فهرس الكتاب

الصفحة 10353 من 11127

6980 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ) الطَّائفيّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) الثَّقفيّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) أسلم، أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) بالصّاد المهملة، وفي رواية أبي ذرٍّ بالسّين المهملة بدل الصّاد، قيل أي أحقُّ بقريبه بأن يتعهَّده ويتصدَّق عليه مثلًا، وقد سبق ما يتعلَّق به قريبًا [خ¦6978] .

قال العينيّ هذا الحديث والَّذي يأتي في آخر الباب متعلَّقان بباب الهبة والشُّفعة فلا وجه لذكرهما في هذا الباب. ومن هذا قال الكرماني كأنَّ موضعهما المناسب قبل باب احتيال العامل لأنَّه من بقيَّة مسائل الشُّفعة، وتوسيط هذا الباب بينهما أجنبيٌّ، ثمَّ قال ولعلَّه من جملة تصرُّفات النقلة عن الأصل، ولعلَّه كان في الحاشية ونحوها فنقلوه إلى غير مكانه، انتهى.

وقد وقَّع ابن بطَّال هنا باب بلا ترجمةٍ ثمَّ ذكر الحديث وما بعده، ثمَّ ذكر باب احتيال العامل، وعلى هذا فلا إشكال؛ لأنَّه حينئذٍ كالفصل من الباب، ويحتمل أن يكون في الأصل بعد قصَّة ابن اللُّتبيَّة باب بلا ترجمةٍ فسقطت التَّرجمة فقط أو بيَّض لها في الأصل.

(وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) أراد به الإمامَ أبا حنيفة رحمه الله (إِنِ اشْتَرَى) أي أراد أن يشتري (دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) مثلًا (فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ) على إسقاط الشّفعة (حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَيَنْقُدَهُ) بفتح التَحتيّة؛ أي ينقد البائع (تِسْعَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ، وَتِسْعَمِائَةَ دِرْهَمٍ، وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا) أي بمقابلة ما (بَقِيَ مِنَ الْعِشْرِينَ الأَلْفَ) وفي رواية أبي ذرٍّ يعني مصارفةً عنها (فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا) أي إن طلب الشَّفيع أخذها أخذها (بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) وهو الثَّمن الَّذي وقع عليه العقد.

(وَإِلاَّ) أي وإن لم يرض أخذها بعشرين ألف درهم (فَلاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ) لسقوط الشفعة لكونه امتنع من بذل الثَّمن الَّذي وقع عليه العقد(فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ

ج 29 ص 173

الدَّارُ)بضمّ الفوقيّة وكسر الحاء المهملة على البناء للمفعول؛ أي ظهرت الدَّار مستحقَّةً لغير البائع (رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَهْوَ تِسْعَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ وَتِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِيْنَارٌ) لكونه القدر الَّذي تسلّمه منه، ولا يرجع عليه بما وقع عليه العقد (لأَنَّ الْبَيْعَ) أي المبيع (حِينَ اسْتُحِقَّ) بضمّ الفوقيّة على البناء للمفعول؛ أي للغير (انْتَقَضَ) بالضاد المعجمة (الصَّرْفُ) أي الذي وقعَ بين البائع والمشتري في الدَّار المذكورة (بِالدِّيْنَارِ) هي رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره .

(فَإِنْ وَجَدَ) بفتح الواو (بِهَذِهِ الدَّارِ) المذكورة (عَيْبًا، وَلَمْ تُسْتَحَقَّ) على البناء للمفعول؛ أي والحال أنَّها لم تخرج مستحقَّةً (فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ . قال الحافظ العسقلاني يعني أنَّ هذا تناقضٌ بيِّن، لأنَّ الأمَّة مجتمعةٌ وأبو حنيفة معهم على أنَّ البائع لا يرد في الاستحقاق والرَّدُّ بالعيب إلا ما قبض، فكذلك الشَّفيع لا يشفع إلَّا بما نقد المشتري، وما قبضه من البائع لا بما عقد وأشار إلى ذلك بقوله

(فَأَجَازَ) أي أبو حنيفة رحمه الله (هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) بكسر الخاء المعجمة؛ أي الحيلة في إيقاع الشَّريك في الغبن الشَّديد إن أخذها بالشُّفعة أو إبطال حقِّه بسبب الزِّيادة في الثَّمن باعتبار العقد لو تركها.

وإنَّما أراد البخاريّ مسألة الاستحقاق التي مضت ليستدلَّ بها على أنَّه كان قاصدًا للحيلة في إبطال الشُّفعة، وعقَّب بذكر مسألة الرَّدِّ بالعيب ليتبيَّن أنَّه بحكمه، وكأنَّ مقتضاه أنَّه لا يرد إلَّا ما قبضه لا زائدًا عليه.

قال العيني إن كان مراده من قوله (( فأجاز ) )أي أبو حنيفة ففيهِ سوء الأدب فحاشا أبو حنيفة من ذلك، فديْنه المتين وورعه المحكم يمنعه عن ذلك.

وقال الحافظ العسقلانيّ والفرق عندهم أنَّ البيع في الأوَّل إن كان مبنيًّا على شراء الدَّار وهو منفسخٌ ويلزم عدم التقابض في المجلس فليس له أن يأخذ إلَّا ما أعطاه، وهو الدَّراهم والدِّينار بخلاف الرَّدِّ بالعيب فإنَّ البيع صحيحٌ، وإنَّما ينفسخ باختيار المشتري وأمَّا بيع الصَّرف، فكان وقع صحيحًا فلا يلزم من فسخ هذا بطلان هذا.

