فهرس الكتاب
7163 - 7164 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحافظ أبو بشر الحمصيُّ مولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، ابن سعيد بن ثمامة الكنديُّ، أو الأزديُّ، الصَّحابيّ ابن الصَّحابيّ (ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ) بفتح النّون وكسر الميم بعدها راء، وأدرك من زمن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ستَّ سنينٍ، وحفظَ عنه، وهو من أواخر الصَّحابة موتًا، وآخر مَن مات منهم بالمدينة.
وقال أبو عمر قيل إنَّه توفِّي سنة ثمانين، وقيل ستٍّ وثمانين، وقيل سنة إحدى وتسعين، وهو ابن أربع وتسعين، وقيل ستٍّ وتسعين.
(أَنَّ حُوَيْطِبَ) بضمّ الحاء المهملة وفتح الواو وبعد التّحتيّة السّاكنة طاء مهملة مكسورة فموحّدة (ابْنَ عَبْدِ الْعُزَّى) بضمّ العين المهملة وفتح الزّاي المشدّدة، اسم الصَّنم المشهور، العامريّ، مِنْ مُسلِمَةِ الفتح، وهو أحدُ المؤلَّفة قلوبهم، أدركَ الإسلام وهو ابن ستِّين سنةً أو نحوها، وأُعطي من غنائم حنين مئة بعيرٍ، وكان ممَّن دُفن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، وباع من معاوية دارًا بالمدينة بأربعين ألف دينارٍ. مات بالمدينة في آخر خلافة معاوية، وهو ابنُ مائةٍ وعشرين سنةً، ستِّين في الجاهليَّة، وستِّين في الإسلام، كذا قيل.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ولا يتمُّ ذلك تحقيقًا؛ لأنَّه إن أريدَ بزمان الإسلام أوَّلَ البعثة، فيكون عاش فيه سبعًا وستِّين، أو الهجرة، فيكون عاش فيه أربعًا وخمسين، أو زمنَ إسلامِه هو، فيكون عاش فيه ستًّا وأربعين، والأوَّل أقرب إلى الإطلاق على طريقة جبرِ الكسر تارةً، وإلغائه أخرى.
(أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ) أي ابن عبد شمسٍ، أو اسم أبيه عمرو (ابْنَ السَّعْدِيِّ) واسمه وقدان بن عبد شمس بن عبد ودٍّ، وإنَّما قيل له السَّعديّ؛ لأنَّه كان استُرضعَ في بني سعدٍ، مات بالمدينة سنة سبعٍ وخمسين، وليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث الواحد (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلاَفَتِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَلَمْ أُحَدَّثْ) بضمّ الهمزة وفتح الحاء المهملة وتشديد الدَّال آخره مثلّثة (أَنَّكَ تَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا) بفتح الهمزة؛ أي الولايات من إمرةٍ أو قضاء أو نحوهما، ووقع في رواية بِشر بن سعيدٍ عند مسلم (( استعملَني عمر رضي الله عنه على الصَّدقة بغير الولاية ) ).
(فَإِذَا أُعْطِيتَ) على البناء للمفعول
ج 29 ص 564
(الْعُمَالَةَ) بضمّ العين، أجرة العمل، وبفتحها نفس العمل (كَرِهْتَهَا، فَقُلْتُ) له (بَلَى، فَقَالَ) لي (عُمَرُ مَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ) أي ما غاية قصدك بهذا الرَّدّ (قُلْتُ) وفي رواية أبي الوقت (إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا) بالموحّدة المضمومة جمع عبد، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهنيّ بالفوقيّة بدل الموحّدة، جمع عتيدٍ، وهو المالُ المدّخر. ووقع عند ابن حبَّان في «صحيحه» من طريق قبيصة بن ذؤيب أنَّ عمر رضي الله عنه أَعطى ابن السَّعديّ ألف دينارٍ، فذكر بقيَّة الحديث نحو الَّذي هنا.
وفي الجزء الثَّالث من «فوائد أبي بكر النِّيسابوريّ» من طريق عطاء الخُراساني، عن عبد الله بن السَّعديّ قال قدمت على عمر، فأرسل إليَّ ألف دينارٍ، فرددتها، وقلت أنا عنها غنيٌّ، فذكره أيضًا بنحوه، واستفيد منه قدر العمالة المذكورة.
(وَأَنَا بِخَيْرٍ، وَأَرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ) تفسيرٌ لقوله (( فما تريد ) ) (قَالَ) لي (عُمَرُ لاَ تَفْعَلْ) ذلك الرَّد (فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ) بضمّ التّاء (الَّذِي أَرَدْتَ) بفتح التّاء من الرَّدّ (وَكَانَ) وفي اليونينيَّة (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ) من المال الَّذي يقسمه الإمام في المصالح (فَأَقُولُ) يا رسول الله (أَعْطِهِ) بقطع الهمزة المفتوحة (أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي) وضَبَّبَ في اليونينيَّة على قوله إلى آخره.
قال الكرمانيُّ جاز الفصل بين أفعل التَّفضيل، وبين كلمة من؛ لأنَّه لا يجوز ذلك إذا كان الفاصل أجنبيًّا، وهنا ليس بأجنبيٍّ، وهو ألصقُ به من الصِّلة؛ لأنَّ ذلك محتاجٌ إليه بحسب جوهر اللَّفظ، والصِّلة محتاجٌ إليها بحسب الصِّيغة.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ) أَمْرُ إرشادٍ على الصَّحيح، وهو يدلُّ على أنَّ التَّصدّق به إنَّما يتمُّ بعد القبض؛ لأنَّه إذا ملك المال وتصدَّق به طيّبةً نفسه كان أفضلَ من التَّصدّق به قبل قبضه؛ لما في النُّفوس من الشُّحّ على المال، والنَّفس أحرص على ما في يده ممَّا لم يحصل بيده، فإن استوت عند أحد الحالان فمرتبتُه أعلى، ولذلك أمره بأخذهِ، وبيّن له جواز تموّله إن أحبّ أو التَّصدّق به.
(فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) بضمّ الميم وسكون المعجمة بعدها راء مكسورة ففاء؛ أي غير طامعٍ ولا ناظر إليه (وَلاَ سَائِلٍ) ولا طالب له (فَخُذْهُ) ولا تردَّه (وَإِلاَّ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) بضمّ الفوقيّة الأولى وسكون الثّانية وكسر الموحّدة وسكون العين؛ أي وإن لم يجيء إليك فلا تطلبهُ،
ج 29 ص 565
بل اتركه إلَّا لضرورةٍ، وإلَّا صحَّ تحريم الطَّلب على القادر على الكسب. وقيل يباح بشرط أن لا يذلَّ نفسه، ولا يلحَّ في الطَّلب، ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقِدَ شرطٌ من الثَّلاثة حرم اتِّفاقًا.
وقيل لم منع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه من الإيثار؟.
وأجيب بأنَّه أراد الأفضل والأعلى من الأجر؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه وإن كان مأجورًا بإيثاره على الأحوج، لكنَّ أخذه ومباشرته الصَّدقة بنفسه أعظم، وذلك لأنَّ الصَّدقة بعد التَّموّل، إنَّما هو دفع الشُّحّ الذي هو مستولٍ على النُّفوس.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.
وقد أخرجه مسلم في (( الزَّكاة ) )، وكذا النَّسائيّ، وأبو داود فيه.
(وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، هو موصولٌ بالسَّند السَّابق، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ) أباه (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ) زاد أبو ذرٍّ (يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ) بقطع الهمزة (أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ) له يا رسول الله (أَعْطِهِ مَنْ) أي الَّذي (هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ) على مستحقِّه (فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) أي ناظر إليه (وَلاَ سَائِلٍ) له (فَخُذْهُ، وَمَا لاَ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) زاد سالمٌ في رواية مسلم (( فمن أجل ذلك كان ابن عمر رضي الله عنه لا يسألُ أحدًا شيئًا، ولا يَردّ شيئًا أعطيه ) ).
قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا بعمومه ظاهرٌ في أنَّه كان لا يردّ ما فيه شبهةٌ، وقد ثبت أنَّه كان يقبل هدايا المختار بن أبي عُبيد الثَّقفيّ، وكان المختار غلب على الكوفة، وطرد عمَّال عبد الله بن الزُّبير، وأقام أميرًا عليها مدَّةً في غير طاعة خليفة، وتصرَّف فيما يتحصَّل فيها من المال على ما يراه. ومع ذلك فكان ابن عمر رضي الله عنهما يقبل هداياه، وكان مستندهُ أنَّ له حقًّا في بيت المال، فلا يضرُّه على أي كيفيَّةٍ يصل إليه، أو كان يرى أنَّ التَّبعة على الآخذ الأوَّل، وأنَّ للمعطي المذكور مالًا آخر في الجملة، وحقًّا ما في المال المذكور، فلمَّا لم يتميَّز، وأعطاه له عن طيب نفسٍ دخل في عموم قوله (( ما أتاك من هذا المال من غير سؤالٍ ولا استشرافٍ فخذه ) )، فرأى أنَّه لا يستثنى من ذلك إلَّا ما كان حرامًا محضًا.
قال الطَّبريّ في حديث عمر رضي الله عنه دليلٌ واضحٌ على أنَّ من شُغل بشيءٍ من مصالح المسلمين
ج 29 ص 566
له أخذ الرِّزق على عمله ذلك، كالولاة والقضاة، وجباة الفيء، وعمَّال الصَّدقة، وشبههم؛ لإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر العمالةِ على عمله.
وذكر ابن المنذر أنَّ زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه كان يأخذُ الأجرَ على القضاء. واحتجَّ أبو عُبيد في جوار ذلك بما فرضَ الله للعاملين على الصَّدقة، وجعل لهم فيها حقًّا؛ لقيامهم وسعيهم فيها.
ورُوي ذلك عن ابن سيرين وشُريح، وهو قول اللَّيث وإسحاق. وقال الشَّافعيُّ إذا أخذ القاضي جعلًا لم يحرُم عليه عندي. وحكى الطَّبريّ عن العلماء هل الأمر في قوله في هذا الحديث (( خذهُ وتموَّله ) )للوجوب أو للنَّدب؟.
وقال إن كان العطيَّة من السُّلطان فهي حرامٌ أو مكروهةٌ أو مباحةٌ، وإن كان من غيره فمستحبَّةٌ. قال النَّوويّ والصَّحيح أنَّه إن غلب الحرام حرُمت، وكذا إن كان مع عدم الاستحقاقِ، وإن لم يغلب الحرام، وكان الآخذ مستحقًّا فيباح، وقيل يندبُ في عطيَّة السُّلطان دون غيره، والله أعلم.
وقال ابنُ المنذر وحديث ابن السَّعديّ حجَّةٌ في جواز أرزاق القضاة من وجوهها.
وقال ابن بطَّالٍ في الحديث أن أخذ ما جاء من المال من غير سؤالٍ أفضل من تركه؛ لأنَّه يقع في إضاعة المال، وقد ثبتَ النَّهي عن ذلك.
وتعقَّبه ابن المنيّر بأنَّه ليس من الإضاعة في شيءٍ؛ لأنَّ الإضاعة التَّبذير لغير وجهٍ صحيحٍ، وأمَّا التَّرك توفيرًا على المعطي، وتنزهًا عن الدُّنيا، وتحرُّجًا أن لا يكون قام بالوظيفة على وجهها، فليس من الإضاعة.
ثمَّ قال والوجه في تعليل الأفضليَّة أنَّ الأخذَ أعون في العمل، وألزم للنَّصيحة من التَّارك؛ لأنَّه إذا لم يأخذ كان عند نفسهِ متطوِّعًا بالعمل، فقد لا يَجِدُّ جِدَّ من أخذ ركونًا إلى أنَّه غير ملتزمٍ، بخلاف الَّذي يأخذ، فإنَّه يكون مستشعرًا بأنَّ العمل واجبٌ عليه، فيَجِدُّ جدَّه فيها.
وقال ابن التِّين في هذا الحديث كراهةُ أخذ الرِّزق على القضاء مع الاستغناء، وإن كان المال طيِّبًا، كذا قال. قال وفيه جواز الصَّدقة بما لم يقبض إذا كان التصدُّق واجبًا. ولكن قوله (( خذه فتموّله، وتصدَّق به ) )يدلُّ على أنَّ التَّصدّق به إنَّما يكون بعد القبضِ، وقد مرَّ الكلام فيه.
قال ابن التِّين وذهب بعضُ الصُّوفيّة إلى أنَّ المال إذا جاءَ بغير سؤالٍ ولا إشراف نفسٍ، فلم يقبل، فإن الرَّادَّ له يعاقب بحرمان العطاء.
وقال القرطبيُّ في «المفهم» فيه ذمِّ التَّطلّع إلى ما في أيدي الأغنياء،
ج 29 ص 567
والتَّشرُّف إلى فضوله، وأخذه منهم، وهي حالةٌ مذمومةٌ تدلُّ على شدَّة الرَّغبة في الدُّنيا، والرُّكون إلى التَّوسع فيها، فنهى الشَّارع عن الأخذِ على هذه الصُّورة المذمومة قمعًا للنَّفس، ومخالفةً لها في هواها.