فهرس الكتاب

الصفحة 1062 من 11127

663 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن يحيى، أبو القاسم القرشي العامري الأويسي المدني (قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف، أبو إسحاق الزُّهري المدني (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ) بن القِشْب _ بكسر القاف وسكون الشين المعجمة وفي آخره موحدة _، وهو لقبٌ، واسمه جُندب بن نَضْلة بن عبد الله بن رافع الأزدي (ابْنِ بُحَيْنَةَ) بضم الموحدة وفتح المهملة على صيغة التَّصغير، بنت الحارث بن المطَّلب بن عبد مناف، وهي أمُّ عبد الله فيكتب بالألف، ويكون صفة لعبد الله.

وقال ابن سعد اسم بُحَينة عبدة بنت الحارث، لها صحبة، قال وقدم مالك بن القِشْب مكَّة في الجاهليَّة فحالف بني المطَّلب بن عبد مناف وتزوَّج بُحينة بنت الحارث بن المطَّلب، وأدركتْ بُحينة الإسلام فأسلمت وصحبت، وأسلم ابنها عبد الله قديمًا، وحكى ابن عبد البر خلافًا في بُحَينة هل هي أمُّ عبد الله أو أمُّ مالك؟ والصَّواب أنَّها أمُّ عبد الله، كما تقدَّم.

(قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ) هو عبد الله الرَّاوي، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى، ثمَّ إنَّ البخاري رحمه الله لم يسق لفظ رواية إبراهيم بن سعد، بل تحوَّل إلى رواية شعبة فأوهم أنَّهما متوافقتان، وليس كذلك فقد ساق مسلمٌ رواية إبراهيم بن سعد بالإسناد المذكور، ولفظه (( مرَّ برَجلٍ يصلِّي وقد أُقيمت صلاة الصُّبح فكلَّمه بشيءٍ لا ندري ما هو، فلَّما انصرف أحطنا به نقول ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال قال لي يوشك أحدُكم أن يصلِّي الصُّبح أربعًا ) ).

ففي هذا السِّياق مخالفة لسياق شعبة في كونه صلى الله عليه وسلم

ج 4 ص 150

كلَّم الرَّجل وهو يصلِّي، ورواية شعبة تقتضي أنَّه كلَّمه بعد أن فرغ، لكن يمكن الجمع بينهما بأنه كلَّمه أولًا سرًا فلهذا احتاجوا أن يسألوه، ثمَّ كلَّمه ثانيًا جهرًا فسمعوه، وفائدة التِّكرار تأكيد الإنكار.

(قَالَ) أي البخاري رحمه الله (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد؛ أي كما حدَّثني عبد العزيز بن عبد الله (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن بشر بن الحكم، كما جزم به ابن عساكر، وأخرجه الجَوْزقي من طريقه، هو أبو محمَّد النِّيسابوري، مات سنة ستين ومائتين بعد موت البخاري بأربع سنين.

(قَالَ حَدَّثَنَا بَهْزُ) بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالزاي (ابْنُ أَسَدٍ) العمِّيُّ أبو الأسود البصري (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه.

(قَالَ سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ) هو ابن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (قَالَ سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ) بسكون الزاي، ويقال له الأسْد _ بالمهملة الساكنة بدل الزاي الساكنة _ وهي لغة صحيحةٌ، وهي رواية الأَصيلي وهو أسد شَنوءة.

(يُقَالُ لَهُ مَالِكٌ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هكذا يقول شعبة في هذا الصحابيِّ، وتابعه على ذلك أبي عَوَانة وحماد بن سلمة، وحكم الحفَّاظ يحيى بن معين وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي والإسماعيلي وابن الشَّرقي والدَّارقطني وأبو مسعود وآخرون عليهم بالوهم فيه في موضعين

أحدهما أنَّ بُحينة والدة عبد الله لا مالك.

وثانيهما أنَّ الصُّحبة والرِّواية لعبد الله لا لمالك.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولم يَذكر أحدٌ مالكًا في الصَّحابة إلا بعض من تلقَّاه من هذا الإسناد ممَّن لا تمييز له، وكذا أغرب الدَّاودي الشَّارح فقال هذا الاختلاف لا يضر فأيُّ الرجلين كان فهو صاحب.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا) هو عبد الله الرَّاوي، كما رواه أحمد من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن بن ثوبان عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم مرَّ به وهو يصلِّي، وفي رواية أخرى له (( خرج وابن القِشْب يصلِّي ) ). وأخرج ابن خزيمة وابن حبَّان والبزار والحاكم وغيرهم عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( كنت أصلِّي وأخذ المؤذِّن في الإقامة، فجذبني النَّبي صلى الله عليه وسلم وقال أتصلِّي الصُّبح أربعًا ) )فعلى هذا يحمل على تعدُّد القصَّة.

(وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ) وهو مُلتقى الإسنادين والقدر المشترك بين الطَّريقين إذ تقديره (( مرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم برجل وقد أُقيمت الصَّلاة ) )أي وقد نودي الصَّلاة بالألفاظ المخصوصة حال كون ذلك الرَّجل. (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) نفلًا(فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ

ج 4 ص 151

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)أي من الصَّلاة (لاَثَ بِهِ النَّاسُ) بالمثلثة الخفيفة؛ أي أداروا به وأحاطوا.

وقال ابنُ قتيبة أصلُ اللَّوث الطيُّ، يقال لاثَ عمامته، إذا أدارها، ويقال فلان يلوثُ بي؛ أي يلوذ بي، والمقصود أنَّ النَّاس أحاطوا به والتفُّوا حوله، والظَّاهر أنَّ الضَّمير في «به» يرجع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولكن طريق إبراهيم بن سعد المتقدِّمة تقتضي أن يرجعَ إلى الرَّجل.

(فَقَالَ) وفي رواية ابنِ عساكر (لَهُ) أي لعبد الله المصلِّي (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آلصُّبْحَ) بهمزة ممدودة في أوله ويجوز قصرها، وهو استفهام للإنكار التَّوبيخي، و «الصُّبحَ» منصوب بإضمار فعل تقديره أتصلِّي الصُّبح.

وقال الكرماني ويجوز الرفع؛ أي الصُّبح تصلِّي، على أن يكون مبتدأً و «تصلِّي» المقدَّر خبره، والضَّمير محذوف؛ أي تصلِّيه؛ لأنَّ ضمير المفعول حذفه شائع ذائع، وانتصاب قوله (أَرْبَعًا) على الحالية، كما قاله ابن مالك.

وقال الكرمانيُّ على البدليَّة يحتمل أن يكون بدل الكل من الكلِّ؛ لأنَّ الصُّبح صار في معنى الأربع، ويحتملُ أن يكون بدل الكل من البعض؛ لأنَّ الأربع ضعف صلاة الصُّبح، ويحتمل أن يكون بدل الاشتمال؛ لأنَّ التي صلَّاها الرَّجل أربع ركعات في المعنى.

واختلف العلماء في حكمة إنكار النَّبي صلى الله عليه وسلم الصَّلاة عند إقامة الفرض، فقال القاضي عياض وغيره هي أن لا يتطاول الزمان فيظنُّ وجوبها، ويؤيِّده قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث إبراهيم بن سعد (( يوشك أحدُكم أن يصلِّي الصُّبح أربعًا ) )كما تقدَّم، وعلى هذا إذا حصل الأمنُ لا يُكره ذلك.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهو متعقَّب بعموم حديث التَّرجمة.

وقال محمود العيني قوله تعالى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد 33] يخصِّص هذا العام.

وقال النَّووي الحكمة في الإنكار المذكور أن يتفرَّغ للفريضة من أوَّلها فيشرعَ فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكمِّلات الفريضة أولى من التَّشاغل بالنَّافلة، انتهى.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا يليقُ بقول من يرى بقضاء النَّافلة، وهو قولُ الجمهور، ومن ثمَّة قال من لا يرى بذلك إذا علم أنَّه يدرك الركعة الأولى مع الإمام كما روي عن المالكيَّة، أو الأخيرة كما روي عن الحنفيَّة لم يكره له التَّشاغل بالنَّافلة بشرط الأمن من الالتباس كما تقدَّم، ولهم في ذلك سلف عن ابن مسعود وغيره رضي الله عنهم.

فإن قيل كيف ذلك وفي حديث التَّرجمة منعٌ عن التنفُّل بعد الشُّروع في إقامة الصَّلاة سواء كان من الرَّواتب أو لا؟ وقد روى

ج 4 ص 152

مسلم بن خالد عن عَمرو بن دينار في هذا الحديث قيل يا رسول الله ولا ركعتي الفجر؟ قال (( ولا ركعتي الفجر ) )أخرجه ابن عديٍّ في ترجمة يحيى بن نصر بن حاجب.

فالجواب أنَّه روى الشَّيخان وأبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها قالت إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء من النَّوافل أشدُّ تعاهدًا منه على الرَّكعتين قبل الصُّبح.

