7086 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلّثة، العبديّ، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية ابن عساكر (سُفْيَانُ) هو الثَّوريّ، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكوفي (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو سكون الهاء، الجهنيّ، أنَّه قال (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ) بن اليمان رضي الله عنه (قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ) في ذكر الأمانة ورفعها (رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ حَدَّثَنَا أَنَّ الأَمَانَةَ) أي المذكورة في قوله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأحزاب 72] الآية، وهي عينُ الإيمان أو كلُّ ما يخفى ولا يعلمه إلَّا الله من المكلف، أو المراد بها التَّكليف الَّذي كلَّف الله تعالى به عباده، أو العهد الَّذي أخذ عليهم.
(نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) بفتح الجيم وكسرها لغتان، وسكون الذّال المعجمة بعدها راء؛ أي في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ) بفتح العين وكسر اللَّام مخفَّفة؛ أي بعد نزولها في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) كذا في هذه الرِّواية بإعادة ثمَّ، يعني أنَّ الأمانة لهم بحسب الفطرة ثمَّ بطريق الكسب من الشَّريعة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يتعلَّمون القرآن قبل أن يتعلَّموا السُّنن، والمراد بالسّنن ما يتلقَّونه عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم واجبًا كان أو مندوبًا.
(وَحَدَّثَنَا) أي النَّبيّ صلى الله عليه وسلم (عَنْ رَفْعِهَا) أي عن ذهابها أصلًا حتَّى لا يبقى من يوصف بالأمانة إلَّا النَّادر، وهذا هو الحديث الثَّاني الَّذي ذَكر حذيفة أنَّه ينتظره، ولا يعكِّر على ذلك ما ذكره في آخر الحديث ممَّا يدلُّ على قلَّة مَن يُنسب للأمانة، فإنَّ ذلك بالنِّسبة إلى حال الأوّلين فالَّذين أشار إليهم بقوله ما كنت أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا هم من أهل العصر الأخير الَّذي أدركه، والأمانة فيهم بالنِّسبة إلى العصر الأوَّل أقلّ، وأمَّا الَّذي ينتظره، فإنَّه حيث تفقد الأمانة من الجميع إلا النَّادر.
(قَالَ يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ) بضمّ الفوقيّة وسكون القاف وفتح الموحّدة (فَيَظَلُّ أَثَرُهَا) بالظّاء المعجمة (مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ) بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مثنّاة فوقيّة، سوادٌ في اللَّون، وقيل اللَّون المخالف للون الَّذي قبله، يقال وكت البسر إذا بدت فيه نقطة الإرطاب (ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ) أي الأمانة من قلبه.
(فَيَبْقَى أَثَرُهَا) وفي رواية الأكثرين (مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ) بفتح الميم وسكون الجيم وقد تفتح بعدها لام، هو التَّنفّط الَّذي يحصل في اليد من العمل، وقيل هو غلظُ الجلد من أثر العمل (كَجَمْرٍ) بفتح الجيم وسكون الميم (دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ) بكسر الفاء بعد النّون المفتوحة؛ أي صار متنفّطًا ولم يؤنّث الضَّمير باعتبار العضو.
(فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا) بضمّ الميم وسكون النّون وفتح الفوقيّة وكسر الموحّدة؛ أي منتفخًا، من الانتبار وهو الارتفاعُ ومنه المنبر (وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ) أي السّلع ونحوها بأن يشتريها أحدهما من الآخر (فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ) يعني أنَّه يرفع الأمانة، وأنَّ الموصوف بالأمانة يسلبها حتَّى يصيرَ خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنَّما يقعُ على ما هو مشاهدٌ لمن خالط أهل الخيانة، فإنَّه يصير خائنًا؛ لأنَّ القرين يقتدي بقرينه.
(فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ) بالعين المهملة والقاف (وَمَا أَظْرَفَهُ) بالظّاء المعجمة (وَمَا أَجْلَدَهُ) بالجيم (وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) وإنَّما ذكر الإيمان؛ لأنَّ الأمانة لا ذمَّة لها لا أنَّ الأمانة هي الإيمان.
قال حذيفة (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ) بتشديد الياء (زَمَانٌ) كنت أعلم فيه أنَّ الأمانة موجودةٌ في النَّاس (وَلاَ أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ) أي بعت أو اشتريت غير مبالٍ بحاله، وليس المراد بالمبايعة المبايعة بالخلافة ولا الإمارة (لَئِنْ كَانَ) بفتح اللَّام وكسر الهمزة (مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ) بتشديد الياء (الإِسْلاَمُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني فلا يخونني بل يحمله إسلامه على أداء الأمانة، فأنا راضٍ وأثقُ بأمانته (وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا) أو يهوديًّا (رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) أي الوالي عليه يقوم بولايته، فينصفني ويستخرج حقِّي، وأما اليوم فقد ذهبت الامانة فلا أثق بأحدٍ في بيع ولا في شراء (فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ) وفي رواية (إِلاَّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا) أي أفرادًا من النَّاس قلائل ممَّن أثقُ به، فكان يثقُ بالمسلم لذاته، وبالكافر لوجودِ ساعيه، وهو الحاكم الَّذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كلِّ عملٍ قلَّ أو حلّ إلَّا المسلم، فكان واثقًا بإنصافه، وتخليصه حقَّه من الكافر إن خانه؛ بخلاف الوقت الآخر الَّذي أشار إليه، فإنَّه صار لا يبايع إلَّا أفرادًا من النَّاس يثقُ بهم، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ حالَ الأمانة أخذ في النَّقص من ذلك الزَّمان، وكانت وفاة حذيفة رضي الله عنه أولى سنة ستٍّ وثلاثين بعد قتل عثمان رضي الله عنه بقليل، فأدرك بعض الزَّمن الَّذي وقع فيه التَّغيير فأشار إليه.
وقال ابنُ العربيّ المراد بالأمانة في حديث حذيفة رضي لله عنه الإيمان، وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها أنَّ الأعمال السَّيّئة لا تزالُ تُضْعِفُ الإيمان حتَّى إذا تناهى الضَّعف لم يبق إلَّا أثر الإيمان، وهو التَّلفظ باللِّسان والاعتقاد الضَّعيف في ظاهر القلب، فشبَّهه بالأثر في ظاهر البدن، وكنَّى عن ضعف الإيمان بالنَّوم، وضرب مثلًا لزهوق الإيمان عن القلب حالًا حالًا بزهوقِ الحجر عن الرِّجل حتَّى يقع بالأرض.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من معناه، وقد سبق هذا الحديث بعينه متنًا وسندًا في باب رفع الأمانة من (( كتاب الرّقاق ) ) [خ¦6497] .