فهرس الكتاب

الصفحة 10368 من 11127

6990 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ) كذا ذكره باللفظ الدَّال على المعنى تحقيقًا لوقوعه، والمراد الاستقبال؛ أي لا يبقى، وقيل هو على ظاهره؛ لأنَّه قال ذلك في زمانه، واللّام في النُّبوة للعهد، والمراد نبوَّته والمعنى لم يبق بعد النُّبوة المختصَّة بي إلَّا المبشّرات ثمَّ فسَّرها بالرُّؤيا.

وصرَّح في حديث عائشة رضي الله عنها عند أحمد بلفظ (( لم يبق بعدي ) )، وقد جاء في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك في مرض موته، أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيّ من طريق إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن أبيه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كشف السِّتارة ورأسه معصوبٌ في مرضه الَّذي مات فيه والنَّاس صفوفٌ خلف أبي بكر رضي الله عنه

ج 29 ص 215

فقال (( يا أيُّها النَّاس، إنَّه لم يبق من مبشّرات النُّبوة إلَّا الرُّؤيا الصَّالحة يراها المسلم أو ترى له ) ).

وللنَّسائيّ من رواية زفر بن صعصعة عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( إنَّه ليس يبقى بعدي من النُّبوة إلَّا الرُّؤيا الصَّالحة ) )، وهذا يؤيِّد التَّأويل الأوَّل، وظاهر الاستثناء ما تقدَّم من أنَّ الرُّؤيا جزءٌ من النُّبوّة أنَّ الرُّؤيا نبوّة، وليس كذلك؛ لما تقدَّم أنَّ المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنُّبوة، أو لأنَّ جزء الشَّيء لا يستلزم ثبوت وصفه له، كمَن قال أشهد أن لا إله إلَّا الله، رافعًا صوته لا يسمَّى مؤذنًا، ولا يقال له إنَّه أذن وإن كانت جزءًا من الأذان، وكذا لو قرأَ شيئًا من القرآن، وهو قائمٌ لا يسمَّى مصليًّا وإن كانت القراءة جزءًا من الصَّلاة.

ويؤيِّده حديث أم كُرْز _ بضمّ الكاف وسكون الرّاء بعدها زاي _ الكعبيَّة، قال سمعت النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول (( ذهبت النُّبوّة وبقيت المبشّرات ) )أخرجه أحمدُ وابن ماجه وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان، ولأحمد عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( لم يبق بعدِي من المبشّرات إلَّا الرُّؤيا ) )، وله وللطَّبرانيّ من حديث حذيفة بن أُسيد مرفوعًا (( ذهبت النُّبوة وبقيتِ المبشّرات ) )، وعند أبي يعلى من حديث أنسٍ رضي الله عنه رفعه (( إنَّ الرِّسالة والنُّبوة قد انقطعت ولا نبيَّ ولا رسول بعدي ولكن بقيت المبشِّرات ) )قالوا وما المبشِّرات؟ قال (( رؤيا المسلمين جزءٌ من أجزاء النُّبوّة ) ).

قال المهلَّب ما حاصله التَّعبير بالمبشّرات خرج مخرج الأغلب، فإنَّ من الرُّؤيا ما يكون منذرة وهي صادقة، يُريها الله للمؤمن رفقًا به ليستعدَّ لما يقعُ قبل وقوعه، وصدقها يكون باعتبار تأويلها.

قال ابن التِّين معنى الحديث أنَّ الوحي ينقطعُ بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلَّا الرُّؤيا، ويردُّ عليه الإلهام، فإنَّ فيه إخبارًا بما سيكون وهو للأنبياء بالنِّسبة للوحي كالرُّؤيا، ويقع لغير الأنبياء كما في الحديث الماضي في مناقب عمر رضي الله عنه (( قد كان فيمن مضى من الأمم محدَّثون ) ).

وفسَّر المحدَّث

ج 29 ص 216

_ بفتح الدال _ بالملهم بالفتح أيضًا، وقد أخبر كثيرٌ من الأولياء عن أمورٍ مغيبةٍ فكانت كما أخبروا، والجواب أنَّ الحصر في المنام لكونه يشمل آحاد المؤمنين بخلاف الإلهام فإنَّه مختصٌّ بالبعض ومع كونه مختصًّا فإنَّه نادرٌ فإنَّما ذكر في المنام لشموله وكثرةِ وقوعه، ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (( فإن يكن ) )وكأنَّ السِّرَّ في نذور الإلهام في زمنه وكثرته من بعده غلبة الوحي إليه صلى الله عليه وسلم في اليقظة، وإرادة إظهار المعجزات منه، فكان المناسب أن لا يقعَ لغيره في زمانه منه شيءٌ، فلمَّا انقطعَ الوحي بموته وقع الإلهام لمن اختصَّه الله به للأمن من اللَّبس في ذلك، وإنكار وقوع ذلك مع كثرته واشتهاره مكابرة، والله تعالى أعلم.

(قَالُوا) يا رسول الله (وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، والحديث من أفراده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت