فهرس الكتاب

الصفحة 10505 من 11127

7084 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى، قال (حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الحافظ أبو العبَّاس عالم أهل الشَّام، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ) هو عبدُ الرَّحمن بن يزيد بن جابر، كما صرَّح به مسلم في روايته عن محمَّد بن المثنى شيخ البخاريّ فيه، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضمّ الموحّدة وسكون المهملة، وعبيد الله بالتَّصغير (الْحَضْرَمِيُّ) بفتح الحاء المهملة وسكون الضّاد المعجمة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ) عائذ الله بالذّال المعجمة (الْخَوْلاَنِيَّ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو (أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ) رضي الله عنه.

(يَقُولُ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ) قال الطِّيبيّ أي الفتنة، ووهن عُرَى الإسلام، واستيلاء الضَّلال، وفشّوا البدعة (مَخَافَةَ) أي لأجل مخافة (أَنْ يُدْرِكَنِي) أي الشَّر، وكلمة أنْ مصدريَّة، وعند ابنِ أبي شيبة وعرفت أنَّ الخيرَ لن يسبقني.

(فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ) يشير به إلى ما كان عليه قبل الإسلام من الكفر وقتل بعضهم بعضًا ونهب بعضهم بعضًا وارتكاب الفواحش (فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ) يعني الإيمانَ والأمنَ وصلاحَ الحال واجتنابَ الفواحش، ببعثك وتشييدِ مباني الإسلام، وهدم قواعد الكفر والضَّلال، وزاد مسلمٌ في رواية أبي الأسود عن حذيفة (( فنحن فيه ) ).

(فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ) الَّذي نحن فيه (مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ) وفي رواية نصر بن عاصم (( فتنة ) )، وفي رواية سُبيع بن خالد عن حذيفة عند ابن أبي شيبة (( فما العصمة منه، قال السَّيف قال فهل بعد السَّيف من بقية؟ قال نعم هدنة ) )، والمراد بالشَّر ما يقعُ من الفتن من بعد قتل عثمانَ رضي الله عنه وهلمَّ جرًّا، وما يترتَّب على ذلك من عقوبات الآخرة، كذا قال الحافظ العَسقلانيّ.

(وَفِيهِ دَخَنٌ) بفتح الدَّال المهملة والخاء المعجمة، وهو مصدر دخنت النَّار تدخن إذا أُلقي عليها حطبٌ رَطْبٌ، فإنَّه يكثر دخانها وتفسد، وقيل المراد الدُّخان، قيل وهو الحقد، وقيل الدَّغل وقيل فسادٌ في القلب، ومعنى الثَّلاثة متقاربٌ، أراد أنَّه ليس خيرًا خالصًا بل فيه كُدورة بمنزلة الدُّخان من النَّار، وقيل الدّخن كلُّ أمرٍ مكروه.

وقال النَّووي المراد من الدَّخَن أن لا تَصْفُوَ القلوبُ بعضها لبعضٍ، كما كانت عليه من الصَّفا، والحاصل أنَّه يحصل فساد واختلاف.

قال حذيفة (قُلْتُ) يا رسول الله (وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ) بفتح أوله (بِغَيْرِ هَدْيٍ) بياء الإضافة بعد الياء عند الأكثرين وبياء واحدة بالتَّنوين في رواية الكُشميهني؛ أي بغير سنَّتي وطريقتي، وفي رواية أبي الأسود (( يكون بعدي أئمَّة يهتدون بهديي ولا يستنّون بسنَّتي ) ) (يعرف مِنْهُمْ) أي من القوم المذكورين الخير من أعمالهم (وينكر) أي من أعمالهم الشَّرّ، وهو من المقابلة المعنويَّة.

قال القاضي عِياض المراد بالشَّرّ الأوَّل الفتن الَّتي وقعت بعد عثمان رضي الله عنه وبالخير الَّذي بعده ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز، وبالَّذين يعرف منهم وينكر، الأمراءُ بعده، فكان فيهم من يتمسَّك بالسُّنة والعدل، وفيهم من يدعو إلى البدعة والضَّلالة ويعمل بالجور كالخوارج.

وقال الكرمانيّ يحتمل أن يراد بالشَّرّ الأوَّل زمان قتل عثمان رضي الله عنه، وبالخير بعده خلافة عليٍّ رضي الله عنه، والدَّخَن الخوارج ونحوهم، والشَّرّ بعده زمان الَّذين يلعنونه على المنابر، قال الحافظ العَسقلاني والَّذي يظهر أنَّ المراد بالشَّرّ الأوَّل ما أشار إليه من الفتن الأولى، وبالخير ما وقع من الاجتماع على معاوية، وبالدَّخَن ما كان في زمنه من بعض الأمراء كزياد العراق وخلاف من خالف عليه من الخوارج، والله تعالى أعلم.

وقيل قوله وتُنكر، خبر بمعنى الأمر؛ أي أنكر عليهم صدور المنكر عنهم، قال حذيفة رضي الله عنه (قُلْتُ) يا رسول الله (فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ نَعَمْ، دُعَاةٌ) بضمِّ الدَّال، جمع داعٍ، مِنْ دعاه (عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ) أي جماعةٌ يدعون النَّاس إلى الضَّلالة ويصدُّونهم عن الهدى بأنواعٍ من التَّلبيس، وأطلق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم، كما يقال لمن أمرَ بفعلٍ محرَّم وقف على شفير جهنَّم.

(مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ) بالذَّال المعجمة (فِيهَا) أي في النَّار، قال حذيفة (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا) بكسر الجيم وسكون اللَّام؛ أي من قومنا وعشيرتنا، وهي في الأصل غشاء البدن (وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا) أي من أهل لساننا أو ملَّتنا، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم من العرب، وقال الدَّاوديّ من بني آدم.

وقال القاضي معناه أنَّهم في الظَّاهر على ملَّتنا وفي الباطن مخالفون، قيل ويؤيِّد إرادة العرب أنَّ السّمرة غالبةٌ عليهم، واللَّون إنَّما يظهر في الجلد، ووقع في رواية أبي الأسود (( فيهم رجالٌ قلوبهم قلوب الشَّياطين في جثمان أنس ) )، وجُثْمان _ بضمّ الجيم وسكون المثلّثة _ هو الجسدُ ويطلق على الشَّخص.

قال الحافظ العَسقلانيّ والَّذي يظهرُ أنَّ المراد بهم من قام في طلب المُلك من الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.

قال حذيفة (قُلْتُ) يا رسول الله (فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ) بكسر الهمزة؛ أي أميرهم؛ أي وإن جار، وعند مسلمٍ من طريق أبي الأسود عن حذيفة تسمع وتطيعُ وإن ضربَ ظهرك وأخذ مالك، وعند الطَّبرانيّ من رواية خالد بن سبيع (( فإن رأيت خليفة فالزمه، وإن ضربَ ظهرك، فإن لم يكن خليفةً فالهرب ) ).

قال حذيفة (قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ) بفتح العين المهملة وتشديد الضّاد المعجمة، من عضَّ يعضُّ من باب علم يعلم؛ أي ولو كان الاعتزال من تلك الفرق بالعض (بِأَصْلِ شَجَرَةٍ) ولا تعدل عنه، ولفظ تعضّ منصوبٌ عند الرُّواة كلِّهم، وجوَّز بعضهم الرَّفع، ولا يجوز ذلك إلَّا إذا جعل أنْ مخففة من الثَّقيلة، إلَّا أنَّه قال في «المغني» لا تلي لو.

قال التُّوربشتي أي تمسك بما يصبّرك وتقوِّي به عزيمتك على اعتزالهم ولو بما لا يكاد يصحُّ أن يكون متمسكًا، وقال الطِّيبيّ هذا شرطٌ تعقَّب به الكلام تتميمًا ومبالغةً؛ أي اعتزل النَّاس اعتزالًا لا غاية بعده، ولو قنعت فيه بعض الشَّجر افعل فإنَّه خيرٌ لك.

(حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) العضِّ، وهو كنايةٌ عن شدَّة المشقَّة، وفي رواية عبد الرَّحمن بن قرط عن حذيفة عند ابن ماجه (( فلأن تموتَ وأنت عاضٌّ على جَذْلٍ، خيرٌ لك من أن تتبعَ أحدًا منهم ) ).

والجَذْل _ بكسر الجيم وسكون المعجمة بعدها لام _ عُودٌ ينصب ليُحنّك به الإبل، وقيل قوله وأنت على ذلك، وقال الطَّبريّ وفيه لزوم الجماعة الَّذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، فإن لم يكن ثمَّة إمامٌ وافترق النَّاس فرقًا فليعتزل الجميع إن استطاعَ خشية الوقوع في الشَّر، هو كنايةٌ عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عَصَوا.

وقال البيضاوي المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصَّبر على تحمُّل شدَّة الزَّمان، وعضُّ أصل الشَّجرة كنايةٌ عن مكابدة المشقَّة، كقولهم فلان يعضُّ الحجارة من شدَّة الألم، والمراد اللُّزوم، كقوله في الحديث الآخر (( عضّوا عليها بالنَّواجذ ) ).

وقال ابن بطَّال فيه حجَّةٌ لجميع الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمَّة الجّور؛ لأنَّه وصف الطَّائفة الأخيرة بأنَّهم دعاةٌ على أبواب جهنَّم ولم يقل فيهم يُعرف ويُنكر كما قال في الأوَّلين، وهم لا يكونون كذلك إلَّا وهم على غير حقٍّ، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة ولم يأمر بتفريق كلمتهم وشقِّ عصاهم.

واختلفوا في صفة الأمر بذلك، فقال بعضهم هو أمرُ ندبٍ، وقال آخرون هو أمر إيجابٍ بلزوم الجماعة وهي السَّواد الأعظم، ثمَّ ساق عن محمَّد بن سيرين عن أبي مسعودٍ أنَّه وصّى من سأله لمَّا قُتل عثمانُ عليك بالجماعة؛ فإنَّ الله لم يكن ليجمع أمَّة محمَّد على الضَّلالة.

وقد احتجَّ بعضهم على أنَّ المراد بالجماعة هم العلماءُ برواية ابن ماجه من حديث أنسٍ رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ بني إسرائيل افترقتْ على إحدى وسبعين فرقةً، وإنَّ أمَّتي ستفترقُ على ثنتين وسبعين فرقةً كلُّها في النَّار إلَّا واحدة ) )، وهي الجماعة الَّتي أمر الشَّارع بلزومها، وهي جماعة أئمَّة العلماء؛ لأنَّ الله تعالى جعلهم حجَّة على خلقه وإليهم يفزعُ العامَّة في دينهم، وهم تبعٌ لها وهم المعنيّون بقوله (( إنَّ الله لن يجمع أمَّتي على الضَّلالة ) ).

وقال آخرون هم جماعة الصَّحابة الَّذين قاموا بالدِّين وقوَّموا عماده وثبّتوا أوتاده، وقال آخرون هم جماعةُ أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمرٍ واجبٍ على أهلِ الملل اتّباعُه، فإذا كان فيهم مخالفٌ منهم فليسوا مجتمعين.

قال ابنُ أبي جمرة في الحديث حكمة الله في عباده كيف أقام كلًّا منهم فيما شاء، فحبَّب إلى أكثر الصَّحابة السُّؤال عن وجوه الخير ليعملوا بها ويبلغوها غيرهم، وحبّب لحذيفة السُّؤال عن الشَّرّ ليجتنبه ويكون سببًا في دفعه عمَّن أراد الله له النَّجاة، وفيه سعة صدر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ومعرفته بوجوه الحكم كلِّها حتَّى كان يجيب كلُّ من سأله بما يناسبه، ويؤخذ منه أنَّ كلَّ من حبَّب إليه شيءٌ فإنَّه يفوق فيه غيره، ومن ثمَّة كان حذيفة صاحب السِّرّ الَّذي لا يعلمه غيره، حتَّى خُصَّ بمعرفة أسماء المنافقين وبكثيرٍ من الأمور الآتية، ويؤخذ منه أنَّ من آداب التَّعليم أن يُعلَّم التِّلميذ من أنواع العلوم ما يراه مائلًا إليه من العلوم المباحة، فإنَّه أجدر أن يُسرعَ إلى تفهُّمه والقيام به، وأنَّ كلَّ شيءٍ يهدي إلى طريق الخير يسمَّى خيرًا، وكذا بالعكس.

ويؤخذ منه ذمُّ مَن جعل للدِّين أصلًا خلاف الكتاب والسُّنّة، وجعلهما فرعًا لذلك الأصل الَّذي ابتدعوه، وفيه وجوب ردِّ الباطل وكلُّ ما خالف الهدي النَّبويّ، ولو قاله من رفيعٍ أو وضيع.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمام ... ) )إلى آخره.

وقد مضى الحديث في (( علامات النُّبوّة ) ) [خ¦3606] ، وأخرجه مسلمٌ في (( الفتن ) )، وكذا ابن ماجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت