6966 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي الثَّوريّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي علم (يُعْرَفُ بِهِ) ولا ريب أنَّ الاعتلال الصَّادر من الغاصب أنَّ الجارية ماتت غدرًا، وجنايةً في حقِّ أخيه المسلم.
وقال ابن بطَّال خالف أبو حنيفة الجمهورَ في ذلك، فاحتجَّ هو بأنَّه لا يجمع الشَّيء وبدله في ملك شخصٍ واحدٍ، واحتجَّ الجمهور بأنَّه لا يحلُّ مال مسلمٌ إلَّا عن طيب نفسه، وبأنَّ القيمة إنَّما وجبت بناء على صدقِ دعوى الغاصب أنَّ الجارية ماتت، فلمَّا تبيَّن أنَّها لم تمت فهي باقيةٌ على ملك المغصوب منه؛ لأنَّه لم يجر بينهما عقدٌ صحيحٌ فوجب أن تردَّ إلى صاحبها، قال وفرَّقوا بين الثمن والقيمة فإنَّ الثَّمن في مقابلةِ الشَّيء القائم، والقيمة في الشَّيء المستهلك، وكذا في البيعِ الفاسد.
والفرق بين الغصب والبيع الفاسد، أنَّ البائعَ رضي بأخذ الثَّمن عوضًا عن سلعته وأذن للمشتري بالتَّصرُّف فيها، فإصلاح هذا البيع أن يأخذَ قيمة
ج 29 ص 143
السِّلعة إن فاتت، والغاصب لم يأذن له المالك فلا يحلُّ له أن يتملَّكه إلَّا إن رضيَ المغصوب منه بقيمته.
قال الحافظ العسقلانيّ ومحلُّ الصُّورة المذكورة أوَّلًا عند الحنفيَّة أن يدَّعي المستحقُّ على الغاصب بالجارية فيجيب بأنَّها ماتت فيصدقه أو يكذبه فيقيم الغاصب البيِّنة أو يستحلفه فينكل عن اليمين فيكون للمستحقِّ حينئذٍ على الغاصبِ مع حلفه أنَّها ماتت، فالمدَّعي حينئذٍ بالخيار إذا ظهرَ كذب الغاصب، إن شاءَ أمضى الضَّمان، وإن شاء استعادَ الجارية وردَّ العِوَض.
واستدلَّ بأنَّ المالك ملك بدل المغصوب رقبةً ويدًا، فزالَ ملكه عن المبدل لكونه قابلًا للنَّقل، فلم يقع الحكم للتَّعدِّي محضًّا، بل للضَّمان المشروط، ولو نشأَ منه فوات الجارية على صاحبها بالحيلة، ولو ترتَّب الإثم على الغاصب بذلك؛ لأنَّه ينافي صحَّة العقد.
وقال ابن المُنيِّر ما ملخَّصه ألزم بعضُ الحنفيَّة مالكًا بأنَّه يقول في الآبق إذا أخذ المالك قيمته ممَّن وجده فغصبه إنَّ الغاصب يملكه، فلو مَوّهَ الغاصب بأنَّه مستمرُّ الإباق أو أوهم موته، ثمَّ ظهر خلاف ذلك فللمالك أخذه، والحديث يتناول التَّمويه وغيره ويقتضي أن يعودَ العبد للمالك، والقيمة إن كانت ثمنًا لم يعد العبد مطلقًا، وإن لم تكن ثمنًا عاد العبدُ مطلقًا.
وأُجيب بأنَّ معنى قوله (( أموالكُم عليكم حرامٌ ) )إذا لم يقع التَّراضي، ومع وجود التَّمويه لم يحصل الرِّضا بالعوضِ، بخلاف ما إذا لم يكن هناك تمويهٌ، فإنَّه يدلُّ على الرِّضا بالعوضِ ويقدر القيمة ثمنًا والله أعلم، والحديث من أفراد البخاري.