وقال ابن بطَّال

ج 29 ص 174

إنَّما خصَّ القدر من الذَّهب والفضَّة بالمثال؛ لأنَّ بيع الفضَّة بالذَّهب متفاضلًا إذا كان يدًا بيد جائز بالإجماع فبنى القائل أصله على ذلك، فأجاز صرف عشرة دراهم ودينار بأحد عشر درهمًا جعل العشرة دراهم بعشرة دراهم وجعل الدِّينار بدرهمٍ.

ومن ثمَّة جعل في الصُّورة المذكورة الدِّينار بعشرة آلاف ليستعظم الشَّفيع الثَّمن الذي انعقدت عليه الصَّفقة فيترك الأخذ بالشُّفعة فيسقط شفعته ولا التفات إلى ما أنقده؛ لأنَّ المشتري تجاوز للبائع عند النَّقد.

وخالف مالكٌ في ذلك فقال المراعى في ذلك النَّقد الَّذي حصل في يد البائع فبه يأخذ الشَّفيع، بدليل الإجماع على أنَّه في الاستحقاق والرَّدُّ بالعيب لا يرجع إلَّا بما نقده، وإلى ذلك أشار البخاريُّ إلى تناقض الذي احتال في إسقاط الشُّفعة حيث قال فإن استحقَّت الدَّار؛ أي إن ظهر أنَّها مستحقَّةٌ لغير البائع إلى آخره، فدلَّ على أنَّه موافقٌ للجماعة في أنَّ المشتري عند الاستحقاق لا يرد إلَّا ما قبضه، وكذلك الحكم في الرَّدِّ بالعيب انتهى ملخَّصًا موضّحًا.

وقال الكرمانيّ النُّكتة في جعله الدِّينار في مقابلة عشرة آلاف ودرهم، ولم يجعله في مقابلة العشرة الآلاف فقط؛ لأنَّ الثَّمن في الحقيقةِ عشرة آلاف بقرينةِ نقده هذا المقدار، فلو جعل العشرة والدِّينار في مقابلة الثمن الحقيقي لزم الرِّبا، بخلاف ما إذا نقص درهمًا فإنَّ الدِّينار في مقابلة ذلك الواحد والألف إلَّا واحدًا في مقابلة الألف إلَّا واحدًا من غير تفاضلٍ.

وقال المهلَّب مناسبة هذا الحديث لهذه المسألة أنَّ الخبر لمَّا دلَّ على أنَّ الجار أحقُّ بالمبيع من غيره مراعاةً لحقِّه لزم أن يكون أحقَّ أن يُرفقَ به في الثَّمن ولا تقام عليه عروضٌ بأكثر من قيمتها، وقد فهم الصَّحابي راوي الخبر هذا القدر فقدم الجار في العقدِ بالثَّمن الَّذي دفعه إليه أكثر منه بقدر ربعه مراعاةً لحقِّ الجار الَّذي أمر الشَّارع بمراعاته.

(وَقَالَ) أي البخاريّ،

ج 29 ص 175

وسقطت الواو في رواية أبي ذرٍّ (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ [الْمُسْلِمَ] لاَ دَاءَ) أي لا مرض (وَلاَ خِبْثَةَ) قال ابن التِّين ضبطناه بكسر الخاء المعجمة وسكون الموحّدة بعدها مثلّثة، وحكي الضّمّ أيضًا وهما لغتان. وقال الهرويّ الخبثة أن يكون البيع غير طيِّبٍ كأن يكون من قومٍ لم يحلَّ سبيهم لعهدٍ تقدَّم لهم.

وقال ابن التِّين وهذا في عهدة الرَّقيق. قال الحافظ العسقلاني إنَّما خصَّه بذلك لأنَّ الخبر إنَّما ورد فيه.

(وَلاَ غَائِلَةَ) بالغين المعجمة وبالهمزة؛ أي لا سرقة ولا إباق، كذا فسَّره قتادة، وقيل هي أن يأتي أمرًا سوءًا كالتَّدليس ونحوه. قال الكرماني الغائلةُ الهلاك؛ أي لا يكون فيه هلاك حال المشتري.

وهذا الحديث سبق في أوائل (( البيوع ) )في (( باب إذا بيَّن البيعان ونصحا ) ) [خ¦2079 قبل] بلفظ ويذكر عن العَدَّاء _ بفتح العين وتشديد المهملة مهموزًا _، ابن خالد أنَّه اشترى من النَّبيّ صلى الله عليه وسلم عبدًا أو أمةً وكتب له العهدَ، هذا ما اشترى العدَّاء من محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدًا أو أمة لا داء ولا خبثة ولا غائلة بيع المسلم المسلم.

قال الحافظ العسقلانيّ وسنده حسنٌ، وله طرقٌ إلى العداء، رواه التِّرمذيّ والنَّسائيّ وابن ماجه موصولًا هكذا.

وأمَّا ما سبق في أوائل (( البيوع ) ) [خ¦2079 قبل] من ذلك الكتاب عن العدَّاء بن خالد قال كتب لي النَّبي صلى الله عليه وسلم هذا ما اشترى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العدَّاء بن خالد بيع المسلم المسلم لا داءَ ولا خبثةَ ولا غائلةَ، وهذا يقتضي أن يكون المشتري رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن بطَّال ويستفادُ من هذا الخبر أنَّه لا يجوز الاحتيال في شيءٍ من بيوع المسلمين بالصَّرف المذكور ولا غيره، ووجهه أنَّ الحديث وإن كان لفظه لفظ الخبر، لكن معناه النَّهي، ويؤخذ من عمومه أنَّ الاحتيال في كلِّ بيعٍ من بيوع المسلمين لا يحلُّ، فيدخل فيه صرف دينار بأكثر من قيمته ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت