فهرس الكتاب

الصفحة 10461 من 11127

7047 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هِشَامٍ) بألف بعد الشّين فيهما، وفي رواية أبي ذرٍّ عن بعض مشايخه وقال الصَّواب أبو هشام، وكذا هو عند غير أبي ذرٍّ، وهو ممَّن وافقت كنيته اسم أبيه، ومؤمَّل على وزن محمَّد اليَشكريّ البصريّ، وهو ختن إسماعيل بن إبراهيم روى البخاريُّ، عنه هنا وفي الزَّكاة والحجِّ والتَّهجد وبدء الخلق وتفسير براءة.

قال (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور بابن عُليَّة، قال (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) هو المشهور بالأعرابيّ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عمران العطارديّ، والسَّند كلُّهم بصريُّون، قال (حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ) بضمّ الدّال وفتحها (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يُكْثِرُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ) وفي رواية محمَّد بن جعفر (( ممَّا يقول لأصحابه ) ) (هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا) قال الطِّيبي قوله (( ممَّا يكثر ) )خبر (( كان ) (( ما ) )موصولة، و (( يكثر ) )صلته، والضَّمير الرَّاجع إلى ما فاعل، و (( أن يقول ) )فاعلُ (( يكثر ) )، و (( هل رأى أحدٌ منكم ) )هو المقول؛ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم كائنًا من النَّفر الَّذين كثر منهم هذا القول، فوضع ما موضع من تفخيمًا وتعظيمًا لجانبه، كقوله تعالى {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس 5] وسبحان ما سخركُنَّ لنا، وتحريره كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيد تعبير الرُّؤيا وكان له مشاركٌ

ج 29 ص 344

في ذلك منهم؛ لأنَّ الإكثار من هذا القول لا يصدر إلَّا ممَّن تدرَّب فيه، ووثق بإصابته، كقولك كان زيدٌ من العلماء بالنَّحو، ومنه قول صاحبي السِّجن ليوسف عليه السَّلام {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف 36] أي المجيدين في عبارة الرُّؤيا، وعلما ذلك ممَّا رأياه منه، وهذا من حيث البيان، وأمَّا من حيث النَّحو فيحتمل أن يكون قوله (( هل رأى أحدٌ منكم رؤيا ) )مبتدأ والخبر مقدّم عليه على تأويل هذا القول ممَّا يكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله، ولكن أين الثُّريا من الثرى، انتهى.

فأشار بقوله ولكن أين الثُّريا من الثرى، إلى ترجيح الوجه السَّابق، والمتبادر هو الثَّاني، وهو الَّذي اتَّفق عليه أكثر الشَّارحين.

(قَالَ) أي سَمُرة بن جندب (فَيَقُصُّ) بفتح الياء وضمّ القاف، يقال قصصت الرُّؤيا على فلان إذا أخبرته بها أقصُّها قصًّا، وأتقص البيان (عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ) كذا في رواية النَّسفيّ، وفي رواية غيره بالألف بدل النّون، وهي للمقصوصِ ومن للقاص (وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا) لفظ ثابتٌ في بعض الأصول المعتمدة ساقط من اليونينيَّة (ذَاتَ غَدَاةٍ) لفظ (( ذات ) )زائد، وهو من إضافة الشَّيء إلى نفس اسمه، وفي رواية جرير بن حازم (( كان إذا صلَّى صلاةً أقبل علينا بوجهه ) )، وفي رواية يزيد بن هارون عنه (( إذا صلَّى صلاة الغداة ) )، وفي رواية وهب بن جرير عن أبيه عند مسلمٍ (( إذا صلَّى الصبح ) )، وبه تظهر مناسبة التَّرجمة.

وذكر ابن أبي حاتمٍ من طريق زيد بن علي بن الحسين بن عليٍّ عن أبيه عن جدِّه عن علي رضي الله عنه قال (( صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر بغلس ) ). الحديث بطوله نحو حديث سمرة، والرَّاوي له عن زيدٍ ضعيفٌ.

وأخرج أبو داود والنَّسائيّ من حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرفَ من صلاة الغداة يقول (( هل رأى أحدٌ اللَّيلة

ج 29 ص 345

رؤيا؟ )) . وأخرج الطَّبراني بسندٍ جيدٍ عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال (( خرجَ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصُّبح فقال إنِّي رأيت اللَّيلة رؤيا هي حقٌّ فاعقلوها ) )فذكر حديثًا فيه أشياء يشبه بعضُها ما في حديث سمرة، لكن يظهر من سياقه أنَّه حديثٌ آخر، فإنَّ في أوَّله (( أتاني رجلٌ فأخذَ بيدي فاستتبعني حتَّى أتى جبلًا طويلًا وعرًا، فقلت لا أستطيع، قال إنِّي سأسهله لك، فجعلت كلَّما وضعتُ قدمي وضعتُها على درجةٍ حتَّى استويت على سواء الجبل، ثمَّ انطلقنا، فإذا نحن برجالٍ ونساء مشقَّقة أشداقهم، فقلت من هؤلاء؟ قال هم الَّذين يقولون ما لا يعلمون ) )الحديث.

ووقع في رواية جرير بن حازم فسأل يومًا فقال (( هل رأى أحدٌ رؤيا ) )قلنا لا، قال (( لكنِّي رأيت اللَّيلة ) )، قال الطِّيبيّ وجه الاستدراك أنَّه كان يحب أن يعبَّر لهم الرُّؤيا، فلمَّا قالوا ما رأينا شيئًا، كأنَّه قال أنتم ما رأيتم شيئًا لكن رأيت.

وفي رواية أبي خَلْدة _ بفتح المعجمة وسكون اللَّام _ واسمه خالد بن دينار عن أبي رجاء عن سمرة أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دخل المسجد يومًا، فقال (( هل رأى أحدٌ منكم رؤيا فليحدِّث بها ) )فلم يحدث أحدٌ بشيءٍ، فقال (( إنِّي رأيت رؤيا فاسمعوا منِّي ) )أخرجه أبو عَوَانة.

(إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ) بالنصب على الظَّرفيّة (آتِيَانِ) بمدّ الهمزة وكسر الفوقيّة، وفي رواية هودة بن عوف عند ابن أبي شيبة (( آتيان أو اثنان ) )بالشَّكِّ، وفي رواية جرير (( رأيت رجلين أتياني ) )، وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه (( رأيت ملكين ) )، وسيأتي في آخر الحديث أنَّهما جبريل وميكائيل عليهما السَّلام.

(وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي) بموحّدة ساكنة وفوقيّة مفتوحة وبعد العين المهملة مثلَّثة وبعد الألف نون؛ أي أرسلاني يقال بعثته وابتعثته؛ أي أرسلته، كذا في «الصِّحاح» ويقال ابتعثه إذا أثاره وأذهبه، وقال ابن هبيرة معنى (( ابتعثاني ) )أيقظاني، ويحتمل أن يكون رأى في المنام أنَّهما أيقظاه، فرأى ما رأى في المنام، ووصفه بعد أن أفاقَ على أنَّ منامه كاليقظة، لكن لمَّا رأى مثالًا كشفه التَّعبير دلَّ على أنَّه كان منامًا، وفي رواية الكُشميهني بنون ثم موحّدة.

(وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا) معطوفٌ على قوله (( وأنَّهما

ج 29 ص 346

قالا لي )) ، زاد جرير بن حازم في روايته (( إلى الأرض المقدسة ) )، وعند أحمد (( إلى أرض فضاءٍ مستويةٍ ) )، وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه (( فانطلقا بي إلى السَّماء ) ) (وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ) وفي رواية جرير (( مستلقٍ على قفاه ) ). قال الطِّيبيّ وذكر صلى الله عليه وسلم أنَّ المؤكَّدة أربع مرَّاتٍ تحقيقًا لما رآه، وتقريرًا لقوله (( الرُّؤيا الصَّالحة جزءٌ من ستَّة وأربعين جزءًا من النُّبوَّة ) ).

(وَإِذَا) للمفاجأة رجل (آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ) وفي رواية جرير (( بفهر أو صخرةٍ ) )وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه (( فمررت على ملكٍ وأمامه آدميٌّ، وبيد الملك صخرة يضرب بها هامة الآدمي ) ) (وَإِذَا هُوَ يَهْوِي) بفتح أوَّله وكسر الواو بينهما هاء ساكنة؛ أي يسقط، يقال هوى يهوي هويًا، سقط إلى سُفْل، وضبطه ابن التِّين بضمِّ أوَّله من الرّباعيّ يقال أهوى من بعد، وهوَى _ بفتح الواو _ من قرب (بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ) بفتح أوّله وسكون المثلَّثة وفتح اللَّام بعدها غين معجمة؛ أي يشدخ، وفي رواية جرير (( فيشدخ ) )والشَّدخ كسر الشَّيء الأجوف. وقال ابنُ الأثير الثَّلغ ضربك الشَّيء الرَّطب بالشَّيء اليابس حتَّى يتشدَّخ (رَأْسَهُ، فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ) أي يحطّ من علوٍ إلى سُفْلٍ يقال تدهده يتدهده _ بفتح المهملتين بينهما هاء ساكنة _، وفي رواية الكُشميهني بهمزتين بدل الهائين، وفي رواية النَّسفيّ _ وكذا هو في رواية جرير بن حازم _ بهمزة في آخره بدل الهاء، والكل بمعنى، والهمزة تبدل من الهاء كثيرًا، أي فيتدحرج الحجر.

(هَاهُنَا) أي إلى جهة الضَّارب (فَيَتْبَعُ) بالتخفيف؛ أي الرَّجل القائم (الْحَجَرَ) أي الَّذي رمى به (فَيَأْخُذُهُ) ليصنع به كما يصنع أولًا (وَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ) وفي رواية جرير (( فإذا ذهب ليأخذه فلا يرجع إليه ) )أي إلى الَّذي شدخ رأسه (حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ) وفي رواية جرير (( حتَّى يلتئم ) )وعند أحمد (( عاد رأسه ) ).

(كَمَا كَانَ) وفي حديث عليٍّ (( فيقع دماغه جانبًا وتقع الصَّخرة جانبًا ) ) (ثُمَّ يَعُودُ) أي الرَّجل (عَلَيْهِ) أي على المضطجع، وفي رواية جرير (( فيعود

ج 29 ص 347

إليه )) (فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى) وفي رواية أبي ذرٍّ والنَّسفيّ والمراد المرَّة الأولى، وفي رواية جرير (( فيصنع مثل ذلك ) )، قال ابن العربيّ جعلت العقوبة في رأس هذا لنومه عن الصَّلاة، والنَّوم موضعه الرَّأس.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (قُلْتُ لَهُمَا) أي للملكين (سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ) الرَّجلان (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (قَالاَ) أي الملكان (لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ) كذا في المواضع كلِّها بالتَّكرير مرَّتين، وسقط في بعضها التِّكرار لبعضهم، كذا قال الحافظ العَسقلانيّ، وفي الفَرْع كأصله في الأولى بغير تكرارٍ، وأمَّا في رواية جرير فليس فيها سبحان الله، وفيها انطلق مرَّة واحدةً.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا) رجلٌ (آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ) بفتح الكاف وتشديد اللَّام، وجاء الضَّمّ في الكاف، ويقال الكلاب والجمع الكلاليب، وهو المنشالُ من حديدٍ نشل بها اللَّحم من القدر.

وقال الدَّاوديّ هو كالسِّكِّين ونحوها، وقيل له شعبٌ يعلق بها اللَّحم، وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه (( فإذا أنا بملك وأمامه آدميٌّ، وبيد الملك كلوبٌ من حديدٍ، فيضعه في شدقهِ الأيمن فيشقَّه ) )، الحديث.

(وَإِذَا هُوَ) أي الرَّجل القائم (يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ) أي وجه المستلقي لقفاه (فَيُشَرْشِرُ) بمعجمتين ورائين، قال صاحب «العين» شَرْشَر قطع وشقّ (شِدْقَهُ) بكسر المعجمة وسكون المهملة، جانب الفَمِ (إِلَى قَفَاهُ) أي يقطعه شقًّا، وفي رواية جرير (( فيدخله في شدقهِ فيشقَّه حتَّى يبلغَ قفاه ) ) (وَمَنْخِرَهُ) كذا بالإفراد وهو المناسبة، وفي رواية جرير (( ومنخريه ) )بالتثنية؛ أي ويقطعه (إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ) بإفراد العين كالمنخر.

(قَالَ) أي الرَّاوي (وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ) العطارديّ راوي الحديث (فَيَشُقُّ) بدل (( فيشرشر ) )وهذه الزِّيادة ليست عند محمَّد بن جعفر(قَالَ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ،

ج 29 ص 348

فَمَا يَفْرُغُ)من شقِّ (ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ) أي الرَّجل (عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ) به (مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى، قَالَ قُلْتُ) لهما (سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ) الرَّجلان؛ أي ما شأنهما.

(قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ) اختصره في رواية جرير بن حازم ولفظه (( ثمَّ يخرجه فيدخله في شقِّه الآخر ويلتئم هذا الشّقّ فهو يفعل ذلك به ) ). قال ابن العربيِّ شرشرة شدقِ الكاذبِ إنزال العقوبة بمحلِّ المعصية، وعلى هذا تجري العقوبة في الآخرة بخلاف الدُّنيا، ووقعت هذه القصَّة مقدمةٌ في رواية جرير على قصَّة الَّذي يشدخُ رأسه، قال الكرمانيّ الواو لا ترتب، والاختلاف في كونه كان مستلقيًا، وفي الآخر مضطجعًا، وفي الآخر كان جالسًا، وفي الآخر قائمًا، يحمل على اختلاف حال كلٍّ منهم.

(فَانْطَلَقنا، فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ) بفتح الفوقيّة وتشديد النّون المضمومة، الَّذي يُخبز فيه، وفي رواية محمَّد بن جعفر (( مثل بناء التَّنّور ) )زاد جرير في (( الجنائز ) ) [خ¦1386] (( فانطلقت إلى ثَقْبٍ مثل التَّنوّر أعلاه ضيِّق وأسفله واسعٌ توقد تحته نارًا ) )كذا فيه بالنصب، ووقع في رواية أحمد (( يتوقَّد تحته نارٌ ) )بالرَّفع، وهي رواية أبي ذرٍّ، وعليها اقتصر الحُميديّ في «جمعه» وهو واضحٌ.

وقال ابن مالكٍ في كلامه على مواضع من البخاريّ (( توقد تحته نارًا ) )بالنَّصب على التَّمييز، وأسند توقد إلى ضمير عائد على الثُّقب كقولك مررتُ بامرأةٍ يتضوَّع من أردانها طيبًا، والتَّقدير يتضوَّع طيب من أردانها، فكأنَّه قال توقد تحته ناره، فيصحُّ نصب نارًا على التَّمييز. قال ويجوز أن يكون فاعل توقد موصولًا بتحته فحذف وبقيت صلته لوضوح المعنى، والتَّقدير يتوقَّد الَّذي تحته نارًا، وهو على التَّمييز أيضًا، وذكر لحذف الموصول في مثل هذا عدَّة شواهد.

(قَالَ فَأَحْسِبُ) بالفاء، وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ) بالمعجمة ثمَّ المهملة؛ أي جلبة وصيحةً لا يفهم معناها (وَأَصْوَاتٌ، قَالَ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ) أي في الثُّقب(فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ

ج 29 ص 349

وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ)بفتح الهاء وهو لسان النَّار، أو شدَّة اشتعالها (مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا) بضادين معجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة، آخره واو أخرى ساكنة أيضًا، بلا همز للأكثر أصله ضوضووا، فاستثقلت الضَّمّة على الواو فحذفت، فاجتمع ساكنان فحذفت الواو الأولى، وحكي الهمز على لفظ الماضي؛ أي صاحوا ورفعوا أصواتهم مختلطة، ومنهم من سهَّل الهمزة. قال في «النِّهاية» الضَّوضأة أصوات النَّاس ولغطهم، وكذا الضَّوضأ بلا هاء مقصور، وقال الحميدي المصدر بغير همزٍ.

وفي رواية جرير (( فإذا اقتربت ارتفعوا حتَّى كادوا أن يخرجوا فإذا خمدت رجعوا ) )وعند أحمد (( فإذا أوقدت ) )بدل (( اقتربت ) ).

(قَالَ قُلْتُ لَهُمَا) وفي رواية أبي ذرٍّ لأفهم (مَا هَؤُلاَءِ) الرِّجال والنِّساء العراة (قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ) مرَّتين (قَالَ فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ) وفي رواية جرير بن حازم (( على نهرٍ من دم ) ) (وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ) بفتح أوَّله وسكون المهملة بعدْ موحّدة مفتوحة ثم حاء مهملة؛ أي عائم يعوم (وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ) بصيغة المضارع فيهما (ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ) الرَّجل (الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ) ففاعل يأتي هو الرَّجل السَّابح، وذلك الرَّجل في موضع نصب على المفعوليَّة (فَيَفْغَرُ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الفاء وفتح الغين المعجمة؛ أي فيفتح.

(لَهُ فَاهُ) أي فمه يقال فَغَر فاه، وفَغَر فُوه، يتعدَّى ولا يتعدَّى، ومادته فاء وغين معجمة وراء (فَيُلْقِمُهُ) بضمِّ التَّحتيَّة، من الإلقام (حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ) في النَّهر (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ) وفي رواية الحمويي والمستملي بدل كلَّما (فَغَرَ) أي فتح (لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا) ووقع في رواية جرير بن حازم [خ¦1386] (( فأقبل الرَّجل الَّذي في النَّهر، فإذا أراد أن يخرجَ رمى الرَّجل بحجرٍ في فيه وردَّه حيث كان ) )ويجمع بين الرِّوايتين أنَّه إذا أراد أن يخرج فَغَرَفاه، وأنَّه يلقمه الحجر برميه إيَّاه.

(قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَانِ) الرَّجلان (قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ) مرَّتين (قَالَ فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ) بفتح الميم وسكون الرّاء

ج 29 ص 350

وهمزة ممدودة بعدها هاء تأنيث. قال ابن التِّين أصله المريَيَة تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، ووزنه مفعلة؛ أي كريه المنظر، وأمَّا المِرآة _ بكسر الميم _ فهي الآلة.

(كَأَكْرَهِ) بفتح الرَّاء وكسر الهاء (مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً) بفتح الميم أيضًا (وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا) بحاء مهملة وشين معجمة مشدَّدة مضمومتين؛ أي يحرِّكها ليتَّقد ويوقدها، يقال حششت النَّار أحشها حشًّا إذا أوقدتها وجمعت الحطب إليها.

وقال في «التَّهذيب» حششت النَّار بالحطب ضممتُ ما تفرَّق من الحطب إلى النَّار، وقال ابن العربيّ حشَّ ناره حرَّكها، وحكى في «المطالع» بضمِّ أوَّله، من الإحشاش. وفي رواية جرير بن حازم يحْشُشها _ بسكون الحاء وضمّ الشّين المعجمة المكرَّرة _، وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر .

(وَيَسْعَى حَوْلَهَا) أي حول النَّار، وفي رواية جرير (( ويوقدها ) )وهو تفسيرٌ لقوله يحشّها (قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا) الرَّجل (قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ) مرَّتين (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتِمَةٍ) بضمِّ الميم وسكون المهملة وكسر المثنَّاة الفوقيَّة وتخفيف الميم بعدها هاء تأنيث، ويروى بفتح المثنَّاة وتشديد الميم، من أعتم النبت إذا كثر. وقال الدَّاوديّ أعتمت الرَّوضة غطَّاها الخصب والكلأ، كالعمامة على الرَّأس، وهذا كلُّه على الرِّواية بتشديد الميم، وقال ابن التِّين ولا يظهر للتَّخفيف وجهٌ.

وقال الحافظ العسقلانيّ الَّذي يظهر لي أنَّه من العتمة، وهي شدَّة الظَّلام فوصفها بشدَّة الخضرة كقوله تعالى {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن 64] . انتهى.

أخذه من «المصابيح» حيث قال يلوحُ لي وجه مقبولٌ وذلك أنَّ خضرةَ الزَّرع إذا اشتدَّت وصفت بما يقتضي السَّواد، كقوله تعالى {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى*فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} [الأعلى 4 - 5] .

وقد ذهب الزَّجاج إلى أن أحوى حالٌ من المرعى أُخِّر عن الجملة المعطوفة، وأنَّ المراد وصفه بالسَّواد لأجل خضرته، فلذلك يقال وصفت الرَّوضة لشدَّة خضرتها بالسَّواد، وقيل معتمة من قولك أعتم اللَّيل إذا أظلم. انتهى.

وضبط ابن بطَّال روضة مغِنَّه _ بكسر الغين المعجمة وتشديد النون _، ثمَّ نقلَ عن ابنِ دريد وادٍ أغن

ج 29 ص 351

ومغن إذا كثر شجره، وقال الخليلُ روضة غنَّاء كثيرة العشبِ وقريةُ غنَّاء كثيرةُ الأهل، وفي رواية جرير بن حازم (( روضةٌ خضراء وإذا فيها شجرةٌ عظيمة ) ) [خ¦1386] .

(فِيهَا) أي في الرَّوضة (مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ) بفتح النّون، وهو نوار الشَّجر؛ أي زهره، ونوّرت الشَّجرة، أخرجت نورها، وهي رواية الكُشميهني، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحموي والمستملي باللام والواو والنون (وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ) تثنية ظهرٍ، وفي رواية يحيى بن سعيد (( بين ظهراني الرَّوضة ) )وهما بمعنى، والمراد وسطها (رَجُلٌ طَوِيلٌ) زاد النَّضر (( قائم ) ) (لاَ أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا) بالنَّصب على التَّمييز (فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ) قال الطِّيبيّ أصل هذا الكلام وإذا حَوْلَ الرَّجل ولدانٌ ما رأيت ولدانًا قطُّ أكثر منهم، ونظيره قوله بعد ذلك لم أر روضةً قطّ أعظمَ منها، ولمَّا أن كان هذا التَّركيب يتضمَّن معنى النَّفي جاز زيادة من وقَطّ الَّتي تختصُّ بالماضي المنفي.

وقال ابنُ مالك جاء استعمال قطّ في المثبت في هذه الرِّواية، وهو جائزٌ وغَفَل أكثرهم عن ذلك فخصُّوه بالماضي المنفي.

وقال الكرمانيُّ يحتمل أنَّه اكتفى بالنَّفي الَّذي لزم من التَّركيب، إذ معناه ما رأيتُه أكثر من ذلك، أو يقال إنَّ النَّفي مقدَّرٌ، وسبق نظيره في قوله في صلاة الكسوف (( فصلَّى بأطول قيام رأيته قط ) ) [خ¦1059] . وقال الحافظُ العسقلانيّ والَّذي وجهه به الطِّيبيّ حسن جدًّا.

(قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا) الرَّجل الطَّويل (مَا هَؤُلاَءِ؟) الولدان، قال الطِّيبيّ ومن حقّ الظَّاهر أن يقال من هذا، فكأنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا رأى حاله من الطُّول المفرط، كأنَّه خفي عليه أنَّه من أي جنسٍ هو، أبشرٌ أم ملك أم غير ذلك؟ وسقط في رواية أبي ذرٍّ .

(قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ) مرَّتين (قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ، لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلاَ أَحْسَنَ) وفي رواية أحمد والنَّسائيّ وأبي عَوَانة والإسماعيليّ (( إلى دوحة ) )بدل (( روضة ) )وهي الشَّجرة الكبيرة (قَالَ قَالاَ لِي ارْقَ) أمرٌ من رقى يرقي، ويروى بهاء السَّكت (فِيهَا) أي في الشَّجرة (قَالَ فَارْتَقَيْنَا فِيهَا) وفي رواية أحمد والنَّسائيّ (( فصعدا بي في الشَّجرة ) )

ج 29 ص 352

وهي الَّتي تناسب الرُّقي والصُّعود.

(فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ) من مَدَن بالمكان إذا أقامَ به، على وزن فعيلة، ويجمع على مَدَائن، بالهمزة، وقيل هي مفعلة من دنت؛ أي ملكت، فعلى هذا لا يهمزُ جمعها، فإذا نسبَ إلى مدينة الرَّسول صلى الله عليه وسلم قلت مدنيّ، وإلى مدينة منصور قلت مديني، وإلى مدينة كسرى، قلت مدائني.

(مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ) اللَّبِن _ بفتح اللَّام وكسر الموحّدة _ جمع لبنة، وأصلها ما يبنى به من طينٍ (فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا) أي فاستفتحناها (فَفُتِحَ لَنَا) بضمِّ الفاء على البناء للمفعول (فَدَخَلْنَاهَا) وفي رواية جرير بن حازم (( فأدخلاني دارًا لم أر قطّ أحسن منها، فيها رجالٌ شيوخ وشباب ونساء وفتيان، ثمَّ أخرجاني منها فأدخلاني دارًا هي أحسن منها ) ).

(فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ) أي نصف (مِنْ خَلْقِهِمْ) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللَّام بعدها قاف؛ أي هيئتهم (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ) قوله شطر مبتدأ، وكأحسن خبره والكاف زائدة، والجملة صفة رجال (وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ) يحتمل أن يكون المراد أنَّ نصفهم حسنٌ كلُّه، ونصفهم قبيحٌ كلُّه، ويحتمل أن يكون كلُّ واحدٍ منهم نصفه حسنٌ، ونصفُه قبيحٌ، والثَّاني هو المراد ويؤيِّده قوله في صفتهم هؤلاء قومٌ خلطوا؛ أي عمل كلٌّ منهم عملًا صالحًا، وخلطه بعملٍ سيّءٍ.

(قَالَ قَالاَ) أي الملكان (لَهُمُ اذْهَبُوا فَقَعُوا) بفتح القاف وضم العين، أمرٌ لجماعة بالوقوع، أصله اوقعوا؛ لأنَّه من وقع يقعُ، حذفت الواو تبعًا لحذفها في المضارع واستغنى عن الهمزة، فبقي قعوا على وزن عَلُوا (فِي ذَلِكَ النَّهَرِ) والمراد أنَّهم ينغمسون فيه لتغسل تلك الصِّفة بهذا الماء الخالص (قَالَ وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ) أي يجري عرضًا (يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِي الْبَيَاضِ) المَحْض _ بفتح الميم وسكون المهملة وبالضّاد المعجمة _ هو اللَّبن الخالص عن الماء حلوًا كان أو حامضًا، وقد بيَّن وجه التَّشبيه بقوله في البياض. قال الطِّيبيّ كأنَّهم سمُّوا اللَّبن بالصِّفة ثمَّ استعمل في كلِّ صافٍ، قال

ج 29 ص 353

ويحتمل أن يرادَ بالماء المذكور عفو الله عنهم أو التَّوبة منهم، كما في الحديث (( اغسل خطاياي بالماء والثَّلج والبرد ) ) [خ¦744] .

(فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ) أي في النَّهر (ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا) حال كونهم (قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ) أي صار الشَّطر القبيح كالشَّطر الحسن (فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (قَالاَ لِي هَذِهِ) أي المدينة (جَنَّةُ عَدْنٍ) أي إقامة (وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَسَمَا) بفتح السِّين المهملة والميم المخفَّفة؛ أي نظر إلى فوق (بَصَرِي صُعُدًا) بضمِّ المهملتين وتنوين الدَّال المهملة؛ أي ارتفع كثيرًا. وقال الكرمانيّ صعدًا بمعنى صاعدًا، وقيل صُعَداء _ بضمِّ الصَّاد وفتح العين وبالمدّ _، ومنه تنفُّس الصُّعداء؛ أي تنفّس تنفسًا ممدودًا، وكذا ضبطه ابن التِّين.

(فَإِذَا قَصْرٌ) كلمة إذا للمفاجأة (مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ) الرَّبابة _ بفتح الرّاء وتخفيف الموحّدتين المفتوحتين _ هي السَّحابة البيضاء، ويقال كلُّ سحابةٍ منفردة دون السَّحاب ولو لم تكن بيضاء.

وقال الخطَّابيّ الرَّبابة السَّحابة الَّتي ركب بعضُها على بعضٍ، وقال صاحب «العين» الرَّباب السَّحاب، قد يكون أبيض، وقد يكون أسود، وقال الدَّاوديّ الرَّبابة السَّحابة البعيدة في السَّماء، وفي رواية جرير (( فرفعت رأسي فإذا هو في السَّماء ) ).

(قَالَ قَالاَ لي هَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَ قُلْتُ لَهُمَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا ذَرَانِي) بفتح الذّال والرَّاء؛ أي دعاني واتركاني، أمرٌ من وَذَر يَذَر، كقولك دع من وَدَع يَدَع، وأميت ماضي هذا الفعل ولم يُستعمل (فَأَدْخُلَهُ) جواب الأمر منصوبٌ بتقدير أن بعد الفاء، ويروى بالجزم والرَّفع أمَّا الجزم فلأنَّه جواب الأمر، وأمَّا الرَّفع فعلى تقدير أنا أدخله.

(قَالاَ أَمَّا الآنَ فَلاَ، وَأَنْتَ دَاخِلُهُ) في الأخرى، وفي رواية جرير بن حازم في الجنائز (( فقلت دعاني أدخل منزلي، قالا إنَّه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملتَه أتيت منزلك ) ). وقد قيل إنَّه صلى الله عليه وسلم رفع بعد موته إلى الجنَّة، وعُورض بقوله صلى الله عليه وسلم (( أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض ) )، فإنَّه مشعرٌ بأنَّه في قبره الشَّريف

ج 29 ص 354

وأجيب باحتمال أنَّ لروحه الشَّريفة انتقالاتٌ من مكانٍ إلى آخر، وتصرُّفات في الكون، كيف شاء الله تعالى.

(قَالَ قُلْتُ لَهُمَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا) وسقط لفظ في رواية أبي ذرٍّ (فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ قَالاَ لِي أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النّون (سَنُخْبِرُكَ) عنه، وفي رواية جرير (( فقلت طوفتماني اللَّيلة ) )وهي بموحّدة أو بنون، فأخبراني عمَّا رأيت قالا نعم (أَمَّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم (الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ) بكسر الفاء، ويقال بضمِّها؛ أي يتركه. قال ابن هبيرة رَفْضُ القرآن بعد حفظه جنايةٌ عظيمةٌ؛ لأنَّه يوهم أنَّه رأى فيه ما يوجبُ رفضه، ولمَّا رفض أشرف الأشياء وهو القرآن عوقب في أشرف أعضائه وهو الرَّأس.

(وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ) هذا أوضحُ من رواية جرير بن حازم بلفظ (( علَّمه الله القرآن فنام عنه باللَّيل، ولم يعمل فيه بالنَّهار ) ). فإنَّ ظاهره أنَّه يعذب على ترك قراءة القرآن باللَّيل؛ بخلاف رواية عوف، فإنَّه على ترك الصَّلاة المكتوبة، ويحتمل أن يكون التَّعذيب على مجموعِ الأمرين ترك القراءة، وترك العملِ، وقيل جعلت العقوبة في رأسه لنومهِ عن الصَّلاة، والنَّوم موضعه الرَّأس.

(وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ) بفتح الشّينين (شِدْقُهُ) بكسر الشِّين (إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو) بالغين المعجمة؛ أي يخرج (مِنْ بَيْتِهِ) مبكر (فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ) بفتح الكاف وسكون الذَّال المعجمة (تَبْلُغُ الآفَاقَ) وفي رواية جرير بن حازم (( فكذوب يحدِّث بالكذبة تحملُ عنه حتَّى تبلغَ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة ) )وإنَّما استحقَّ التَّعذيب لما ينشأ من تلك الكذبةِ من المفاسد، وهو فيها مختار لا مُلجأ غير مكرهٍ.

وقال ابن العربيِّ شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحلِّ المعصية، وقال ابن هبيرة لما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه لسانه على الكذب بترويج باطله، وقعت المشاركة بينهما في العقوبة.

(وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ

ج 29 ص 355

الْعُرَاةُ) جمع عار (الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ) وفي رواية جرير (( والَّذي رأيته في الثُّقب ) ) (فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ) جمع زان (وَالزَّوَانِي) جمع زانية، ومناسبة العري لهم؛ لأنَّ عادتهم أن يستتروا بالخلوة، فعوقبوا بالهتك، والحكمة في إتيان العذاب لهم من تحتهم كون جنايتهم من أعضائهم السُّفلى (وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ) بضمّ التّحتيّة وفتح القاف، والحجر مفعول ثانٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر (فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا) بمدّ همزة آكل وكسر الكاف. قال ابن هبيرة إنَّما عوقب آكل الرِّبا بسباحته في النَّهر الأحمر وإلقامه الحجر؛ لأنَّ أصل الرِّبا يجري في الذَّهب والذَّهب أحمر، وأمَّا إلقام الملك له الحجر فإنَّه إشارةٌ إلى أنَّه لا يغني عنه شيئًا، وكذلك الرِّبا، فإنَّ صاحبه يتخيَّل أنَّ ماله يزدادُ والله من وراء يمحقه.

(وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ) بفتح الميم وسكون الرّاء وبالمدّ (الَّذِي عِنْدَ النَّارِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بزيادة الضّمير وبالرَّفع (يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ) وإنَّما كان كريه المنظر؛ لأنَّ في ذلك زيادة في عذاب أهل النَّار (وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، وفي رواية جرير والشَّيخُ في أصل الشَّجرة إبراهيمُ عليه السَّلام، وإنَّما اختصَّ إبراهيم عليه السَّلام لأنَّه أبو المسلمين، قال الله تعالى {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج 78] وقال تعالى {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} [آل عمران 68] الآية. وفي رواية النَّضر بن شُمَيل (( ولد على الفطرة ) )وهي أشبَه بقوله في الرِّواية الأخرى وأولاد المشركين، وفي رواية أخرى (( فأولاد النَّاس ) ). وقد وقع في حديث أبي أمامة (( ثمَّ انطلقنا فإذا نحن بجَوارٍ وغلمان يلعبون بين نهرين، فقلت ما هؤلاء؟ قال ذريَّة المؤمنين ) ).

(قَالَ) أي سَمُرة رضي الله عنه (فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ) قال الحافظ العَسقلاني لم أقف على اسمه (يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ؟) الَّذين ماتوا على الفطرة داخلون في زمرة هؤلاء الولدان، سقطت الواو الأولى من قوله في رواية ابن عساكر.

ج 29 ص 356

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مجيبًا (وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ) فيهم، وظاهره الحكم لهم بالجنَّة ولا يعارضه قوله (( إنَّهم من آبائهم ) )؛ لأنَّ ذلك في الدُّنيا، وقد تقدَّم البحث فيه مستوفى في أواخر (( الجنائز ) ) [خ¦1386] (وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطَرٌ مِنْهُمْ قَبِيحًا) وفي رواية أبي ذرٍّ بنصب شطرًا في الموضعين ورفع حسن وقبيحٌ ولكلِّ وجه. وفي رواية النَّسفيّ والإسماعيليّ بالرّفع في الجميع، وعليه اقتصر الحميديّ في «جمعه» على أنَّ كان تامَّة، والجملة حاليَّة وإن كان بدون الواو كقوله تعالى {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة 36] .

(فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ) وزاد جرير بن حازم في روايته (( والدَّار الأولى دخلت دارُ عامَّةِ المؤمنين، وهذه الدَّار دار الشُّهداء، وأنا جبرئيل وهذا ميكائيل ) ).

وفي حديث أبي أُمامة رضي الله عنه (( ثمَّ انطلقنا فإذا نحن برجالٍ ونساءٍ أقبح شيء منظرًا وأنتنه ريحًا كأنَّما ريحهم المراحيض، قلت ما هؤلاء؟ قال هو الزَّواني والزناة، ثمَّ انطلقنا فإذا نحن بموتى أشدُّ شيء انتفاخًا وأنتنه ريحًا، قلت ما هؤلاء؟ قال هؤلاء مَوتى الكفَّار، ثمَّ انطلقنا فإذا نحن برجالٍ نيام تحت ظلال الشَّجر، قلت ما هؤلاء؟ قال هؤلاء موتى المسلمين، ثمَّ انطلقنا، فإذا نحن برجالٍ أحسن شيءٍ وجهًا وأطيبه ريحًا، قلت ما هؤلاء؟ قال هؤلاء الصِّدِّيقون والشُّهداء والصَّالحون ) ).

وفي هذا الحديث من الفوائد أنَّ الإسراء وقع مرارًا يقظةً ومنامًا على أنحاء شتَّى.

وفيه بعض العصاة يعذَّبون في البرزخ.

وفيه نوعٌ من تلخيص العلم، وهي أن يجمعَ القضايا جملة ثمَّ نفصلها على الولاء ليجتمع تصوُّرها في الذِّهن.

وفيه التَّحذير من النَّوم عن الصَّلاة المكتوبة وعن رفض القرآن لمن يحفظه، وعن الزِّنا وأكل الرِّبا وتعمَّد الكذب، وأنَّ الَّذي له قصر في الجنَّة لا يقيم فيه وهو في الدَّنيا، بل إذا مات حتَّى النَّبيّ والشَّهيد.

وفيه الحثُّ على طلب العلم واتِّباع من يلتمس منه ذلك.

وفيه فضل الشُّهداء وأنَّ منازلهم في الجنَّة

ج 29 ص 357

أرفع المنازل، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أرفع درجةً من إبراهيم عليه السَّلام؛ لاحتمال أن تكون إقامته هناك بسبب كفالته للولدان كما تقدَّم في الإسراء أنَّه رأى آدم عليه السَّلام في السَّماء الدُّنيا وإنَّما كان ذلك لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير ومن أهل الشَّر فيضحك ويبكي مع أنَّ منزلته في علِّيين، فإذا كان يوم القيامة استقرَّ كلٌّ منهم في منزلته.

وفيه أنَّ من استوت حسناته وسيئاته يتجاوز الله عنه، اللهمَّ تجاوز عنَّا برحمتك يا أرحم الرَّاحمين.

وفيه الاهتمام بأمر الرُّؤيا بالسُّؤال عنها وفضل تعبيرها واستحباب ذلك بعد صلاة الصُّبح؛ لأنَّه الوقت الَّذي يكون فيه البال مجتمعًا.

وفيه استقبال الإمام أصحابه بعد الصَّلاة إذا لم يكن بعدها راتبة، وأراد أن يعظهم أو يفتيهم أو يحكم بينهم.

وفيه أنَّ استدبار القبلة للإقبال عليهم لا يكره بل يشرع كالخطيب.

وقال الكرمانيُّ مناسبة العقوبات المذكورة فيه للجنايات ظاهرةٌ إلَّا الزِّنا ففيها خفاءٌ، وبيانه أنَّ العري فضيحة كالزِّنا، والزَّاني من شأنه طلب الخلوة، فناسبه التَّنور، ثمَّ هو خائفٌ حذرٌ حالَ الفعل كأنَّ تحتَه النَّار. وقال أيضًا الحكمة في الاقتصار على من ذكر من العصاة دون غيرهم أنَّ العقوبة تتعلَّق بالقول أو الفعل، فالأوَّل على وجود ما لا ينبغي منه أو ترك ما ينبغي منه أن يقال. والثَّاني إمَّا بدنيٌّ أو مالي، فذُكر لكلٍّ منها مثالٌ ينبِّه به على ما عداه كما نبَّه بمن ذكر من أهل الثَّواب، وأنَّهم أربع درجاتٍ درجة النَّبيّ، ودرجات الأمَّة أعلاها للشُّهداء، وثانيها من بلغ، وثالثها من كان دون البلوغ. انتهى ملخصًا، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( ذات غداةٍ ) )؛ لأنَّ الغداة ما قبل طلوع الشَّمس.

وقد أخرجه البخاري مقطعًا في (( الصَّلاة ) ) [خ¦845] ، و (( الجنازة ) ) [خ¦1386] ، و (( البيوع ) ) [خ¦2085] ، و (( الجهاد ) ) [خ¦2791] ، و (( بدء الخلق ) ) [خ¦3236] ، و (( صلاة اللَّيل ) ) [خ¦1143] ، و (( الأدب ) ) [خ¦6096] و (( التَّفسير ) ) [خ¦4647] ، ولم يخرجه تامًّا إلَّا هنا وفي أواخر (( كتاب الجنائز ) ) [خ¦1386] .

وأخرجه مسلم في (( الرُّؤيا ) )والتِّرمذيّ فيه والنَّسائيّ فيه وفي (( التَّفسير ) )بأكثره.

خاتمة اشتمل (( كتاب التَّعبير ) )من الأحاديث المرفوعة على تسعةٍ وتسعين حديثًا، الموصول منها اثنان وثمانون، والبقيَّة ما بين معلَّق ومتابعة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى خمسةٌ وسبعون طريقًا، والبقيَّة خالصة، وافقه مسلمٌ على تخريجها إلَّا حديث أبي سعيدٍ (( إذا رأى أحدكم الرُّؤيا يحبّها ) ) [خ¦6985] ، وحديث (( الرُّؤيا الصَّالحة جزءٌ من ستَّة وأربعين ) ) [خ¦6989] ، وحديث عكرمة عن ابن عبَّاس وهو يشتمل

ج 29 ص 358

على ثلاثة أحاديث (( من تحلّم ومن استمع ومن صوّر ) ) [خ¦7042] ، وحديث ابن عمر (( من أفرى الفرى أن يُري عينيه ما لم ير ) ) [خ¦7043] . وفيه من الآثار عن الصَّحابة والتَّابعين عشرة آثار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت