فهرس الكتاب

الصفحة 10413 من 11127

7017 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ) بتشديد الموحّدة وبعد الألف مهملة، العطَّار البصريّ، وفي شيوخ البخاريّ ابن الصبَّاح ثلاثة عبد الله هذا، ومحمَّد، والحسن، وليس واحدٌ منهم أخا الآخر قال (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان التَّيمي، قال (سَمِعْتُ عَوْفًا) هو الأعرابيّ ابن أبي جَميلة _ بفتح الجيم _ العبديّ البصريّ.

قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ) كذا في رواية الأكثر، ووقع في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بتقديم على .

قال الخطَّابي في قوله (( إذا اقترب الزَّمان ) )قولان

أحدهما أن يكون معناه تقارب زمان اللَّيل وزمان النَّهار، وهو وقتُ استوائهما أيَّام الرَّبيع، وذلك وقت اعتدالِ الطَّبائع الأربع غالبًا، وكذلك هو في الحديث والمعبِّرون، يقولون أصدق الرُّؤيا ما كان وقت اعتدال اللَّيل والنَّهار وإدراك الثِّمار، ونقله في (( غريب الحديث ) )عن أبي داود السِّجستاني، ثمَّ قال والمعبِّرون يزعمون أنَّ أصدق الأزمان لوقوع التَّعبير وقت انفتاق الأزهار وإدراك الثِّمار وهما الوقتان اللَّذان يعتدلُ فيهما اللَّيل والنَّهار.

والثَّاني أنَّ اقتراب الزَّمان انتهاء مدَّته إذا دنا قيام السَّاعة.

قال الحافظ العسقلانيّ

ج 29 ص 278

يبعدُ القول الأوَّل التَّقييد بالمؤمن فإنَّ الوقت الَّذي يعتدل فيه الطَّبائع لا يختصُّ به المؤمن، وأيضًا الاقتراب يقتضي التَّفاوت، والاعتدال يقتضي عدمه، فكيف يفسِّر الأوّل بالثَّاني؟

وقد صوَّب ابن بطَّال أنَّ المراد باقتراب الزَّمان هو الثَّاني، واستند إلى ما أخرجه التِّرمذيّ من طريق معمر عن أيُّوب في هذا الحديث بلفظ (( في آخر الزَّمان لا تكذب رؤيا المؤمن، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا ) )، قال فعلى هذا فالمعنى إذا اقتربت السَّاعة وقُبض أكثر العلم، ودرست معالم الدِّيانة بالهرج والفتنة، فكان النَّاس على مثل الفترة محتاجين إلى مذكّر ومجدّد لما درس من الدِّين، كما كانت الأمم قبلنا تُذكّر بالأنبياء، لكن لمَّا كان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم خاتمَ الأنبياء، وصار الزَّمان المذكور يشبه زمن الفترة عوَّضوا بما منعوا من النُّبوة بعده بالرُّؤيا الصَّادقة الَّتي هي جزءٌ من النُّبوّة الآتية بالتَّبشير والإنذار، انتهى.

ويؤيِّده ما أخرجه ابن ماجه من طريق الأوزاعيّ عن محمَّد بن سيرين بلفظ (( إذا قرب الزَّمان ) )، وأخرج البزَّار من طريق يونس بن عبيد عن محمَّد بن سيرين (( إذا تقارب الزَّمان ) )، وسيأتي في (( كتاب الفتن ) ) [خ¦7061] من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه (( يتقارب الزَّمان ويرفع العلم ) ) [خ¦7061] الحديث، والمراد به اقتراب السَّاعة قطعًا.

وقال الدَّاودي المراد بتقارب الزَّمان نقص السَّاعات والأيّام واللّيالي. انتهى.

ومراده بالنَّقص سرعة مرورها، وذلك قرب قيام السَّاعة، كما ثبتَ في الحديث الآخر عند مسلمٍ وغيره (( يتقارب الزَّمان حتَّى تكون السّنة كالشَّهر، والشَّهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالسَّاعة، والسَّاعة كاحتراق السّعفة ) ).

وقيل إنَّ المراد بالزَّمان المذكور زمان المهديّ عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرِّزق، فإنَّ ذلك الزَّمان يستقصرُ لاستلذاذه فيتقارب أطرافه، وأمَّا قوله لم تكد ... إلى آخره فيه إشارةٌ إلى غلبة الصِّدق على الرُّؤيا وإن أمكن أنَّ شيئًا منها لا يصدق، والرَّاجح أنَّ المرادَ نفي الكذب عنها أصلًا؛ لأنَّ حرف النَّفي الدَّاخل على كاد

ج 29 ص 279

ينفي قرب حصوله، والنَّافي لقرب حصول الشَّيء أدل على نفيهِ نفسه، ويدلُّ عليه قوله تعالى {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور 40] ، ذكره الطِّيبيّ.

وقال القرطبيُّ في «المفهم» والمراد والله أعلم بآخر الزَّمان في هذا الحديث زمان الطَّائفة الباقية مع عيسى بن مريم عليهما السَّلام بعد قتله الدَّجال، فقد ذكر في حديث عبد الله بن عمرو ما نصَّه (( فيبعث الله عيسى بن مريم فيمكث في النَّاس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثمَّ يرسل الله ريحًا باردةً من قبل الشَّام فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرَّة من خيرٍ أو إيمانٍ إلَّا قبضته ) )، الحديث.

قال فكان أهلُ هذا الزَّمان أحسنَ هذه الأمَّة حالًا بعد الصَّدر الأوَّل، وأصدقَهم أقوالًا، فكأنَّ رؤياهم لا تكذب. ومن ثمَّة قال عقيب هذا وأصدقُهم رؤيا أصدقهم حديثًا، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ من كثر صدقه تنوّر قلبه وقوي إدراكه، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصِّحة، وكذلك من كان غالب حاله الصِّدق في يقظته استصحب ذلك في نومه فلا يرى إلَّا صدقًا، وهذا بخلاف الكاذب والمخلّط، فإنَّه يَفسُدُ قلبُه ويُظلم فلا يرى إلَّا تخليطًا وأضغاثًا، وقد يندرُ المنام أحيانًا فيرى الصَّادق ما لا يصحُّ، ويرى الكاذب ما يصحُّ، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدَّم.

وهذا يؤيِّد أنَّ الرُّؤيا لا تكون من أجزاء النُّبوة إلَّا إن صدرَ عن مسلمٍ صادقٍ صالح ومن ثمَّة قيَّد بذلك في حديث (( رؤيا المسلم جزءٌ ) )فإنَّه جاء مطلقًا مقتصرًا على المسلم، فأخرج الكافر، وجاء مقيدًا بالصَّالح تارةً وبالصَّالحة أخرى وبالحسنة والصَّادقة كما تقدَّم بيانه، فيحملُ المطلق على المقيَّد، وهو الَّذي يناسب حاله حال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فيكرم بما أكرم به النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو الاطلاع على شيءٍ من الغيب.

فأمَّا الكافر والمنافق، والكاذب والمخلّط، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات، فإنَّها لا تكون من الوحي ولا من النُّبوّة، إذ ليس كلُّ من صدق في شيءٍ ما يكون خبره في ذلك نبوة، فقد يقول الكاهن كلمة حقٍّ

ج 29 ص 280

وقد يحدث المنجمّ فيصيب، لكن كلُّ ذلك على النُّدور والقلَّة، والله تعالى أعلم.

وقال ابنُ أبي جمرة معنى كون رؤيا المؤمن في آخر الزَّمان لا تكاد تكذب أنَّها تقع غالبًا على الوجه المرئيِّ لا تحتاج إلى تعبيرٍ فلا يدخلها الكذب؛ بخلاف ما قبل ذلك، فإنَّها قد يخفى تأويلها فيعبرها العابر فلا يقع كما قال فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار.

قال والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزَّمان أنَّ المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا كما في الحديث (( بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا ) )أخرجه مسلمٌ، فيقلّ أنيسُ المؤمن ومُعينه في ذلك الوقت، فيُكرم بالرُّؤيا الصَّادقة.

قال ويمكن أن يؤخذ من هذا سبب اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء النُّبوّة بالنِّسبة لرؤيا المؤمن فيقال كلَّما قرب الأمر وكانت الرُّؤيا أصدقَ حُمل على أقلِّ عددٍ ورد وعكسه وما بين ذلك، قال الحافظ العَسقلانيّ وينبغي الإشارة إلى هذه المناسبة فيما تقدَّم من المناسبات.

وحاصل ما اجتمع من كلامهم في معنى قوله (( إذا اقترب الزَّمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ) )إذا كان المراد آخر الزَّمان ثلاثة أقوال

أحدها أنَّ العلم بأمور الدِّيانة لمّا يذهب غالبه بذهابِ غالب أهله، وتعذّرت النُّبوة في هذه الأمّة عوّضوا بالمرائي الصَّادقة ليجدد لهم ما قد درسَ من العلم.

والثَّاني أنَّ المؤمنين لمّا يقل عددهم ويغلبُ الكفر والجهل والفسق على الموجودين يؤنسُ المؤمن ويعان بالرُّؤيا الصَّادقة إكرامًا له وتسليةً، وعلى هذين القولين لا يختصُّ ذلك بزمانٍ معيّن، بل كلَّما قرب فراغ الدُّنيا وأخذ أمر الدّين وأهله في الاضمحلال يكون رؤيا المؤمن الصَّادق أصدق.

والثَّالث أنَّ ذلك خاصٌّ بزمان عيسى بن مريم عليهما السَّلام.

وأوَّلها أولاها، والله تعالى أعلم.

(وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ) بواو العطف على المرفوع، وهو قوله (( إذا اقترب الزَّمان ) )الحديث فهو مرفوعٌ أيضًا؛ أي غير موقوفٍ (جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) أي من علم النُّبوّة (وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لا يَكْذِبُ) وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ وأبي الوقت

ج 29 ص 281

والأَصيليّ وابن عساكر.

قال الحافظ العَسقلانيّ لم يتقدَّم هذا القدر في شيءٍ من طرق الحديث المذكور وظاهر إيراده هنا أنَّه مرفوعٌ، ولئن كان كذلك فإنَّه أولى ما فسَّر به المراد من النُّبوّة في الحديث وهو صفة الصِّدق، ثمَّ ظهر لي أنَّ قوله بعد هذا قال محمَّد وأنا أقول هذه أنَّ الإشارة في قوله هذه الجملة المذكورة وهذا هو السِّرُّ في إعادة قوله قال بعد قوله هذه ثمَّ رأيت في (( بغية النّقاد ) )لابن الموَّاق أنَّ عبد الحقِّ أغفل التَّنبيه على أنَّ هذه الزِّيادة مدرجة، وأنَّه لا شكَّ في إدراجها، فعلى هذا تكون من قول ابن سيرين لا مرفوعة، انتهى.

(قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين (وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ وفي جميع الطُّرق، وكذا ذكره الإسماعيليّ وأبو نُعيم في «مستخرجيهما» ووقع في «شرح ابن بطَّال» وأنا أقول هذه الأمَّة، وكان يقال ... إلى آخره.

قال الحافظ العَسقلانيّ وليست هذه اللَّفظة في شيءٍ من نسخ «صحيح البخاريّ» ولا ذكرها عبد الحقِّ في «جمعه» ولا الحميديّ ولا من أخرج حديث عوفٍ من أصحاب الكتب والمسانيد، وقد ذكره القاضي عِياض كذلك كما ذكره ابن بطَّال وتبعه في «شرحه» فقال خشي ابن سيرين أن يتأوَّل أحدٌ معنى قوله وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا أنَّه إذا تقارب الزَّمان لم يصدق إلَّا رؤيا الرَّجل الصَّالح فقال وأنا أقول هذه الأمَّة؛ يعني رؤيا هذه الأمَّة صادقةٌ كلُّها صالحها وفاجرها؛ ليكون صدق رؤياهم زاجرًا لهم وحجَّة عليهم لدروس أعلام الدِّين وطموس آثاره بموت العلماء وظهور المنكر. انتهى.

قال الحافظ وهذا مرتّب على ثبوت هذه الزِّيادة وهي لفظ الأمَّة ولم أجدها في شيءٍ من الأصول، وقد قال أبو عَوَانة الإسفرائنيّ بعد أن أخرجه مرفوعًا موصولًا من طريق هشام عن ابن سيرين هذا لا يصحُّ مرفوعًا إلَّا عن ابن سيرين.

قال الحافظ وإلى ذلك أشار البخاريّ في آخره بقوله وحديث عوفٍ أبين؛ أي حيث فصل المرفوع من الموقوف.

(قَالَ) أي ابن سيرين بالسَّند السَّابق (وَكَانَ يُقَالُ) القائل في هذه الرِّواية هو أبو هريرة رضي الله عنه

ج 29 ص 282

(الرُّؤْيَا ثَلاَثٌ) وقد رفعه بعض الرُّواة ووقفه آخرون. وقد أخرجه أحمد عن هوده بن خليفة عن عوفٍ بسنده مرفوعًا (( الرُّؤيا ثلاث ) )، الحديث مثله، وأخرجه التِّرمذيّ والنَّسائيّ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الرُّؤيا ثلاثٌ فرؤيا حقٍّ، ورؤيا يحدِّث بها الرَّجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشَّيطان ) ). وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذي من طريق عبد الوهّاب الثَّقفيّ عن أيُّوب عن محمَّد بن سيرين مرفوعًا أيضًا بلفظ (( الرُّؤيا ثلاثٌ فالرُّؤيا الصَّالحة بشرى من الله ) )والباقي نحوه.

(حَدِيثُ النَّفْسِ) أي أوّلها حديث النَّفس، وهو ما كان في اليقظة في خيال الشَّخص، فيرى ما يتعلَّق به عند المنام كمن يكون في أمرٍ أو عشق صورة، فيرى ما يتعلَّق به في اليقظة من ذلك الأمر، أو معشوقه في المنام، وهذا لا اعتبار لها في التَّعبير كاللّاحقة.

وهي المذكورة في قوله (وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ) أي الثَّاني تخويف الشَّيطان وهو الحلم المكروهة بأن يريه ما يحزنه وله مكائد يحزنُ بها بني آدم، قال تعالى {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا} [المجادلة 10] ومن لعب الشَّيطان به الاحتلام الموجب للغسل.

(وَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ) أي الثَّالث بشرى من الله؛ أي المبشِّرات وهي المحبوباتُ يأتيه بها مَلَك الرُّؤيا، ووقع في حديث عوف بن مالكٍ عند ابن ماجه بسندٍ حسنٍ رفعه الرُّؤيا ثلاثٌ منها أهاويل من الشَّيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهمُّ به الرَّجل في يقظتهِ فيراه في منامهِ، ومنها جزءٌ من ستَّة وأربعين جزءًا من النُّبوّة.

وقال الحافظ العَسقلانيّ وليس الحصر مرادًا من قوله ثلاثٌ؛ لثبوت نوعٍ رابعٍ، وهو حديث النَّفس كما وقع في الباب، والخامس تلاعب الشَّيطان.

وقد ثبت عند مسلمٍ من حديث جابرٍ رضي الله عنه قال جاء أعرابيٌّ فقال يا رسول الله، رأيت في المنام كأنَّ رأسي قطع فأنا أتبعه، وفي لفظ فتدحرج فاشتدَّت في أثره، فقال لا تخبر بتلاعب الشَّيطان بك في المنام، وفي روايةٍ له (( إذا تلعَّب الشَّيطان بأحدكُم في منامه

ج 29 ص 283

فلا يخبر به النَّاس )) .

والسَّادس وهو رؤيا ما يعتاده الرَّائي في اليقظة كمن كانت عادته أن يأكلَ في وقتٍ فنام فيه فرأى أنَّه يأكل، أو بات طافحًا من أكلٍ أو شربٍ فرأى أنَّه يتقيَّأ، وبينه وبين حديث النَّفس عموم وخصوص. والسَّابع الأضغاث.

(فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلاَ يَقُصُّهُ عَلَى أَحَدٍ) بضمّ الصّاد المهملة المشدّدة (وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ) وفي باب الحلم من الشَّيطان [خ¦7005] (( فليبصق عن يساره ويستعذ بالله منه فلن يضرَّه ) ).

قال القرطبيُّ والصَّلاة تجمع البصق عند المضمضة والتَّعوّذ قبل القراءة، وزاد في رواية هوده (( فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصَّها لمن شاء، وإن رأى شيئًا يكرهه ) )فذكر مثله، ووقع في رواية أيُّوب عن محمَّد بن سيرين (( فليصلِّ ولا يحدِّث بها النَّاس ) ). وزاد في رواية سعيد بن أبي عَروبة عن ابن سيرين عند التِّرمذيّ (( وكان يقول لا تقصُّ الرُّؤيا إلَّا على عالمٍ أو ناصحٍ ) )، وهذا ورد معناه مرفوعًا في حديث أبي رزين عند أبي داود والتِّرمذيّ وابن ماجه (( ولا يقصُّها إلَّا على وادٍّ أو ذي رأي ) ).

(قَالَ) أي ابن سيرين (وَكَانَ) أي أبو هريرة رضي الله عنه (يَكْرَهُ الْغُلَّ فِي النَّوْمِ) وفي رواية غير أبي ذرٍّ بضمّ أوّله على البناء للمفعول، و بالرفع نائب الفاعل، والغُل _ بضمّ المعجمة _ الحديدة الَّتي تُجعلُ في العنق، وهو من صفات أهل النَّار، قال تعالى {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} [غافر 71] .

وقد تدلُّ على الكفر، وقد تدلُّ على امرأةٍ تؤذي؛ يعني يعبّر بها، وقالوا إن انضمَّ الغُلّ إلى القيد يدلُّ على زيادة المكروه وإن جعلَ الغُلّ في اليدين حُمدَ؛ لأنَّه كفٌّ لهما عن الشَّرِّ، وقد يدلُّ الغُلّ على البخلِ بحسب الحال، وقالوا أيضًا إن رأى أنَّ يديه مغلولتان فإنَّه بخيلٌ، وإن رأى أنَّه قُيّدَ وغلَّ فإنَّه يقعُ في سجنٍ أو شدَّةٍ.

(وَكَانَ يُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ) كذا ثبت هنا بلفظ الجمع في يعجبهم، وبالإفراد في يكره، ويقول في رواية، قال الطِّيبيّ ضمير الجمع لأهل التَّعبير، وكذا قوله ويقال في روايةٍ أخرى (وَيُقَالُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحموي ، وفي رواية (الْقَيْدُ)

ج 29 ص 284

أي الَّذي يراه الرَّجل في رجله (ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ) قال ابنُ العربيّ وإنَّما جعل القيد ثباتًا في الدِّين؛ لأنَّ المقيّد لا يستطيع المشي فضرب مثلًا للإيمان الَّذي يمنع عن المشي إلى الباطل.

وقال النَّووي قال العلماء إنَّما أحبّ القيد؛ لأنَّ محلَّه الرِّجل وهو كفٌّ عن المعاصي والشَّر والباطل، وأبغض الغُلّ؛ لأنَّ محلَّه العنق وهو صفة أهل النَّار، وأمَّا أهل التَّعبير فقالوا إنَّ القيد ثباتٌ في الأمر الَّذي يراه الرَّائي بحسب من يرى له ذلك، وقد يكون الغُلُّ في بعض الرَّائي محمودًا كما وقع لأبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه، فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ عن مسروق قال مرَّ صهيب بأبي بكرٍ فأعرض عنه فسأله فقال رأيت يدك مغلولةً على باب أبي الحشر، رجلٌ من الأنصار، فقال أبو بكرٍ جُمع إليّ ديني إلى يوم الحشر.

قال الكرمانيُّ واختلفوا في قوله (( وكان يقال إلى قوله في الدِّين ) )، فقال بعضهم كُلُّه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل كُلُّه كلام ابن سيرين، وفاعل (( كان يكره ) )هو أبو هريرة رضي الله عنه. وقال بعضهم لا أدري أهو في الحديث أم كلام ابنِ سيرين، وقيل القيد ثباتٌ في الدِّين، هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل (( كان يكره ) )فاعلُه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كلام أبي هريرة.

هذا، وقد أخذه من كلام الطِّيبيّ فإنَّه قال يحتمل أن يكون مقولًا للرَّاوي عن ابن سيرين، فيكون اسم كان ضميرًا لابن سيرين، وأن يكون مقولًا لابن سيرين، وفاعل (( كان يكره ) )أبا هريرة رضي الله عنه أو النَّبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقد أخرجه مسلمٌ من وجهٍ آخر عن ابن سيرين، وقال في آخره لا أدري أهو في الحديث أو قاله ابن سيرين، وقال المهلَّب روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( القيد ثباتٌ في الدِّين ) )من رواية قتادة ويونس وآخرين وتفسير ذلك أنَّه يمنع الخطايا ويقيّد عنها، وروى ابن ماجه من حديث وكيعٍ عن أبي بكر الهذليّ عن ابن سيرين، فذكر قصَّة القيد مرفوعة.

(وَرَوَى) أي أصل الحديث (قَتَادَةُ) أي ابن دِعامة، وقد وصله مسلمٌ والنَّسائيّ من رواية هشام الدَّستوائيّ عن أبيه عن قتادة (وَيُونُسُ) هو ابنُ عبيدٍ أحد أئمَّة البصرة،

ج 29 ص 285

وقد وصله البزَّار في «مسنده» (وَهِشَامٌ) هو ابن حسَّان الأزديّ، وقد وصله الإمام أحمد (وَأَبُو هِلاَلٍ) محمَّد بن سُليم _ بضم السّين _ الرَّاسبيّ. قال الحافظ العَسقلانيّ لم أقف عليها موصولة، قال الكرمانيّ لم يسبق ذكره.

(عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) أي كلُّ هؤلاء رووا أصل الحديث، وأمَّا قولُه (( وكان يقال ) )فمنهم من رواه بتمامه مرفوعًا، ومنهم من اقتصر على بعضه، وقد فصّله الحافظ العَسقلانيّ تفصيلًا وأطال الكلام فيه.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَدْرَجَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (بَعْضُهُمْ كُلَّهُ) أي كلَّ المذكور من لفظ (( الرُّؤيا ثلاث إلى في الدِّين ) ) (فِي الْحَدِيثِ) أي جعله كلَّه مرفوعًا، والمراد به رواية هشام بن أبي عبد الله الدَّستوائي عن قتادة، وقال مسلمٌ حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا معاذ بن هشام حدَّثني أبي عن قتادة عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدرجه في الحديث قوله (( وأكره الغُلّ ... ) )إلى آخره ولم يذكر (( الرُّؤيا جزءٌ من ستَّة وأربعين جزءًا من النُّبوّة ) ).

قال البخاريّ (وَحَدِيثُ عَوْفٍ) بالفاء، هو الأعرابيّ (أَبْيَنُ) أي أظهر، حيث فَصَل المرفوع من الموقوف، ولاسيّما تصريحه بقول ابن سيرين وأنا أقول هذه، فإنَّه دالٌّ على الاختصاص؛ بخلاف ما قال فيه (( وكان يقال ) )فإنَّ فيه الاحتمال، بخلاف أوَّل الحديث فإنه صرَّح برفعه، وقال الكرمانيّ أبين؛ أي في أن لا يكون ذلك من الحديث.

(وَقَالَ يُونُسُ) هو ابنُ عبيد (لاَ أَحْسِبُهُ) أي لا أحسب الَّذي أدرجه بعضهم (إِلاَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَيْدِ) يعني أنَّه شكَّ في رفعه.

قال القرطبيُّ هذا الحديث وإن اختلف في رفعه ووقفه فإنَّ معناه صحيحٌ؛ لأنَّ القيد في الرَّجلين تثبيتٌ للمقيَّد في مكانه، فإذا رآه من هو على حاله كان ذلك دليلًا على ثبوته على تلك الحالة، وأمَّا كراهة الغُلّ، فلأنَّ محلَّه الأعناق نكالًا وعقوبة، وقهرًا وإذلالًا، وقد يسحب على وجهه ويجرُّ على قفاه فهو مذمومٌ شرعًا وعادة، فرؤيته في العنق دليلٌ على وقوع حال سيئة للرَّائي تلازمه ولا ينفكُّ عنها، وقد يكون ذلك في دينه كواجبات فرّط فيها

ج 29 ص 286

أو معاصٍ ارتكبها، أو حقوق لازمة له لم يوفّها أهلها مع قدرته، وقد يكون في دنياه كشدَّةٍ تعتريه أو تلازمه.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو المصنِّف رادًّا على من قال كأبي علي القاليّ وصاحب «المحكم» الغُلّ يجعل في العنقِ أو اليد والجمع أغلال، ويدٌ مغلولةٌ جعلت في الغل، ويؤيِّده قوله تعالى {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} [المائدة 64] كذا استشهد به الكرمانيّ، وفيه نظرٌ لأنَّ اليد تغلُّ في العنق.

(لاَ تَكُونُ الأَغْلاَلُ إِلاَّ فِي الأَعْنَاقِ) ولا ينهضُ هذا الرَّد لما قال ابن سيده الغُل جامعةٌ تجعل في العنق أو اليد، فافهم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( وكان يعجبهم القيد ) )، والحديث من أفراده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت