644 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ)
ج 4 ص 102
إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز، وفي رواية السَّرَّاج من طريق شعيب عن أبي الزِّناد (( سمع الأعرج ) ) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد كلُّهم مدنيون ما خلا شيخ البُخاري، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الأحكام» أيضًا [خ¦7224] ، وأخرجه النَّسائي في «الصَّلاة» .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وزاد مسلم (( فَقَدَ ناسًا في بعض الصَّلوات فقال ) )فأفادَ ذِكْرَ سببِ الحديث، (قَالَ وَالَّذِي) أي والله الذي (نَفْسِي بِيَدِهِ) هو قسم كان النَّبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يُقْسِم به، والمعنى أنَّ أمر نفوس العباد بيد الله؛ أي بتقديره وتدبيره، ويُستفاد منه جواز القَسَم على الأمر الَّذي لا شكَّ فيه تنبيهًا على عظم شأنه.
(لَقَدْ هَمَمْتُ) هو جواب القسم أكَّده «باللَّام» و «قد» ، وهو من الهمِّ وهو العزم، وقيل دونه. أي لقد قصدت (أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ) بفتح المهملتين (فَيُحْطَبَ) بضم المثناة التحتية وسكون المهملة وفتح الطاء المهملة، على صيغة البناء للمفعول، وبالنصب عطفًا على «أن آمُر» بالفاء العاطفة، وهو رواية الأكثرين، ورواية «الموطَّأ» أيضًا، وفي رواية بلام التعليل، وفي أخرى على صيغة البناء للمفعول من التحطُّب بدون الفاء، وفي أخرى أيضًا لكن بالفاء، وفي أخرى من الاحتطاب، وفي أُخرى بتشديد الطاء، من التَّفعيل، والكلُّ بمعنى واحد؛ أي يجمع الحطب.
وقال الحافظ العسقلانيُّ معناه يكسر ليسهلَ إشعالُ النَّار به، ويحتمل أن يكون أطلق عليه ذلك قبل أن يتصرَّف به تجوُّزًا بمعنى أنَّه سيتَّصف به، انتهى.
وتعقَّبه محمود العيني بأنَّه لم يذكر أحد من أهل اللُّغة أنَّ معناه يكسر.
(ثُمَّ آمُرَ) بالمد وضم الميم، وبالنصب عطفًا على سابقه (بِالصَّلاَةِ) إن كانت الألف واللام فيه للجنس فهو عامٌّ، وإن كانت للعهد ففي روايةٍ أنَّها العشاء، وفي أُخرى الفجر، وفي أُخرى الجمعة، ولا تضادَّ بينها لجواز تعدُّد الواقعة. نعم إذا كان المراد الجمعةَ، فالجماعة شرط فيها، ومحلُّ الخلاف إنَّما هو غيرها.
وقال البيهقيُّ والذي يدلُّ عليه سائر الرِّوايات أنَّه عبَّر بالجمعة عن الجماعة، ونُوزِع فيه بأنَّ أبا داود والطَّبراني في «الأوسط» رويا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر، عن يزيد بن الأصم، فذكر الحديث. قال يزيد قلتُ ليزيد بن الأصم يا أبا عوف الجمعةَ عنى أو غيرها، قال صُمَّت أذناي إن لم أكن سمعتُ أبا هريرة رضي الله عنه يأثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذَكَرَ جمعةً ولا غيرها. فظهر من ذلك أنَّ الرَّاجح من حديث أبي هريرة أنَّها لا تختص بالجمعة، وظهر أنَّ البيهقي وَهِمَ في هذا.
نعم جاء في حديث ابن مسعود، وأخرجه مسلم وفيه الجزم بالجمعة،
ج 4 ص 103
وهو حديث مستقلٌّ برأسه، ومخرَجُه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدهما في الآخر؛ لإمكان كونهما واقعتين كما مرَّ، وسيأتي التَّفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى [خ¦657] .
(فَيُؤَذَّنَ) بفتح الذال المعجمة المشددة (لَهَا) كذا هو باللام، ويروى بالباء الموحدة (ثُمَّ آمُرَ) هو كسابقه بالمد وضم الميم وبالنصب (رَجُلًا فَيَؤُمَّ) ذلك الرَّجل (النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ) بالنصب عطفًا على سابقه (إِلَى رِجَالٍ) قال الجوهريُّ قولهم هو يخالف إلى فلان؛ أي يأتيه إذا غاب عنه.
وقال الزَّمخشريُّ يقال خالفني إلى كذا، إذا قصده وأنت مولٍّ عنه، قال الله تعالى {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود 88] ، والمعنى أخالف المشتغلين بالصَّلاة قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرجوا إلى الصَّلاة، أو المعنى أخالف الفعل الذي أظهرتُ من إقامة الصَّلاة فأتركه وأسير إليهم، أو أخالف ظنَّهم في أنِّي مشغولٌ بالصَّلاة عن قصدي إليهم، أو معنى أخالف أتخلَّف؛ أي عن الصَّلاة إلى قصد المذكورين، والتَّقييد بالرِّجال يُخرِج النِّساء والصِّبيان.
(فَأُحَرِّقَ) بالتشديد، من التَّحريق، والمراد به التَّكثير، يقال حرَّقه إذا بالغ في تحريقه، ويروى من باب الإحراق، ورواية التشديد أكثر (عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ) بالنَّار عقوبة لهم على ترك الصَّلاة في الجماعة. وقوله (( عليهم ) )يشعر بأنَّ العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين والبيوتُ تَبَعٌ للقاطنين بها، وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح (( فأحرِّق بيوتًا على من فيها ) ).
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أعاد اليمين للمبالغة في التَّأكيد (لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ) والمراد المتخلِّفون (أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا) بفتح العين المهملة وسكون الراء وبالقاف. قال الخليل العُراق العظمُ بلا لحمٍ، فإن كان عليه لحم فهو عَرْقٌ. وفي «المُحكم» عن الأصمعي العَرْق _ بسكون الراء _ قطعةُ لحم.
وقال الأزهريُّ العَرْق واحِدٌ العُرَاق، وهي العظام التي يؤخذ منها هَبْر اللَّحم، ويبقى عليها لحمُ دقيقٍ فتكسَّرُ وتُطْبخ ويؤكلُ ما على العظام من لحمِ دقيقٍ ويُتَمَشَّش العظام، ولحمها من أطيب اللُّحوم عندهم، يقال عرقت اللَّحم وأَعْرَقته وتعَرَّقته، إذا أخذت اللَّحم منه نهشًا. وفي «المحكم» جمع العَرْق عُراق _بالضم_ وهو من الجمع العزيز.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقول الأصمعي هو اللَّائق هنا.
(سَمِيْنًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ) تثنية مِرْماة _بكسر الميم_ وحكي فتحها، قال الخليل هي ما بين ظَلِفتي الشَّاة، وحكاه أبو عُبيد، وقال لا أدري ما وجهه، ونقله المستملي في روايته في كتاب «الأحكام»
ج 4 ص 104
عن الفربريِّ قال .
قال القاضي عياض فالميم على هذا أصليَّة، وقال الأخفشُ المِرماة لعبة كانوا يلعبونها بنصالٍ محدَّدة يرمونها في كَومٍ من تراب، فأيُّهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المرماة والمدحاة.
قال الحافظ العسقلانيُّ ويبعد أن يكون هذا مراد الحديث لأجل التَّثنية، وحكى الحربيُّ عن الأصمعيِّ أن المرماة سهم الهدف، قال ويؤيِّده ما حدَّثني، ثمَّ ساق من طريق أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( لو أنَّ أحدَهم إذا شهد الصَّلاة معي كان له عظمٌ من شاةٍ سمينةٍ أو سهمان لفعل ) ). وقيل المرماةُ سهم يُتعلَّم عليه الرَّمي، وهو سهمٌ دقيق مستوٍ غيرُ محدَّد. قال الزَّين ابن المُنيِّر ويدلُّ على ذلك التثنية فإنَّها مشعرة بتكرار الرَّمي، بخلاف السِّهام المحدَّدة الحربيَّة فإنَّها لا يتكرَّر رميها.
وقال الزَّمخشري تفسيرُ المرماة بالسَّهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العَرْق معه، ووجَّهه ابن الأثير بأنَّه لمَّا ذكر العظم السَّمين، وكان ممَّا يُؤكَل أتبعه بالسَّهمين؛ لأنَّهما ممَّا يُلهى به، انتهى.
وقال أبو سعيد المرماتان في الحديث سهمان يَرمي بهما الرَّجل فيحرزُ سَبْقه؛ أي يسابق إلى إحراز الدُّنيا وسبقها، ويدعُ سبق الآخرة.
(حَسَنَتَيْنِ) وإنما وصف العَرْق بالسِّمن، والمرماة بالحُسْنِ؛ ليكون ثمَّة باعث نفساني في تحصيلهما.
وقال الطِّيبيُّ قوله (( حسنتين ) )بدلٌ من (( المرماتين ) )إذا أُرِيد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أُريد بهما السَّهمان الصَّغيران، فالحسنتان بمعنى الجيِّدتين، صفة للمرماتين، هذا والفرق غير ظاهر كما لا يخفى.
(لَشَهِدَ الْعِشَاءَ) أي صلاتها على حذف المضاف، أو على ذكر المحلِّ وإرادة الحال، والمعنى لو عَلِمَ أنَّه حضر الصَّلاة يجد نفعًا دنيويًّا وإن كان خسيسًا حقيرًا لحضرها لقصور همَّته على الدُّنيا، ولا يحضرها لِمَا لها من مثوبات العُقبى ونعيمها، فهو وصفٌ بالحرصِ على الشَّيء الحقيرِ من مَطعومٍ، أو ملعوبٍ به مع التَّفريط فيما يحصل به الدَّرجات الرَّفيعة، والمنازل الكريمة السنيَّة، هذا وقد استدلَّ جماعة بهذا الحديث على أنَّ الجماعةَ فرضُ عينٍ.
وقال صاحب «التَّلويح» اختُلِف في صلاة الجماعة هل هي شرط في صحَّة الصَّلاة، كما قاله داود بن علي، وأحمد بن حنبل في رواية عنه؟ أو فرض على الأعيان؟ كما قاله جماعة من محدِّثي الشَّافعية كابن خزيمة وابن حبَّان وابن المنذر وغيرهم، وهو قول عطاء والأوزاعيِّ وأبي ثور
ج 4 ص 105
وهو الصَّحيح عند أحمد.
وقال في «شرح المهذَّب» إنَّه قول للشَّافعيِّ، وعن أحمد واجبة ليست بشرط، وقيل سنَّة مؤكَّدة، كما قاله القدوري، وعامَّة مشايخنا أنَّها واجبة، وقد سمَّاها بعض أصحابنا سنَّة مؤكَّدة.
وفي «المفيد» الجماعة واجبةٌ وتسميتها سنَّة لوجوبها بالسنَّة.
وفي «البدائع» إذا فاتته الجماعة لا يجب عليه الطَّلب في مسجد آخر بلا خلاف بين أصحابنا، لكن إن أتى مسجدًا يرجو إدراك الجماعة فيه فحسن، وإن صلَّى في مسجد حيِّه فحسن. وعن القُدُوري يَجْمعُ بأهله.
وفي «التُّحفة» إنَّما يجب على من قَدِرَ عليها من غير حرجٍ، وتسقط بالعذر فلا تجبُ على المريض والأعمى والزَّمِن ونحوهم، هذا إذا لم يجد الأعمى والزَّمِن من يحمله، وكذا إذا وجد عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما تجب.
وعن شرف الأئمة وغيره تَركُهَا بغير عذرٍ يُوجب التَّعزير، ويأثم الجيران بالسُّكوت عن تاركها، وعن بعضهم لا تقبلُ شهادته، فإن اشتغل بتكرارِ اللُّغة لا يُعذر في ترك الجماعة، وبتكرار الفقه ومُطالعته يُعذر، فإن تركها أهلُ ناحية قوتلوا بالسِّلاح.
وفي «القنية» من يشتغل بتكرار الفقه ليلًا ونهارًا ولا يحضر الجماعة لا يُعذر ولا تُقبل شهادته.
وقال أبو حنيفة رحمه الله سهى أو نام أو شغله عن الجماعة شغلٌ جَمَعَ بأهله في منزله، وإن صلَّى وحده يجوز، واختلف العلماء في إقامتها في البيت، والأصحُّ أنَّها كإقامتها في المسجد.
وفي «شرح» خُوَاهِر زاده هي سنَّة مؤكَّدة غاية التَّأكيد، وقيل فرض كفايةٍ، وهو اختيارُ الطَّحاوي والكرخيِّ وغيرهما، وهو قول الشَّافعي المختار، وقيل سنَّة.
وفي «الجواهر» عن مالك هي سنَّة مؤكَّدة، وقيل فرض كفاية، ووجه استدلال مَن قال بفرضيَّة عينها بهذا الحديث أنَّها لو كانت فرض كفاية لكان قيام النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كافيًا، ولو كانت سنَّة فتارك السنَّة لا يحرَّق عليه بيته، إذ سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهمُّ إلَّا بحقٍّ، ويدلُّ عليها أيضًا مشروعية صلاة الخوف إذ فيها أعمالٌ منافية للصَّلاة، ولا يعمل ذلك لأجل فرض كفاية ولا سنَّة.
وقد ورد في «صحيح مسلم» أنَّ أعمى قال يا رسول الله ليس لي قائد يقودُني في المسجد قال (( هل تسمعُ النِّداء؟ ) )قال نعم، قال (( فأجبْ ) ).
وأخرج أبو عبد الله في «مستدركه» من حديث عبد الرَّحمن بن عابس، عن ابن أمِّ مكتوم قلت يا رسول الله إنَّ المدينة كثيرةُ الهوام والسِّباع قال (( تسمعُ حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح ) )قال نعم، قال (( فحيَّ هلا ) )وقال صحيحُ الإسناد، إن كان سمع من ابن أمِّ مكتوم.
وأخرج من حديث زائد [ة] عن عاصم، عن أبي رَزِين، عن ابن أمِّ مكتوم بلفظ إنِّي كبير شاسعُ الدَّار
ج 4 ص 106
ليس لي قائدٌ يلازمني فهل تجدُ لي من رخصة قال (( تسمع النِّداء؟ ) )قلتُ نعم، قال (( ما أجدُ لك رخصة ) ).
قال الحاكم وله شاهدٌ بإسناد صحيحٍ، فذكر حديث أبي جعفر الرَّازي عن حسين بن عبد الرحمن بن شدَّاد، عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم استقبل النَّاس في صلاة العشاء فقال (( لقد هممتُ أن آتي هؤلاء الذين يتخلَّفون عن هذه الصَّلاة فأحرِّق عليهم بيوتَهم ) )قال فقلت يا رسول الله لقد علمتَ ما بي، الحديث.
وعند أحمد أتى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المسجدَ فوجد في القوم رقَّة فقال (( إنِّي لأهمُّ أن أجعل للناس إمامًا، ثمَّ أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلَّف عن الصَّلاة في بيته إلَّا أحرقه عليه ) )فقال ابن أمِّ مكتوم يا رسول الله إن بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا ولا أقدر على قائد كلَّ ساعة، أيسعني أن أصلِّي في بيتي؟ فقال (( تسمع الإقامة؟ ) )قال نعم قال (( فَأْتِها ) ).
ولابن حبَّان من حديث جابر قال (( أتسمع الأذان؟ ) )قال نعم قال (( فأْتِها ولو حبوًا ) ). وأعلَّ ابن القطَّان حديث ابن أمِّ مكتوم فقال لأنَّ الرَّاوي عنه أبو رَزِين وابن أبي ليلى، فأمَّا أبو رَزين فإنَّا لا نعلم سنَّه، ولكن أكبر ما أدركه من الصَّحابة عليٌّ رضي الله عنه، وابنُ أمِّ مكتوم قُتِلَ بالقادسيَّة زمنَ عمر رضي الله عنه، وأمَّا ابن أبي ليلى فمولده لستٍّ بقين من خلافة عمر رضي الله عنه انتهى.
وقد أخرج ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( من سمعَ النِّداء فلم يجبْ فلا صلاة له إلَّا من عذرٍ ) )، وفُسِّر العذر في حديث سليمان بن قَرْم بلفظ (( من سمع النِّداء يُنادى به صحيحًا فلم يأته من غير عذرٍ لم يقبلْ له صلاة غيرها قيل ما العذر؟ قال المرضُ والخوف ) ).
وروى ابنُ ماجه من حديث الدَّستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن الحكم أخبرني ابن عبَّاس وابن عمر رضي الله عنهم سمعا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على أعوادهِ يقول (( لينتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعهم الجماعات، أو ليختمنَّ الله على قلوبهم ) ).
وروى ابن ماجه أيضًا من حديث الوليد بن مسلم، عن الزِّبْرقان بن عَمرو الضَّمري، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لينتهينَّ رجالٌ عن ترك الجماعة أو لأحرقنَّ بيوتهم ) ).
وروى الطَّبراني في «الأوسط» بسند جيِّد عن أنس رضي الله عنه (( لو أنَّ رجلًا دعى النَّاس إلى عَرْق أو مِرْماتين لأجابوه، وهم يُدعون إلى هذه الصَّلاة في جماعة ولا يأتونها، لقد هممتُ أن آمر رجلًا يصلِّي بالنَّاس فأُضرِمها عليهم نارًا فإنَّه لا يتخلَّف إلَّا منافق ) ).
وروى أبو داود في «سننه» بسند لا بأس به
ج 4 ص 107
عن أبي الدَّرداء مرفوعًا (( ما من ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصَّلاة إلَّا استحوذَ عليهم الشَّيطان _ أي غلب _ فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذِّئب القاصية ) ).
وروى ابن عديٍّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( من سمعَ النِّداء فلم يجبْ من غير عذرٍ فلا صلاة له ) ).
وروى الكجِّيُّ في «سننه» عن حارثة بن النُّعمان يرفعه (( لا يخرج الرَّجل في غُنَيمته فلا يشهدُ الصَّلاةَ حتَّى يُطبعَ على قلبه ) )، وفي إسنادهِ عمر مولى غفرة، وعن أبي زرارة الأنصاريِّ رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من سمعَ النِّداء فلم يجبْ كتب من المنافقين ) )، ذكره أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنَّى في «مسنده» بسندٍ فيه ضعف.
وروى الطَّحاويُّ في «شرح مشكل الآثار» عن جابر رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم (( لولا شيءٌ لأَمرتُ رجلًا يصلِّي بالنَّاس، ثمَّ لحرَّقت بيوتًا على ما فيها ) ).
وهذه الرِّوايات كلها ممَّا يتمسَّك به القائلون بفرضيَّة الجماعة على الأعيان، وأمَّا القائلون بأنَّها فرضٌ على الكفاية أو سنَّة مؤكَّدة فمتمسَّكهم ما تقدَّم في هذا الجامع الصَّحيح من الأحاديث الَّتي فيها (( صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذِّ ) ) [خ¦645] ، ولا يقال إنَّ ذلك محمول على صلاة المعذور فذًّا؛ لأن «الفذَّ» معرَّف باللام فيفيد العموم، ويدخل تحته كلُّ فذٍّ من معذورٍ وغيره، ويدلُّ أيضًا على أنَّه أراد غير المعذور قوله (( أو في سوقه ) )لأنَّ المعذور لا يروح إلى السُّوق، وأيضًا لا يجوز أن يُحملَ على المعذور؛ لأنَّ المعذور في أجر الصَّلاة كالصَّحيح.
واستدلُّوا أيضًا بما رواه الحاكم وصحَّحه عن أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه (( صلاة الرَّجل مع الرَّجل أزكى من صلاته وحدَه، وصلاته مع رجلين أزكَى من صلاتهِ مع رجل، وما كثُر فهو أحبُّ إلى الله عزَّ وجلَّ ) ). وبقوله صلى الله عليه وسلم للَّذَين صلَّيا في رحالهما من غير جماعة (( إذا صلَّيتما في رحالكُما، ثمَّ أتيتُما المسجد فصلِّيا فإنَّها لكما نافلة ) )فلو كانت الجماعة فرضًا لأمرهما بالإعادة. ومثل هذا جرى لمِحْجَن الدَّيليِّ ذكره في «الموطَّأ» ، وأمَّا الجواب عن حديث الباب فعلى أوجه
أحدها ما قاله ابن بطَّال وغيره وهو أنَّ الجماعةَ لو كانت فرضًا لقال حين توعَّد بالإحراق من تخلَّف عن الجماعة «لم تجزئه صلاته» ؛ لأنَّه وقت البيان.
وتعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّ البيان قد يكون بالتَّنصيص، وقد يكون بالدَّلالة، فلمَّا قال صلى الله عليه وسلم (( لقد هممت. .. إلى آخره ) )دلَّ على وجوبِ الحضور، وهو كافٍ في البيان.
وقال محمود العيني ليس ذلك واحدًا من الدَّلالات الثَّلاث المطابقةُ والتَّضمُّن والالتزام، ولا فيه دَلالة أصوليَّة، فافهم.
ج 4 ص 108
الثَّاني ما قاله الباجي وغيره وهو أنَّ الخبرَ ورد مورد الزَّجر وحقيقتُه غير مرادة، وإنَّما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبةِ الَّتي يعاقب بها الكفَّار، وقد انعقدَ الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك.
وأُجيب بأنَّ المنع وقع بعد نسخ التَّعذيب بالنَّار، وكان قبل ذلك جائزًا بدليل حديث أبي هريرة الآتي في الجهاد الدَّال على جواز التَّحريق بالنَّار [خ¦2954] ، ثمَّ على نسخهِ، فحَمْلُ التَّهديد على حقيقتهِ غير ممتنع.
الثَّالث ما قاله ابن بَزِيزة أنَّ بعضهم [1] استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه صلى الله عليه وسلم همَّ بالتَّوجُّه إلى المتخلِّفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما همَّ بتركها إذا توجَّه. وتعقَّبه بأنَّ الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه.
الرَّابع كونه صلى الله عليه وسلم تَرَكَ تحريقهم بعد التَّهديد، فلو كان واجبًا ما عفى عنهم، قاله القاضي عياض ومن تبعه، وليس في الحديث حجَّة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم همَّ ولم يفعل. وزاد النَّووي ولو كانت فرض عين لما تركهم.
وتعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّه ضعيف لأنَّه صلى الله عليه وسلم لا يهمُّ إلَّا بما يجوز له فِعله لو فَعله، وأمَّا التَّرك فلا يدلُّ على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجرُوا بذلك، وتركوا التخلُّف الذي ذمَّهم بسببه على أنَّه قد جاء في بعض الطُّرق بيان سبب التَّرك، وهو فيما رواه أحمدُ من طريق سعيد المقبُري عن أبي هُريرة رضي الله عنه بلفظ (( لولا ما في البيوت من النِّساء والذُّرِّيَّة لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرِّقون ) )الحديث.
الخامس ما قيل أنَّ المراد بالتَّهديد قومٌ تركوا الصَّلاة رأسًا لا مجرَّد الجماعة، ورُدَّ بما رواه مسلم (( لا يشهدون الصَّلاة ) )أي لا يحضرون، وفي رواية عجلان عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد (( لا يشهدون العشاء في الجميع ) )أي في الجماعة.
وفي حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجه مرفوعًا (( لينتهينَّ رجالٌ عن تركهم الجماعات، أو لأُحرِّقنَّ بيوتهم ) ).
السَّادس أنَّ الحديثَ ورد في الحثِّ على مخالفةِ أهل النِّفاق والتَّحذير من التَّشبُّه بهم لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتمُّ الدَّليل، أشار إليه الزَّين ابن المُنيِّر، وهو قريب من الوجه الثَّاني.
السَّابع أنَّ الحديث ورد في حقِّ المنافقين، فليس التَّهديد لترك الجماعة بخصوصه فلا يتم الدَّليل. وتُعقِّب بأنَّه يستبعد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة [2] مع العلم بأنَّه لا صلاة لهم، وبأنَّه كان مُعْرِضًا عنهم وعن عقوبتهم مع علمه بطويَّتهم، وقد قال (( لا يتحدَّث النَّاس أنَّ محمَّدًا يقتل أصحابه ) ) [خ¦4905] .
وردَّه ابن دقيق العيد بأنَّه لا يتمُّ إلَّا إن ادَّعى أنَّ ترك
ج 4 ص 109
معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه، ولا دَليل على ذلك، فإذا ثبتَ أنَّه كان مخيَّرًا فليس في إعراضه عنهم ما يدلُّ على وجوب ترك عقوبتهم.
وقال الحافظ العسقلانيُّ _وقد نسبَه محمودُ العيني إلى نفسه، لكنَّه لذلك الحافظِ فانتحله عنه_ والَّذي يظهر لي أنَّ الحديث ورد في المنافقين؛ لقوله في صدر الحديث الآتي بعد أربعة أبواب (( ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من العشاءِ والفجر ) ) [خ¦657] .
ولقوله (( ولو يعلم أحدهم. .. إلى آخره ) )لأنَّ هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل، لكنَّ المرادَ به نفاق المعصية لا نفاق الكفر بدليل قوله في رواية عجلان (( لا يشهدونَ العشاء في الجميع ) ). وقوله في حديث أسامة (( لا يشهدونَ الجماعة ) )، وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي داود (( ثمَّ أتى قومًا يصلُّون في بيوتهم ليست بهم علَّة ) )فهذا يدلُّ على أنَّ نفاقهم نفاقَ معصية لا نفاقَ كفر؛ لأنَّ الكافر لا يصلِّي في بيته، وإنَّما يصلِّي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبَّه عليه القرطبيُّ.
وأيضًا فقوله في رواية المقبُريِّ (( لولا ما في البيوت من النِّساء والذُّرِّيَّة ) )يدلُّ على أنَّهم لم يكونوا كفَّارًا؛ لأنَّ تحريق بيت الكافر إذا تعيَّن طريقًا إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النِّساء والذُّريَّة في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنِّفاق في الحديث نفاق الكفر فلا يدلُّ على عدم الوجوب؛ لأنَّه يتضمَّن أنَّ ترك الجماعة من صفات المنافق، وقد نهينا عن التشبُّه بهم، وسياق الحديث يدلُّ على الوجوب من جهة المبالغة في ذمِّ من تخلَّف.
وقال الطِّيبيُّ خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنَّهم إذا سمعوا النِّداء جاز لهم التخلُّف عن الجماعة، بل من جهة أنَّ التخلُّف ليس من شأنهم، بل هو من صفات المنافقين، ويدلُّ عليه قول ابن مسعود رضي الله عنه (( لقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الجماعة إلَّا منافق ) )رواه مسلم، انتهى كلامه.
وروى ابن أبي شيبة وسعيدُ بن منصور بإسناد صحيحٍ عن أبي عمير بن أنس حدَّثتني عمومتي من الأنصار، قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما يشهدهما منافق _ يعني العشاء والفجر _ ) ).
ولا يُقال هذا يدلُّ على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلَّف، وإنَّما ورد الوعيد في حقِّ من تخلَّف؛ لأنَّه يقال بل هذا يقوِّي أنَّ المراد بالنِّفاق نفاق المعصية لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النِّفاق عليه مجازًا لما دلَّ عليه مجموع الأحاديث.
ج 4 ص 110
الثَّامن ما ادَّعاه بعضُهم من أنَّ فرضيَّة الجماعة كان في أوَّل الإسلام لأجل سدِّ باب التخلُّف عن الصَّلاة على المنافقين ثمَّ نُسِخَ، حكاه القاضي عياض، ويمكن أن يتقوَّى بثبوتِ نسخ الوعيد المذكور في حقِّهم وهو التَّحريق بالنَّار، كما سيأتي واضحًا في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى [خ¦2954] .
وكذا ثبوت نَسْخِ ما يتضمَّنه التَّحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدلُّ على النَّسخ أيضًا الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ، كما سيأتي [خ¦645] .
التَّاسع أنَّ المراد بالصَّلاة الجمعة لا باقي الصَّلوات، ونصره القرطبيُّ، وتُعقِّب بالأحاديث المصرِّحة بالعشاء وفيه بحثٌ؛ لأنَّ الأحاديث اختلفت في تعيين الصَّلاة التي وقع التَّهديد بسببها، هل هي الجمعة أو العشاء، أو العشاء والفجر معًا؟ فإن لم تكن أحاديث مختلفة ولكن بعضها أرجح من بعض، وإلَّا وقف الاستدلال؛ لأنَّه لا يتمُّ إلَّا إن تعيَّن كونها غير الجمعة، أشار إليه ابنُ دقيق العيد، ثم قال فلتتأمَّل الأحاديث الواردة في ذلك، انتهى.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد تأمَّلتها فرأيت التَّعيين ورد في حديث أبي هريرة وابن أمِّ مكتوم وابن مسعود رضي الله عنهم، أمَّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه فحديث الباب من رواية الأعرج عنه يومئ إلى أنَّها العشاء؛ لقوله في آخره (( لشهد العشاء ) )، وفي رواية مسلم (( يعني العشاء ) )، ولهما من رواية أبي صالح عنه أيضًا الإيماء إلى أنَّها العشاء والفجر [خ¦657] ، وعيَّنها السَّرَّاج في رواية له من هذا الوجه العشاء حيث قال في صدر الحديث (( أخَّر العشاء ليلة فخرج فوجد الناس قليلًا فغضبَ ) )فذكر الحديث.
وفي رواية ابن حبَّان من هذا الوجه (( يعني الصَّلاتين العشاء والغداة ) )، وفي رواية عجلان والمَقْبُري عند أحمد التَّصريح بتعيين العشاء، ثمَّ سائر الرِّوايات عن أبي هريرة رضي الله عنه على الإبهام، وقد أورده مسلم من طريق وكيع عن جعفر بن بُرقان، عن يزيد بن الأصم، عنه. فلم يَسُقْ لفظه، وساقه التِّرمذي وغيره من هذا الوجه بإبهام الصَّلاة.
وكذلك رواه السَّرَّاج وغيره من طرق عن جعفر، وخالفهم معمر عن جعفر فقال (( الجمعة ) )أخرجه عبد الرَّزَّاق عنه. والبيهقيُّ من طريقه، وأشار إلى ضعفها لشذوذها، ويدلُّ على وهمه فيها روايةُ أبي داود والطَّبراني في «الأوسط» من طريق يزيد بن يزيد بن جابر، عن يزيد بن الأصمِّ، فذكر الحديث. وقد مرَّ معنا في شرح لفظ «الصَّلاة» في حديث الباب.
وأمَّا حديث ابن أمِّ مكتوم فقد مرَّ
ج 4 ص 111
أيضًا [في شرح حديث الباب] ، لكن قد حمله العلماء على أنَّه كان لا يشقُّ عليه التصرُّف بالمشي وحده ككثير من العميان.
وأمَّا حديث ابن مسعود رضي الله عنه فقد أخرجه مسلم وفيه الجزم بالجمعة، لكن قد مرَّ أنَّه حديث مستقلٌّ؛ لأنَّ مخرجه مُغاير لحديث أبي هريرة، فلا يقدحُ أحدهما في الآخر، فيُحمل على أنَّهما واقعتان، كما أشار إليه النَّووي والمحبُّ الطَّبري.
العاشر أنَّ التَّهديد بالتَّحريق المذكور يمكن أن يقعَ في حقِّ تاركي فرض الكفاية، لمشروعيَّة قتال تاركي فرض الكفاية، وفيه نظر؛ لأنَّ التَّحريق الذي قد يفضي إلى القتل أخصُّ من المقاتلة المشروعة في حقِّ تاركي فرض الكفاية، على أنَّ المقاتلة في حقِّهم إنَّما تشرع إذا اتَّفق الجميع على التركِ، وأمَّا إذا أتى البعض فلا.
تنبيهٌ قد اعتمدَ ابن خزيمة وغيره في حديث ابن أمِّ مكتوم المذكور على فرضيَّة الجماعة في الصَّلوات كلِّها، ورجَّحوه بحديث الباب وبالأحاديث الدالَّة على الرُّخصة في التخلُّف عن الجماعة، قالوا لأنَّ الرُّخصة لا تكون إلَّا عن واجبٍ، وفيه نظر، ووراء ذلك أمرٌ آخر ألزمَ به ابنُ دقيق العيد من يتمسَّك بالظَّاهر ولا يتقيَّد بالمعنى، وهو أنَّ الحديث ورد في صلاة معيَّنة فيدلُّ على وجوب الجماعة فيها دون غيرها، وأشار للانفصال عنه بالتمسُّك بدَلالة العموم، لكن قاعدة حمل المطلق على المقيَّد يقتضي كونه واردًا في صلاة معيَّنة، ولا يستلزم ذلك ترك اتِّباع المعنى؛ لأنَّ غير العشاء والفجر مظنَّة الشغل بالتكسُّب وغيره، أمَّا العصران فظاهر، وأمَّا المغرب فلأنَّها في الغالب وقت الرُّجوع إلى البيت والأكل، ولاسيَّما للصَّائم مع ضيق وقتها بخلاف العشاء والفجر، فليس للمتخلِّف عنهما عذرٌ غير الكسل المذموم، وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضًا انتظام الأُلفة بين المتجاورين في طرفيِّ النهار، وختم النَّهار بالاجتماع على الطَّاعة وافتتاحه كذلك، وقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد تخصيص التَّهديد بمن حول المسجد، وسيأتي توجيه كون العشاء والفجر أثقل على المنافقين من غيرهما [خ¦657] .
ثمَّ من فوائد الحديث المذكور في الباب تقديم الوعيد والتَّهديد على العقوبة، وسرَّه أنَّ المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزَّجر اكتُفِيَ به عن الأعلى من العقوبة، نبَّه عليه ابن دقيق العيد.
ومنها جواز العقوبة بالمال بحسب الظَّاهر، واستدلَّ به قوم من القائلين بذلك من المالكيَّة وغيرهم، وعُزِيَ ذلك أيضًا إلى مالك، وفيه نظر
ج 4 ص 112
لما تقدَّم أنَّه كان ذلك في أوَّل الإسلام، ثمَّ نسخ، ولاحتمال أنَّ التَّحريق من باب ما لا يتمُّ الواجب إلَّا به، إذ الظَّاهر أنَّ الباعث على ذلك أنَّهم كانوا يختفون في بيوتهم، فلا يتوصَّل إلى عقوبتهم إلَّا بتحريقها عليهم، وفيه نظرٌ ظاهر.
ومنها جواز أخذ أهل الجرائم على غِرَّة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم همَّ بذلك في الوقت الذي عُهِدَ منه فيه الاشتغال بالصَّلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحقَّقون أنَّه لا يطرقهم فيه، وفي السِّياق إشعار بأنَّه تقدَّم منه زجرهم عن التخلُّف بالقول حتَّى استحقُّوا التَّهديد بالفعل، وقد ترجم عليه البخاري في كتاب الإشخاص [خ¦7224] ، وفي كتاب الأحكام باب «إخراج أهل المعاصي والرَّيب من البيوت بعد المعرفة» [خ¦2420 قبل] . ففيه أنَّ من طُلِب منهم بحقٍّ فاختفى أو امتنع في بيته لددًا أُخرِج منه بكلِّ طريق يُتوصَّل إليه بها، كما أراد صلى الله عليه وسلم إخراج المتخلِّفين عن الصَّلاة بإلقاء النَّار عليهم في بيوتهم.
وحكى الطَّحاوي في «أدب القضاء الصَّغير» له أنَّ بعضهم كان يرى الهجوم على الغائب، وبعضهم لا يرى، وبعضهم يرى التَّسمير على الأبواب، وبعضهم لا يراه.
وقال بعض الحكَّام أَجْلِسُ رجلًا على بابه ويمنعُ من الدُّخول والخروج من منزله إلا الطَّعام والشَّراب، فإنَّه لا يمتنع عنهما، ويضيَّق عليه حتَّى يخرج فيُحكَم عليه، ومن رأى الهجوم من أصحابنا يقدِّم النِّساء في الدُّخول، وتفتيش الدَّار وتدخل أوَّلًا البيت الذي فيه النِّساء خاصَّة، ولا يكون الهجوم إلَّا على غفلةٍ من غير استئذانٍ بالدُّخول، والله أعلم.
ومنها جواز الحلفِ من غير استحلاف، كما في حلف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. ومنها جواز التخلُّف عن الجماعة للإمام أو نائبه لأجل إخراج من يَستخفي في بيته ويتركها، ولا بُعدَ في أن يلحقَ بذلك الجمعة، فقد ذكروا من الأعذارِ في التَّخلُّف عنها خوف فوتِ الغريم وأصحاب الجرائم في حقِّ الإمام كالغُرماء، وفي رواية أبي داود (( ليست بهم علَّة ) )دَلالةٌ على أنَّ الأعذار كالمرض والخوف من ظالمٍ أو حيوانٍ تبيح التخلُّف عن الجماعة، ولو قلنا إنَّها فرض عين كالجمعة.
ومنها ما استُدلَّ به عليه من جواز إمامة المفضول مع وجودِ الفاضل إذا كان في ذلك مصلحة. قال ابن بَزِيْزة وفيه نظر؛ لأنَّ الفاضل في هذه الصُّورة يكون غائبًا، وهذا لا يُختَلف في جوازه، نعم فيه دَلالة على استخلاف الفاضل المفضول لمصلحة.
ومنها ما استدلَّ به ابن العربيِّ عليه وهما شيئان
أحدهما جواز إعدام محلِّ المعصية، كما هو مذهب مالك، وتعقِّب بأنَّه منسوخ،
ج 4 ص 113
كما قيل في العقوبة بالمال.
والثَّاني مشروعيَّة قتل تارك الصَّلاة متهاونًا بها، ونُوزِع في ذلك، ورواية أبي داود التي فيها أنَّهم كانوا يصلُّون في بيوتهم، كما تقدَّم تُعكِّر عليه، نعم يمكن الاستدلال بوجه آخر، وهو أنَّهم إذا استحقُّوا التَّحريق بترك صفة من صفات الصَّلاة خارجة عنها، سواء قلنا واجبة أو مندوبة كان من تركها رأسًا بذلك أحقُّ، لكن لا يلزم من التَّهديد بالتَّحريق حصولُ القتل لا دائمًا ولا غالبًا؛ لأنَّه يمكن الفرار منه، أو الإخمادُ له بعد حصولِ المقصود منه مِن الزَّجر والإرهاب، والله أعلم بالصَّواب.
تتمَّة قد اختلف ألفاظ الحديث في ذلك الباب فعندَ البخاريِّ في باب «فضل صلاة العشاء في الجماعة» [خ¦657] (( ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من الفجرِ والعشاء ) )الحديث. وفي لفظٍ [خ¦657] (( لقد هممتُ أن آمُرَ المؤذِّن فيُقيم ) )، وفيه (( ثم آخذ شُعَلًا من نار فأحرِّق على من لا يخرجُ إلى الصَّلاة بغير عذرٍ ) )، وفي لفظٍ [خ¦2420] (( ثم أخالفَ إلى أقوامٍ لا يشهدون الصَّلاة فأحرِّق [3] عليهم ) ).
وعند أحمد بن حنبل (( لولا ما في البيوت من النِّساء والذريَّة أقمتُ صلاة العشاء وأمرتُ فتياني يحرِّقون ما في البيوت بالنَّار ) ). وعند أبي داود (( ثمَّ أتى قومًا يصلُّون في بيوتهمْ ليست بهم علَّة فأحرِّقها عليهم ) ). وفي «مسند السَّرَّاج» (( آمُر فتيتي إذا سمعوا الإقامة من تخلَّف أن يحرِّقوا عليهم، إنَّكم لو تعلمون ما فيهما لأتيتموها ولو حبوًا ) ). وفي لفظ آخر (( أخَّر النَّبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء حتَّى تهوَّر اللَّيل وذهب ثلثه أو نحوه، ثمَّ خرج إلى المسجد فإذا النَّاس عِزُون، وإذا هم قليلٌ، فغضب غضبًا شديدًا لا أعلم أنَّه غضبَ غضبًا أشدَّ منه، ثمَّ قال لقد هممتُ أن آمر رجلًا يصلِّي بالنَّاس، ثمَّ أتتبَّع هذه الدُّور التي تخلَّف أهلوها عن هذه الصَّلاة فأضرِّمها عليهم بالنِّيران ) ).
وفي كتاب الطُّوسي مصحّحًا (( ثمَّ آتي قومًا يتخلَّفون عن هذه الصَّلاة فأحرِّق عليهم ) )_ يعني صلاة العشاء _.
وفي «مسند عبد الله بن وهب» نا ابن أبي ذئب نا عجلان، عنه (( لينتهينَّ رجالٌ من حول المسجد لا يشهدونَ العشاء أو لأحرِّقنَّ بيوتهم ) ).
وفي كتاب «الثَّواب» لحُميد بن زَنجويه (( آمر رجالًا في أيديهم حزم حطبٍ لا يؤتى رجل في بيته سمع الإقامة إلَّا أضرمَ عليه بيته ) ). وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ (( آمر رجالًا إذا أقيمت الصَّلاة أن يتخلَّفوا دون من لا يشهد الصَّلاة فيضرموا عليهم بيوتهم، ولو أنَّ رجلًا آذن النَّاس إلى طعام لأتوه، والصَّلاة يُنادَى بها فلا يأتونها ) ). وفي «معجمه الصَّغير» (( ثمَّ أنظر فمن لم يشهد المسجد فأحرِّق عليه بيته ) ).
ج 4 ص 114
وفي كتاب «التَّرغيب والتَّرهيب» لأبي موسى المديني الأصبهانيِّ خرج بعدما تهوَّر اللَّيل فذهب ثلثه، ثمَّ قال (( لو أنَّ رجلًا نادى النَّاس إلى عَرْق أو مِرْماتين أتوه لذلك، وهم يتخلَّفون عن هذه الصَّلاة ) ). وعند الدَّارقطني في «مسنده» (( لو كان عَرْقًا سمينًا أو مغرفتين لشهدوها ) ).
وفي «مصنَّف عبد الرَّزَّاق» بسند صحيحٍ (( لقد هممتُ أن آمر فتياني أن يجمعوا لي حزمًا من حطب، ثمَّ أنطلق فأحرِّق على قومٍ بيوتهم لا يشهدونَ الجمعة ) )رواه عن جعفر بنِ برقان، عن يزيد بن الأصمِّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولمَّا رواه البيهقيُّ من طريق أحمدَ بن منصور الرَّمادي عن عبد الرَّزَّاق قال كذا قال الجمعة، وكذلك روي عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود رضي الله عنه، والَّذي تدلُّ عليه سائر الرِّوايات أنَّه عبَّر بالجمعة عن الجماعات.
وروي في «المعجم الأوسط» عن ابن مسعود بالإطلاق من غير تقييدٍ بالجمعة، والَّذي فيه التَّقييد بالجمعة رواه السَّرَّاج، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والله أعلم.
[1] في هامش الأصل المراد من ذلك البعض ابن خزيمة؛ لأنَّ إمام الحرمين نقله عنه، ولكن النَّووي نقل عنه الوجوب حسب، والله أعلم. منه.
[2] من قوله (( بخصوصه فلا. .. إلى قوله تركهم الجماعة ) )ليس في (خ) .
[3] (( من قوله على من لا. .. إلى قوله فأحرق ) )ليس في (خ) .