وروى أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تَدَعوهما وإن طردتْكُم الخيلُ ) )أي لا تتركوهما وإن طردتكم الفرسان، فهذا كناية عن المبالغة وحثٌّ عظيم على مواظبتهما، وذلك كما ترى معارضٌ لحديث التَّرجمة، فجمعوا بينهما بما ترى، وذهبَ بعضهم إلى أن سببَ الإنكار عدم الفصل بين الفرض والنَّفل لئلا يلتبسا، وإلى هذا جنح الطَّحاوي، واحتجَّ له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، ومقتضاه أنَّه لو كان في زاويةٍ من المسجد لم يكره.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهو متعقَّب بما ذكر أيضًا إذ لو كان المراد مجرَّد الفصل بين الفرض والنَّفل لم يحصل إنكارٌ أصلًا؛ لأنَّ ابن بُحَينة سلَّم من صلاته قطعًا، ثمَّ دخل في الفرض، ويدلُّ عليه حديث قيس بن عَمرو الذي أخرجه أبو داود وغيره أنَّه صلَّى ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الصُّبح، فلمَّا أخبرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم حين سأله لم يُنكِر عليه قضاءهما بعد الفراغ من صلاة الصُّبح متَّصلًا بها، فدلَّ على أنَّ الإنكار على ابن بُحَينة إنَّما كان للتنفُّل حال صلاة الفرض، وهو موافقٌ لعموم حديث التَّرجمة، والله أعلم.

ثمَّ إنَّ العلماء اختلفوا فيمن دخل المسجد لصلاة الصُّبح فأقيمت الصَّلاة هل يصلِّي ركعتي الفجر أو لا؟ فكرهت طائفة أن يركعَ ركعتي الفجر في المسجد والإمام في صلاة الفجر محتجِّين بحديث التَّرجمة. وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وسعيد بن جُبير وعروة وابن سيرين وإبراهيم وعطاء والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وقالت طائفةٌ لا بأس أن يصلِّيهما خارج المسجد إذا تيقَّن أنَّه يدرك الرَّكعة الأخيرة مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي إلَّا أنَّ الأوزاعيَّ أجاز أن يركعهما في المسجد.

وقال الثَّوري إن خشي فوت ركعة دخل معه ولم يصلِّهما وإلا صلَّاهما في المسجد.

وقال صاحب «الهداية» ومن انتهى إلى الإمام في صلاة الفجر وهو لم يصلِّ ركعتي الفجر إن خشي أن تفوته ركعة _ يعني من صلاة الفجر _ لاشتغاله بالسُّنَّة ويدرك الرَّكعة الأخرى وهي الثَّانية يصلِّي ركعتي الفجر عند باب المسجد ثمَّ يدخل المسجد؛ لأنَّه أمكنه الجمع بين الفضيلتين فضيلة السنَّة

ج 4 ص 153

وفضيلة الجماعة، وإنَّما قَيَّد بقوله عند باب المسجد؛ لأنَّه لو صلَّاهما في المسجد كان متنفِّلًا فيه مع اشتغال الإمام بالفرض، وإنَّه مكروه لقوله صلى الله عليه وسلم (( إذا أقيمتِ الصَّلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة ) )، وخصَّت سنَّة الفجر بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تدعوهما وإن طردتْكُم الخيل ) )، هذا إذا كان عند باب المسجد موضعٌ لذلك، فإن لم يكن يصلِّيهما في المسجدِ خلف سارية من سواريهِ خلف الصُّفوف.

وذكر فخر الإسلام وأشدُّها كراهةً أن يصلِّي مخالطًا للصَّفِّ مخالفًا للجماعة، والذي يلي ذلك خلف الصف من غير حائلٍ بينه وبين الصفِّ. وفي «الذَّخيرة» السنَّةُ في سنةِ الفجر _ يعني ركعتي الفجر _ أن يأتي بهما في بيته، فإن لم يفعل فعند باب المسجد إذا كان الإمام يصلِّي فيه، فإن لم يمكنه ففي المسجد الخارج إذا كان الإمام في المسجد الدَّاخل، وفي الداخل إذا كان الإمام في الخارج.

وفي «المحيط» وقيل يكره ذلك كلَّه؛ لأنَّ ذلك بمنزلة مسجد واحد، وعند الظَّاهرية أنَّه يقطع الصَّلاة إذا أقيمت الصَّلاة. وفي «الجلابي» يصلِّيهما وإن فاتته الصَّلاة مع الإمام إذا كان الوقت واسعًا.

هذا واستدلَّ من كره صلاتهما بحديث الباب، وبما في «صحيح مسلم» من حديثِ عبد الله بن سرجس جاء رجلٌ والنَّبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي الصُّبح فصلَّى الرَّكعتين، ثمَّ دخل مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في الصَّلاة، فلمَّا انصرف قال له (( يا فلان أيَّتهما صلاتك؟ التي صلَّيت وحدَك أو التي صلَّيت معنا؟ ) )وبما ذكره ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال كنت أصلِّي ... الحديث.

وعند ابن خُزيمة عن أنس رضي الله عنه خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم حين أقيمت الصَّلاة فرأى ناسًا يصلُّون ركعتين بالعجلة فقال (( أصلاتان معًا؟ ) )فنهى أن تصلَّيا في المسجد إذا أقيمت الصَّلاة.

فإن قيل قد روى ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي عند الإقامة في بيت ميمونة رضي الله عنها.

فالجواب أنَّ هذا الحديث وهَّاه ابن القطَّان وغيره، وفي كتاب «الصَّلاة» للدُّكيني عن سويد بن غَفَلة كان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يضرب على الصَّلاة قبل الإقامة، ورأى ابن جُبَير رجلًا يصلِّي حين أقيمت الصَّلاة فقال ليست هذه ساعة صلاة. وعن صفوان بن موهب أنَّه سمع مسلم بن عقيل يقول للنَّاس وهم يصلُّون وقد أقيمت الصَّلاة ويلكم إذا أقيمت الصَّلاة، فلا صلاة إلَّا المكتوبة.

وعند البيهقيِّ رأى عمر رضي الله عنهما رجلًا يصلِّي الرَّكعتين والمؤذِّن يُقِيم فحَصَبه، وقال أتصلِّي الصُّبح أربعًا.

وذكر أبو أميَّة

ج 4 ص 154

محمَّد بن إبراهيم الطَّرسوسي في كتابه «مسند ابن عمر» رضي الله عنهما رفعه من حديث قدامة بن موسى، عن رجل من بني حنظلة، عن أبي علقمة، عن يسار بن نُمَير مولى ابن عمر رضي الله عنهما قال رآني وأنا أصلِّي الفجر فقال يا يسار إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلِّي هذه الصَّلاة فتغيَّظ علينا وقال (( ليبلِّغ شاهدُكم غائبَكم لا صلاة بعد الفجر إلَّا ركعتين ) ).

وذكر ابن حزم نحوه عن ابن سيرين وإبراهيم، وعند أبي نُعيم عن طاوس (( إذا أقيمت الصَّلاة وأنت في الصَّلاة فدعها ) ). وعند عبد الرَّزَّاق قال سعيد بن جبير (( اقطع صلاتك عند الإقامة ) ). وعند ابن أبي شيبة قال بيان كان قيس بن أبي حازم يؤمُّنا فأقام المؤذِّن الصَّلاة، وقد صلَّى ركعة فتركها، ثم تقدَّم فصلَّى بنا، وكذا قاله الشَّعبي.

واستدلَّ من أجاز ذلك بقوله تعالى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد 33] وبما رواه البيهقيُّ من طريق حجَّاج بن نصير، عن عبَّاد بن كثير، عن ليث، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إذا أقيمت الصَّلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة إلَّا ركعتي الفجر ) ).

قال البيهقيُّ هذه الزِّيادة لا أصل لها، وحجَّاج وعبَّاد ضعيفان.

وقال يعقوب بن أبي شيبة سألت ابن معين عن حجَّاج بن نصير الفَسَاطِيْطي البصري، فقال صدوق، وذكره ابن حبَّان في «الثِّقات» ، وعبَّاد بن كثير كان من الصَّالحين.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه دخل المسجد وقد أقيمت صلاة الصُّبح فركع ركعتي الفجر إلى أسطوانة بمحضر حذيفة وأبي موسى. قال ابنُ بطال وروي مثله عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وأبي الدَّرداء وابن عبَّاس رضي الله عنهم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه أتى المسجد لصلاة الصُّبح فوجد الإمام يصلِّي فدخل بيت حفصة رضي الله عنها فصلَّى ركعتين ثمَّ دخل في صلاة الإمام. وعند ابن أبي شيبة عن إبراهيم كان يقول إن بقي من صلاتك شيء فأتممه. وعنه إذا افتتحت الصَّلاة تطوُّعًا فأقيمت الصَّلاة فأتمَّ.

وقال ابن عبد البرِّ وغيره الحجَّة عند التَّنازع السنَّة فمن أدلى بها فقد أفلح، وترك التنفُّل عند إقامة الصَّلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنَّة، ويتأيَّد ذلك من حيث المعنى بأنَّ قوله في الإقامة «حيَّ على الصَّلاة» معناه هلمُّوا إلى الصَّلاة التي تقام لها، فأسعدُ النَّاس بامتثال هذا الأمر مَن لم يتشاغل عنه بغيره، والله أعلم.

ثمَّ رجال هذا الحديث ما بين نيسابوري ومدني وواسطي، وفيهم اثنان من التَّابعين، وقد أخرجه مسلم في «الصَّلاة» .

(تَابَعَهُ) أي تابع بهز بن أسد في رواية هذا الحديث (غُنْدَرٌ) بضم الغين المعجمة

ج 4 ص 155

وسكون النون وفتح الدال المهملة، وهو محمَّد بن جعفر ابن امرأة شعبة (وَمُعَاذٌ) بالذال المعجمة، هو معاذ بن معاذ أبو المثنَّى العنبري البصري قاضيها، مات سنة تسع وتسعين ومئة؛ أي وتابعه أيضًا معاذ في رواية هذا الحديث كلاهما.

(عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (فِي مَالِكٍ) أي في الرِّواية عن مالك ابن بُحَينة، وفي رواية الكُشميهنيِّ أي بإسناده، والرِّواية الأولى تقتضي اختصاص المتابعة بقوله عن مالك ابن بحينة فقط، والثَّانية تشمل جميع الإسناد والمتن وهي أَولى؛ لأنَّه الواقع في نفس الأمر، وطريق غُندر وصلها أحمد في «مسنده» عنه كذلك، وطريق معاذ وصلها الإسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ عن أبيه، وقد رواه أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» عن شعبة، وكذا أخرجه أحمد عن يحيى القطَّان وحجَّاج، والنَّسائي من رواية وهب بن جرير، والإسماعيلي من رواية يزيد بن هارون كلُّهم عن شعبة كذلك.

(وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) هو محمَّد بن إسحاق أبو بكر المدنيُّ التَّابعي، كان عالمًا بالمغازي وعلوم الشَّريعة، مات ببغداد سنة خمسين ومئة، ودفن بمقبرة الخيزران (عَنْ سَعْدٍ) هو ابن إبراهيم (عَنْ حَفْصٍ) هو ابن عاصم (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) وهذه الرِّواية موافقة لرواية إبراهيم بن سعد، عن أبيه.

(وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن سلمة لا حمَّاد بن زيد، كما وهم الكرماني، نبَّه عليه الحافظ العسقلانيُّ (أَخْبَرَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ) فوافق شعبة في قوله «عن مالك» ، وقد وافقهما أبو عَوَانة فيما أخرجه الإسماعيلي عن جعفر الفريابي، عن قتيبة، عنه، لكن أخرجه مسلم والنَّسائي عن قتيبة فوقع في روايتهما عن ابن بُحينة مبهمًا، وكأنَّ ذلك وقع من قتيبة في وقت عمدًا فيكون أقرب إلى الصَّواب.

قال أبو مسعود أهل المدينة يقولون عبد الله ابن بُحينة، وأهل العراق يقولون مالك ابن بُحينة والأوَّل هو الصَّواب، انتهى.

فيحتمل أن يكون السَّهو فيه من سعد بن إبراهيم لمَّا حدَّث به بالعراق، وقد رواه القعنبيُّ عن إبراهيم بن سعد على وجه آخر من الوهم، قال عن عبد الله بن مالك ابنُ بحينة، عن أبيه.

قال مسلم في «صحيحه» قوله «عن أبيه» ، خطأ، وأسقط مسلم في كتابه من هذا الإسناد قوله «عن أبيه» ، من رواية القعنبي ولم يذكره، لكنَّه نبَّه عليه.

وقال يحيى بن معين ذكر «أبيه» خطأ ليس يروِي أبوه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، وكأنَّه لمَّا رأى أهل العراق يقولون عن مالك ابن بُحينة ظنَّ أنَّ رواية أهل المدينة مرسلة فوهم في ذلك، ثمَّ غرض المؤلِّف رحمه الله من ذكر هذين الطَّريقين بيان أنَّهما اختلفا في الرِّواية عن عبد الله وعن والده مالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت