فهرس الكتاب

الصفحة 10358 من 11127

6983 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) أي ابن قعنب القعنبيّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ المدنيّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، وسيأتي بعد باب [خ¦6987] من وجهٍ آخر عن أنس عن عبادة بن الصَّامت، ويأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ) وفي حديث أبي سعيدٍ (( الرُّؤيا الصّالحة ) ) [خ¦6987] وهو تفسير المراد بالحسنة هنا، وهذا يقيِّد ما أطلق في غير هذه الرِّواية كقوله (( رؤيا المؤمن جزء ) )ولم يقيِّدها بكونها حسنة، ثمَّ إنَّ حُسنها إمَّا باعتبار حُسن ظاهرها أو حُسن تأويلها، وقسَّموا الرُّؤيا إلى حسنة ظاهرًا وباطنًا كالتكلُّم مع الأنبياء عليهم السّلام، أو ظاهرًا لا باطنًا كسماع الملاهي، وإلى رديئة ظاهرًا وباطنًا كلدغ الحيّة، أو ظاهرًا لا باطنًا كذبح الولد(مِنَ الرَّجُلِ

ج 29 ص 197

الصَّالِحِ)ذكر للغالب، فلا مفهوم له، فإنَّ المرأة الصَّالحة كذلك.

وقال المهلَّب المراد غالب رؤيا الصَّالحين، وإلَّا فالصَّالح قد يرى الأضغاث، ولكنَّه نادر لقلَّة تمكُّن الشَّيطان منهم بخلاف عكسهم، فإنَّ الصِّدق فيها نادرٌ لغلبة تسلُّط الشَّيطان عليهم. قال فالنَّاس على هذا ثلاث درجات

الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ورؤياهم كلُّها صدقٌ، وقد يقعُ فيها ما يحتاجُ إلى تعبير.

والصَّالحون والأغلبُ على رؤياهم الصِّدق، وقد يقعُ فيها ما لا يحتاج إلى تعبير.

ومن عداهم يقعُ في رؤياهم الصِّدق والأضغاثُ، وهم على ثلاثة أقسام

مستورون فالغالبُ استواء الحال في حقِّهم. وفسقة والغالب على رُؤياهم الأضغاث ويقلُّ فيها الصِّدق. وكفار ويندر في رؤياهم الصِّدق جدًا.

ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (( وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا ) )، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد وقعت الرُّؤيا الصَّادقة من بعض الكفَّار، كما في رؤيا صاحبي السِّجن مع يوسف عليه السّلام ورؤيا ملِكهما، وغير ذلك.

وقال القاضي أبو بكر ابن العربي رؤيا المؤمن الصَّالح هي التي تنسبُ إلى أجزاء النُّبوَّة، ومعنى صلاحها استقامتُها وانتظامُها، قال وعندي أنَّ رؤيا الفاسق لا تعدُّ من أجزاء النُّبوّة، وقيل تعدُّ من أقصى الأجزاء، وأمَّا رؤيا الكافر فلا تعدُّ أصلًا.

وقال القرطبي المسلم الصَّادق الصَّالح هو الَّذي يناسب حاله حالَ الأنبياء، فأُكرِمَ بنوعٍ ممَّا أُكرِم به الأنبياء وهو الاطِّلاع على الغيب، وأمَّا الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو صدقت رؤياهُم أحيانًا فذاك كما قد يصدقُ الكذوب، وليس كلُّ من حدَّث عن غيبٍ يكون خبره من أجزاء النُّبوَّة كالكاهنِ والمنجّم.

(جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) مجازًا لا حقيقة؛ لأنَّ النُّبوَّة قد انقطعتْ بموته صلى الله عليه وسلم، وجزء النُّبوَّة لا يكون نبوَّة كما أنَّ جزء الصَّلاة لا يكون صلاة،

ج 29 ص 198

وقيل إن وقعت الرُّؤيا من النَّبيّ فهي جزءٌ من النُّبوَّة حقيقة، وإن وقعت من غير النَّبيّ فهي جزءٌ من أجزاء النُّبوَّة مجازًا.

وقال الخطَّابيّ قيل معناه أنَّ الرُّؤيا تجيءُ على موافقة النُّبوَّة لا أنَّها جزءٌ باقٍ من النُّبوة، وقيل المعنى أنَّها جزءٌ من علم النُّبوَّة؛ لأنَّ النُّبوَّة وإن انقطعت فعلمها باق، وتُعُقِّب بقول مالك فيما حكاه ابن عبد البَرِّ أنَّه سُئل أيعبّر الرُّؤيا كلُّ أحدٍ؟ فقال أبالنُّبوَّة يُلعب؟ ثمَّ قال الرُّؤيا جزءٌ من النُّبوَّة فلا يُلعب بالنُّبوَّة.

وأجيب عنه بأنَّه لم يرد أنَّها نبوَّةٌ باقيةٌ، وإنَّما أراد أنَّها لما أشبهت النُّبوَّة من جهة الاطِّلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلَّم فيها بغير علمٍ.

وقال ابن بطَّال كون الرُّؤيا جزءًا من أجزاء النُّبوَّة ممَّا يستعظم، ولو كانت جزءًا من ألف جزء، فيمكن أن يقال إنَّ لفظ النُّبوَّة مأخوذٌ من الإنباء وهو الإعلام لغةً، فعلى هذا فالمعنى أنَّ الرُّؤيا خبرٌ صادقٌ من الله لا كَذِبَ فيه، كما أنَّ معنى النُّبوَّة نبأ صادرٌ من الله لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرُّؤيا النُّبوَّة في صدق الخبر.

وقال المازريّ يحتمل أن يراد بالنُّبوَّة في هذا الحديث الخبر بالغيب لا غير، وإن كان يتبع ذاك إنذارٌ أو تبشيرٌ فالخبر بالغيب أحد ثمرات النُّبوَّة، وهو غير مقصودٍ لذاته؛ لأنَّه يصحُّ أن يبعث نبيٌّ يقرر الشَّرع ويبيِّن الأحكام وإن لم يخبر في طول عمره بغيبٍ، ولا يكون ذلك قادحًا في نبوَّته، ولا مبطلًا للمقصود منها، والخبر بالغيب من النَّبيّ لا يكون إلَّا صدقًا ولا يقع إلا حقًّا.

وأمَّا كون الرُّؤيا الصَّالحة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا هو الَّذي وقع في أكثر الأحاديث، وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( جزء من خمسةٍ وأربعين جزءًا ) ). وفي رواية له من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( جزء من سبعين جزءًا ) )، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه موقوفًا. وأخرجه الطَّبرانيّ من وجهٍ آخر عنه مرفوعًا، وله من وجهٍ آخر عنه (( جزء من ستة وسبعين جزءًا ) )، وسنده ضعيفٌ. وأخرج ابن عبد البرِّ

ج 29 ص 199

من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنسٍ رضي الله عنه مرفوعًا (( جزء من ستة وعشرين ) ). وعند الطَّبريّ في «تهذيب الآثار» عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما (( جزء من خمسين ) )، وللتِّرمذيّ من طريق أبي رزين العقيليّ (( جزءٌ من أربعين ) ). وللطَّبري من حديث عبادة (( جزء من أربعة وأربعين ) ). وأخرج الطَّبريّ وأحمد من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما (( جزء من تسعةٍ وأربعين ) ).

وذكر القرطبيّ في «المفهم» بلفظ (( سبعة ) )، ووقع في «شرح النوويّ» وفي رواية عبادة (( أربعة وعشرون ) )، وفي رواية ابن عمر (( ستة وعشرون ) ). وقيل جاء فيه (( اثنان وسبعون ) (( واثنان وأربعون ) (( وسبعة وعشرون ) (( وخمسة وعشرون ) )، فعلى هذا ينتهي العدد إلى ستَّة عشر وجهًا، والمحفوظ المشهور ستة وأربعون.

قال المازريّ وخصوصُ العدد هو ممَّا أطلعَ الله عليه نبيَّه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه يعلم من حقائق النُّبوَّة ما لا يعلمه غيره.

وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ أجزاء النُّبوَّة لا يعلم حقيقتها إلَّا ملكٌ أو نبيٌّ، وإنَّما القدر الَّذي أراده النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يبيِّن أنَّ الرُّؤيا جزءٌ من أجزاء النُّبوَّة في الجملة؛ لأنَّ فيها اطّلاعًا على الغيب من وجهٍ ما، وأمَّا التَّفصيل [1] فيختصُّ بمعرفته درجة النُّبوَّة.

وقال المازريّ لا يلزم العالم أن يعرفَ كلَّ شيءٍ جملةً وتفصيلًا، فقد جعل الله للعالم حدًا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلًا، ومنه ما يعلمه جملةً لا تفصيلًا، وهذا من هذا القبيل.

وقد تكلَّم بعضهم على الرِّواية المشهورة وأبدى لها مناسبةً، فنقل ابن بطَّال عن أبي سعيدٍ السَّفاقسيّ أنَّ بعض أهل العلم ذكر أنَّ الله تعالى أوحى إلى نبيِّه في المنام ستَّة أشهر، ثمَّ أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقيَّة مدَّة حياته، ونسبتها من الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءًا؛ لأنَّه عاش بعد النُّبوَّة ثلاثًا وعشرين سنةً على الصَّحيح.

قال ابن بطَّال هذا التَّأويل يفسد من وجهين

أحدهما أنَّه قد اختلف في قدر المدَّة التي بعد بعثة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم

ج 29 ص 200

إلى موته.

والثَّاني أنَّه ينفي حديث السَّبعين وبقيَّة الأعداد الواقعة.

وقد سبقَه الخطَّابيّ إلى إنكار هذه المناسبة فقال كان بعض أهل العلم يقول في تأويل هذا العدد قولٌ لا يكاد يتحقَّق، وذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم أقام بعد الوحي ثلاثًا وعشرين سنة، وكان يوحى إليه في منامه ستَّة أشهرٍ وهي نصف سنة فهي جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة، قال وهذا وإن كان وجهًا يحتمله قسمة الحساب والعدد فأوَّل ما يجب على من قاله أن يُثبت لما ادَّعاه خبرًا، ولم يسمع فيه أثرًا ولا ذكر مدعيه فيه خبرًا، فكأنَّه قال على سبيل الظَّنِّ والظَّنُّ لا يغني من الحقِّ شيئًا، ولئن كانت هذه المدَّةُ محسوبةً من أجزاء النُّبوَّة على ما ذهب إليه فليلحق بها سائر الأوقات الَّتي كان يوحى إليه فيها في منامه في طول المدَّة كما ثبت ذلك منه في أحاديث، كليلةِ القَدر، والرُّؤيا في أحدٍ، وفي دخول مكَّة، وحينئذٍ فيتلفق من ذلك مدَّة أخرى فيزاد في الحساب فتبطل القسمة التي ذكرها، فدلَّ ذلك على ضعف تأويله، وليس كلُّ ما خفي علينا علمه لا يلزمنا حجَّته كأعداد الرَّكعات وأيّام الصِّيام، ورمي الجمار فإنَّا لا نصلُ من علمها إلى أمرٍ يوجب حصرها تحت أعدادها، ولم يقدح ذلك في موجبِ اعتقادنا للزومها، وهو كقوله في حديثٍ آخر (( الهدي الصَّالح والسَّمت الصَّالح جزءٌ من خمسةٍ وعشرين جزءًا من النُّبوَّة ) ).

فإنَّ تفصيل هذا العدد وحصر النُّبوَّة متعذِّرٌ، وإنَّما فيه أنَّ هاتين الخصلتين من جملة هدي الأنبياء وسمتهم، فذلك معنى حديث الباب المراد به تحقيق أمر الرُّؤيا وأنَّها ممَّا كان الأنبياء عليه، وأنَّها جزءٌ من أجزاء العلم الَّذي يأتيهم والأنباء الَّتي كانوا ينزل بها الوحي عليهم.

وقد قبل جماعةٌ من الأئمَّة المناسبة المذكورة وأجابوا عمَّا أورده الخطَّابي، أمَّا الدَّليل على كون الرُّؤيا كانت ستَّة أشهرٍ وأنَّ ابتداء الوحي كان على رأس أربعين من عمره صلى الله عليه وسلم ممَّا جزم به ابن إسحاق وغيره وذلك في ربيع الأوَّل ونزول جبريل إليه وهو بغار حراء كان في رمضان

ج 29 ص 201

وبينهما ستَّة أشهرٍ، وفي هذا الجواب نظرٌ؛ لأنَّه على تقدير تسليمه ليس فيه تصريحٌ بالرُّؤيا.

وقد قال النَّوويّ لم يثبت أنَّ زمن الرُّؤيا للنَّبيّ صلى الله عليه وسلم كان ستَّة أشهر، وأمَّا ما ألزمه به من تلفيق أوقات الرُّؤيا وضمِّها إلى المدَّة فيجاب عنه بأنَّ المراد وحي المنام المتتابع، فما وقع في غضون وحي اليقظة فهو يسيرٌ بالنِّسبة إلى وحي اليقظة فهو مغمورٌ في جانب وحي اليقظة فلم يعتبر بمدَّته، وهو نظير ما اعتمدوه في نزول الوحي، وقد أطبقوا على تقسيم النُّزول إلى مكيٍّ ومدنيٍّ قطعًا، فالمكي ما نزل قبل الهجرة ولو وقع وهو بغيرها مثلًا كالطَّائف ونخلة، والمدني ما نزل بعد الهجرة ولو وقع وهو بغيرها كما في الغزوات وسفر الحجِّ والعمرة حتَّى مكَّة.

قال الحافظ العسقلانيّ وهو اعتذارٌ مقبولٌ، قال ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد أنَّه وقع بحسب الوقت الَّذي حدَّث فيه صلى الله عليه وسلم بذلك كأن يكون لما أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدَّث بأنَّ الرُّؤيا جزءٌ من ستَّةٍ وعشرين جزءًا إن ثبت الخبر بذلك وذلك وقت الهجرة، ولما أكمل عشرين حدَّث بأربعين، ولمَّا أكمل اثنين وعشرين حدَّث بأربعةٍ وأربعين، ثمَّ بعدها بخمسة وأربعين، ثمَّ حدَّث بستَّةٍ وأربعين في آخر حياته.

وأمَّا ما عدا ذلك من الرِّوايات بعد الأربعين فضعيفٌ، ورواية الخمسين يحتمل أن يكون لجبر الكسر، ورواية السَّبعين للمبالغة وما عدا ذلك لم يثبت، وقد أطال الحافظ العسقلاني الكلام في هذا المقام، والله تعالى أعلم بحقيقة المرام.

فائدة فإن قيل لم عبَّر بلفظ النُّبوَّة دون لفظ الرِّسالة؟ فالجواب أنَّ السِّرَّ فيه أنَّ الرِّسالة تزيد على النُّبوَّة بالتَّبليغ، بخلاف النُّبوَّة المجرَّدة، فإنَّها اطِّلاع على بعض المغيبات وكذلك الرُّؤيا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد أخرجه النَّسائيّ وابن ماجه في (( التعبير ) ).

[1] في هامش الأصل في نسخة وأما تفصيل النسبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت