فهرس الكتاب

الصفحة 10577 من 11127

7141 - (حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحّدة العبديُّ الكوفيُّ، وهو شيخ مسلم أيضًا، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) بضمّ الحاء، ابن عبد الرَّحمن، هو الرُّؤاسيّ _ بضمّ الرّاء وتخفيف الهمزة ثم مهملة _ القيسيّ الكوفيّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالدٍ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن مسعودٍ رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ) أي خَصلتين.

(رَجُلٌ) ، قال الحافظ العسقلانيُّ بالجرِّ، ولم يبيِّن وجهه، قال ويجوز الرَّفع على الاستئناف، والنَّصب بإضمار أعني، فافهم.

(آتَاهُ) أي أعطاه (اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتحاتٍ؛ أي على إهلاكه وإنفاقه (فِي الْحَقِّ، وَ) رجلٌ (آخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً) بكسر الحاء وسكون الكاف، علمًا وافيًا، والمراد به عِلْمُ الدِّين، قاله الكرمانيُّ، وقيل القرآن، كما في حديث ابن عمر، أو أعمُّ من ذلك، وضابطها ما يمنعه الجهل ويزجره عن القبح (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) أي بالحكمة بين النَّاس (وَيُعَلِّمُهَا) لهم.

قال ابنُ المُنيّر المراد بالحسد هنا الغبطة، وليس المراد بالنَّفي حقيقته، وإلَّا لزم الخُلْف؛ لأنَّ النَّاس حسدوا في غيرهما، وغبطوا من فيه سواهما، فليس هو خبرًا، وإنَّما المراد به الحكم، ومعناه حصر المرتبة العليا من الغبطةِ في هاتين الخَصلتين، فكأنَّه قال هما آكد القربات الَّتي يُغبطُ بها، وليس المراد نفيَ أصل الغبطة ممَّا سواهما، فيكون من مجاز التَّخصيص؛ أي لا غبطة كاملة التَّأكيد؛ لتأكيد أجر متعلِّقها، إلَّا الغبطة بهاتين الخَصلتين، وقيل وفيه تخصيصٌ لإباحة نوعٍ من الحسد، وإن كانت جبليَّة محظورة، وإنَّما رخَّص فيهما لما يتضمَّن مصلحةً دينيَّةً، قال أبو تمام

~وَمَا حَاسِدٌ فِي الْمَكْرُمَاتِ بِحَاسِدِ

وقيل معناه لا يحسن الحسد في موضعٍ إلَّا في هذين الموضعين.

وقال الطِّيبيّ أثبت الحسد في الحديث لإرادة المبالغةِ في تحصيل النِّعمتين الخطيرتين، يعني ولو حُصِّلتا بهذا الطَّريق المذموم، فينبغي أن يتحرَّى ويجتهدَ في تحصيلهما، فكيف بالطَّريق المحمودة، وكيف لا وكلُّ واحدةٍ من الخَصلتين بلغت غايةً لا أمدَ فوقها، وإذا اجتمعتا في امرئٍ بلغ من العليا كلَّ مكانٍ.

وقال الكرمانيُّ الخصلتان

ج 29 ص 515

المذكورتان هنا غبطةٌ لا حسد، ويطلق أحدهما على الآخر، أو معناه لا حسد إلَّا فيهما، وما فيهما ليس بحسدٍ، فلا حسد، كقوله تعالى {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان 56] .

وفي الحديث التَّرغيب في التَّصدُّق بالمال، وتعليم العلم، والتَّرغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه، وقويَ على إعمال الحقِّ، ووجد له أعوانًا، لِما فيه من الأمر بالمعروف، ونصرِ المظلوم، وأداء الحقِّ لمستحقِّه، وكفّ يد الظَّالم، والإصلاح بين النَّاس، وذلك كلُّه من القربات، وهو من مرتبته صلى الله عليه وسلم، ومن بعده من الخلفاء الرَّاشدين.

ومن ثَمَّة اتَّفقوا على أنَّه من فروض الكفاية؛ لأنَّ أمر النَّاس لا يستقيم بدونه، فقد أخرج البيهقيُّ بسندٍ قويٍّ أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه؛ لمَّا وَلِيَ الخلافة وَلّى عمر القضاء.

وبسندٍ آخر قويٍّ أنَّ عمر رضي الله عنه استعمل عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه على القضاء، وكتب عمر رضي الله عنه إلى عماله أنّ استعملوا صالحيكُم على القضاء واكفوهم.

وبسندٍ آخر ليِّن أنَّ معاوية رضي الله عنه سأل أبا الدَّرداء رضي الله عنه، وكان يقضي بدمشق من لهذا الأمر بعدكَ؟ قال فضالة بن عُبيد.

وهؤلاء من أكابر الصَّحابة وفضلائهم، وإنَّما فرَّ منه من فرَّ خشية العجز عنه، وعند عدم المعين عليه، وقد يتعارض الأمر حيث يقع تولية من يشتدُّ به الفساد إذا امتنع المصلح، والله المستعان.

وهذا حيث يكون هناك غيرُهُ، ومن ثمَّة كان السَّلف يمتنعون منه، ويفرُّون إذا طُلبوا له.

واختلفوا هل يُستحبُّ لمن استجمعَ شرائطه وقويَ عليه أو لا؟

والثَّاني قول الأكثر؛ لِما فيه من الخطر والغرر، ولما ورد فيه من التَّشديد.

وقال بعضهم إن كان من أهل العلم، وكان خاملًا بحيث لا يُحملُ عنه العلم، أو كان محتاجًا، وللقاضي رِزْقٌ من جهةٍ ليست بحرامٍ استُحبّ له؛ ليرجع إليه في الحكم بالحقِّ، وينتفع بعلمه، وإنْ كان مشهورًا فالأولى له الإقبال على العلمِ والفتوى.

وأمَّا إن لم يكن في البلد مَن يقوم مقامه، فإنَّه يتعيَّن عليه؛ لكونه من فروض الكفاية لا يقدر على القيام به غيره، فيتعيَّن عليه، وعن أحمد لا يأثم؛ لأنَّه لا يجب عليه إذا أضرَّ به نَفْعُ غيره، ولا سيَّما من لا يمكنه عمل الحقِّ؛ لانتشار الظُّلم والفساد.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ) ).

وقد مضى الحديث في (( العلم ) ) [خ¦73] و (( الزَّكاة ) ) [خ¦1409] ، وسيأتي في (( الاعتصام ) )أيضًا [خ¦7316] ، والله تعالى أعلم.

ج 29 ص 516

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت