا وهذا ملخصه.
والتَّحقيق أنَّه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانه في ظاهر الحكم، فالشَّافعيَّة يجوّزون العقود على ظاهرها، ويقولون مع ذلك إنَّ من عملَ الحيل بالمكر والخديعة يأثم في الباطن، وبهذا يحصل الانفصال على أشكاله، وبالله التوفيق.
ج 29 ص 140