فهرس الكتاب

الصفحة 10594 من 11127

7152 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِيْن) هو أبو بشر (الْوَاسِطِيُّ) روى عنه في مواضع، ولم يزد على قوله (( إسحاق الواسطيُّ ) )، قال (أَخْبَرَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ عبد الله الطَّحّان (عَنِ الْجُرَيْرِيِّ) بضمّ الجيم وفتح الرّاء نسبةً إلى جرير بن عبَّاد أخي الحارث بن عبَّاد بن ضبعة بن قيس بن بكر بن وائلٍ، واسمه سعيد بن إياسٍ، ولم يُخرج البخاريُّ للعبَّاس الجُريري شيئًا [1] ، وهو من هذه الطَّبقة، وخالد الطَّحّان معدودٌ فيمن سمع من سعيد الجريري قبل الاختلاط، وكانت وفاة الجُريري سنة أربعٍ وأربعين ومائة، واختلط قبل موته بثلاث سنينَ.

وقال أبو عبيدة عن أبي داودٍ من أدرك أيُّوب فسماعه من الجُريري جيِّدٌ، وخالد قد أدرك أيُّوب، فإنَّ أيوب لمَّا مات كان خالد المذكور ابن إحدى وعشرين سنةً.

(عَنِ طَرِيف) بالطّاء المهملة آخره فاء، بوزن كَرِيمٍ (أبيتَمِيمَةَ) بالفوقيّة بوزن عَظِيمة، ابن مُجَالدٍ _ بضمّ الميم وتخفيف الجيم _ الهُجيميّ بالجيم مصغّرًا، نسبةً إلى بني الهُجيم بطنٌ من تميم، وكان مولاهم وهو بصريٌّ، ما له في البخاريِّ عن أحدٍ من الصَّحابة إلَّا هذا الحديث، وحديث آخر مضى في (( الأدب ) ) [خ¦6003] من روايته عن أبي عثمان النَّهدي.

(قَالَ شَهِدْتُ صَفْوَانَ) هو ابنُ محرز بن زياد التَّابعي الثَّقة المشهور من أهل البَصرة (وَجُنْدَبًا) بضمّ الجيم والدّال المهملة بينهما نون ساكنة، ابن عبد الله البَجَليَّ الصَّحابيّ المشهور، وكان من أهل الكوفة، ثمَّ تحوَّل إلى البصرة، قاله الكَلاباذيُّ.

(وَأَصْحَابَهُ) أي أصحاب صفوان (وَهْوَ) أي صفوان (يُوْصِيهِمْ) بسكون الواو، كذا قال بعضُهم، فجعل الضَّمير راجعًا إلى صفوان وقال الكرمانيُّ وهو أي جندب كان يوصي أصحابه فجعل الضَّمير راجعًا إلى جندب، والصَّواب مع الكِرماني.

ج 29 ص 530

يدلُّ عليه أيضًا ما ذكره المزيُّ في «الأطراف» بلفظ شهدت صَفوان وأصحابه وجندبًا يوصيهم.

ووقع في «صحيح مسلم» من طريق خالد بن عبد الله بن محرزٍ، عن عمِّه صفوان بن محرزٍ أنَّ جندب بن عبد الله بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة ابن الزُّبير، فقال اجمع لي نفرًا من أخواني، حتَّى أحدِّثهم، فذكر القصَّة في تحديثه لهم بقصَّة الَّذي حمل على رجلٍ فقال لا إله إلَّا الله فقتله، وأظنُّ القصَّتين واحدةٌ، ويجمعهما أنَّه حذَّرهم من التَّعرض لقتل المسلم، وزمن فتنة ابن الزُّبير كان عقب موت يزيد بن معاوية.

(فَقَالُوا) أي صفوان وأصحابه لجندبٍ (هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَالَ) نعم (سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بفتح السّين وتشديد الميم؛ أي من عمل للسُّمعة يظهر الله سريرته، ويملأ أسماعَهم بما ينطوي عليه من خبث السَّرائر جزاءً لفعله. وقيل معناه مَنْ سمَّع بعيوب النَّاس وأذاعها أظهرَ الله عيوبه، وقيل أسمعه المكروه، وقيل أراهُ الله ثواب ذلك من غير أن يعطيَه إيَّاه؛ ليكون حسرةً عليه. وقيل من أراد بعمله النَّاس أسمعَه الله النَّاس، وذلك ثوابه فقط، وفيه أنَّ الجزاء من جنسِ الذَّنب.

وقال الخطَّابي من راءى بعمله وسمَّع النَّاس ليعظِّموه بذلك شهرهُ الله يوم القيامة وفضحَه، حتَّى يرى النَّاس ويسمعوا ما يحلُّ به من الفضيحة عقوبةً على ما كان منه في الدُّنيا من الشُّهرة.

وقال الدَّاودي يعني من سمَّع بمؤمنٍ شيئًا من شهوتهِ أقامه الله مقامًا يُسمّع به. وقال صاحب «العين» سمَّعتُ بالرَّجل إذا أذعتَ عنه شيئًا؛ أي عيبًا، والسُّمعة ما يسمع به من طعامٍ أو غيره؛ ليُرى ويُسمع.

وقال أبو عبيد في حديث الباب من سمَّع الله بعمله سمَّع الله به خلقه وحقَّره وصغَّره.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَمَنْ يُشَاقِقْ) كذا في رواية السَّرخسيّ والمستمليّ بصيغة المضارع، وفكَّ القاف في الموضعين، وفي رواية الكُشميهني بصيغة الماضي والإدغام في الموضعين. وفي رواية الطَّبرانيّ عن أحمد بن زهيرٍ، عن إسحاق بن شاهين شيخ البخاريِّ (( ومن شاقق يشقُّ الله عليه ) )بصيغة الماضي في الأوَّل، والمضارع في الثَّاني، والمعنى من يضرُّ النَّاس ويحملهم على ما يشقُّ من الأمر. وقيل المعنى أن يكون ذلك من شقاق الخلاف، وهو بأن يكون في شقٍّ منهم، وفي ناحية من جماعتهم. وقيل المعنى النَّهي عن القول القبيح

ج 29 ص 531

في المؤمنين، وكشف مساوئهم وعيوبهم.

(يَشْقُقِ اللَّهُ عَلَيْهِ) أي يعذِّبه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالُوا) له (أَوْصِنَا، فَقَالَ) أي جندب، ويروى بدون الفاء فيهما (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ) بضمّ الياء وسكون النّون وكسر الفوقيّة، في «الصّحَاح» نتن الشَّيء وأنتن فهو منتنٌ. ومِنتِن _ بكسر الميم _ اتبَاعًا بكسرة التّاء، والنَّتن الرَّائحة الكريهة من الإنسان بعد موته. وصرَّح به في رواية صفوان بن محرزٍ عن جندَب ولفظه (( واعلموا أنَّ أوَّل ما ينتن من أحدكم إذا مات ) ).

(بَطْنُهُ) وهو موقوفٌ، وكذا أخرجه الطَّبرانيّ من طريق قَتادة، عن الحسن هو البصريُّ، عن جندَب موقوفًا، وأخرجه من طريق صفوان بن محرزٍ، وسياقه يحتمل الرَّفع والوقف، فإنَّه صدر بقوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من سمَّع ) )الحديث، و (( اعلموا أنَّ أوَّل ما يُنتن. .. إلى آخره ) ).

(فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَأْكُلَ إِلاَّ طَيِّبًا) أي حلالًا (فَلْيَفْعَلْ) وفي رواية صفوان (( فلا يُدخل بطنه إلَّا طيِّبًا ) ) (وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يُحَالَ) بضمّ التّحتيّة وفتح الحاء المهملة على البناء للمفعول، وفي رواية الأصيلي وأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيّ على البناء للفاعل (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ) وفي رواية الكُشميهنيّ بغير باء موحّدة، ورفع ملء على أنَّه فاعلُ فِعْلٍ محذوفٍ دلَّ عليه المتقدِّم؛ أي يحول بينه وبين الجنَّة ملء كفٍّ. ووقع في رواية الأصيلي وكريمة بالضمير.

(مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ) أي صبَّه بغير حقِّه. قال ابن التِّين وقع في روايتنا وهو بفتح الهمزة وسكون الهاء، قال الحافظ العسقلانيُّ هي لمن عدا أبا ذرٍّ، والأصل أراقه، والهاء زائدةٌ.

(فَلْيَفْعَلْ) كذا وقع هذا المتن أيضًا موقوفًا، وكذا أخرجه الطَّبرانيّ من طريق صفوان بن محرزٍ من طريق قَتادة، عن الحسن، عن جندَب موقوفًا، وزاد الحسن بعد قوله (( يهريقه ) ) (( كأنَّما يذبح دجاجةً، كلَّما يقدم لبابٍ من أبواب الجنَّة حال بينه وبينه ) ).

ووقع مرفوعًا عند الطَّبرانيّ أيضًا من طريق إسماعيل بن مسلمٍ، عن الحسن، عن جندب ولفظه تعلمون أنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لا يَحُولنَّ بين أحدكُم وبين الجنَّة، وهو يراها، ملءُ كفٍّ من دمٍ مسلم أهراقه بغير حلِّه ) ). وهذا لو لم يرد مصرَّحًا برفعه لكان في حكم المرفوع؛ لأنَّه لا يقال بالرَّأي، وهو وعيدٌ شديدٌ لقتل المسلم بغير حقٍّ. قال الكِرمانيُّ في معنى قوله (( ملء كفٍّ من دمٍ ) )هو عبارةٌ عن مقدار دم إنسانٍ واحدٍ، كذا قال.

وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ من أين هذا الحصر، والمتبادر أنَّ ذكر (( ملء الكفِّ ) )كالمثال؟ وإلَّا فلو كان دون ذلك لكان الحكم كذلك. وعند الطَّبرانيّ من طريق الأعمش، عن أبي تميمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يَحولنَّ بين أحدكم

ج 29 ص 532

وبين الجنَّة )) فذكر الحديث نحو رواية الجُريريِّ، وزاد في آخره (( فبكى القوم فقال جندب لم أرَ كاليوم قطُّ يومًا أحقَّ بالنَّجاة من هؤلاء، وإن كانوا صادقين ) ).

قال الحافظ العسقلانيُّ ولعلَّ هذا هو السِّرّ في تصدير كلامه بحديث (( من سمَّع ) )وكأنَّه تفرَّس فيهم ذلك، ولهذا قال (( إن كانوا صادقين ) )ولقد صدقت فراستُه، فإنَّهم لمَّا خرجوا بذلوا السَّيف في المسلمين، وقتلوا الرِّجال والأطفال، وعظم البلاء بهم، كما تقدَّمت إليه الإشارة في كتاب المحاربين.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.

(قُلْتُ) القائل هو الفِرَبْريُّ (لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ) هو محمدُ بن إسماعيل البخاريّ (مَنْ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُنْدَبٌ؟ قَالَ نَعَمْ جُنْدَبٌ) قال الحافظ العسقلانيُّ وقد خلت رواية النَّسفيّ عن ذلك، وفي الفرع كأصله سقوط قوله إلى آخره لأبي ذرٍّ.

[1] نقله المؤلف من فتح الباري ولكن روى له البخاري حديث 1178 و 5411 و 5441، فتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت