فهرس الكتاب

الصفحة 10626 من 11127

7172 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، بُنْدار العبديُّ، قال (حَدَّثَنَا الْعَقَدِيُّ) بفتح العين والقاف، هو عبدُ الملك بن عَمرو بن قيسٍ، ونسبته إلى العَقَد _ بفتحتين _، وهم قومٌ من قيس، وهم صنفٌ من الأزد، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر بن عبدِ الله أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ أَبِي) أي أبا بُردة عامر بن عبد الله التَّابعي، والحديث مرسلٌ؛ لأنَّ أبا بردة من التَّابعين سمع أباه، وجماعة آخرين من الصَّحابة، كان على قضاء الكوفة، فعزله الحجَّاج، وجعل أخاه مكانه، مات سنة أربعٍ ومائة.

(قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبِي) أي أبا موسى الأشعريَّ رضي الله عنه (وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) رضي الله عنه قاضييَن (عَلَى الْيَمَنِ) قبل حجَّة الوداع (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم لهما (يَسِّرَا) أي خُذا بما فيه اليُسر (وَلاَ تُعَسِّرَا) والأخذ باليسر عينُ ترك العسر، فذكر تأكيدًا (وَبَشِّرَا) بما فيه تطييبٌ للنُّفوس (وَلاَ تُنَفِّرَا) بما فيه الشِّدَّة، وهذا من باب المقابلة المعنويَّة أو الحقيقيَّة أن يقال بشِّرا ولا تنذرا، أو آنسا ولا تنفِّرا، فجمع بينهما ليعمَّ البشارة والنَّذارة والتَّأنيس والتَّنفير، فهو من باب المقابلة المعنويَّة، كذا قال الطِّيبي، وسبق في (( المغازي ) ) [خ¦4341] مزيدٌ له.

(وَتَطَاوَعَا) يعني تحابَّا

ج 29 ص 581

وكونا متَّفقين في الحكم ولا تختلفا، فإنَّ اختلافكما يؤدِّي إلى اختلاف أتباعكما، وحينئذٍ تقع العداوة والمحاربة بينهم (فَقَالَ لَهُ) أي للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (أَبُو مُوسَى) رضي الله عنه يا رسول الله (إِنَّهُ يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا) أي باليمن (الْبِتْعُ) بكسر الموحدة وسكون الفوقية بعدها عين مهملة، هو نبيذُ العسل، وقد تقدَّم في آخر (( المغازي ) ) [خ¦4343] أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَ أبا موسى إلى اليمن، فسأله عن أشربةٍ تصنع بها، فقال وما هي؟ قال البتعُ والمِزْر _ بكسر الميم وسكون الزاي وبالراء _ نبيذ الشَّعير.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) وقال صاحب «التوضيح» فيه ردٌّ على أبي حنيفةَ ومن وافقه. وقال العينيُّ هذا كلامٌ ساقطٌ سمجٌ ففي أيِّ موضع قال أبو حنيفة إنَّ المُسكر ليس بحرامٍ حتَّى يشنعَ هذا التَّشنيع الباطل.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وتطاوعا ) )، وقد مضى الحديث في آخر المغازي [خ¦4343] .

والحديث مرسلٌ لِمَا مرَّ، ولذلك عقبه المؤلِّف بقوله (وَقَالَ النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، هو ابن شُميل، مصغر شمل _ بالشين المعجمة _ ابن خرشة أبو الحسن المازنيُّ، مات أوَّل سنة أربعٍ ومائتين.

(وَأَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود الطَّيالسيُّ من رجال مسلمٍ (وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) من الزِّيادة، الواسطيُّ (وَوَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الكوفي (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ سَعِيدٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي بُردة (عَنْ جَدِّهِ) أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، والضَّمير في (( جدِّه ) )يرجع إلى سعيدٍ (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ورواية النَّضر وأبي داود ووكيع تقدَّمت في أواخر (( المغازي ) )في (( باب بعثِ أبي موسى ومعاذ إلى اليمنِ ) ) [خ¦4344] ، ورواية يزيد بن هارون وصلَها أبو عَوَانة في «صحيحه» .

وفي الحديث تقديم أفاضل الصَّحابة على العمل، واختصاص العلماءِ منهم. وقال ابن بطَّالٍ وغيره في الحديث الحضُّ على الاتِّفاق؛ لِمَا فيه من ثبات المحبَّة والألفة والتَّعاون على الحقِّ. وفيه جواز نصب قاضيين في بلدٍ واحدٍ، فيقعد كلٌّ منهما في ناحية.

وقال ابن العربيِّ كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أشركهما فيما ولاهما، فكان ذلك أصلًا في تولية اثنين قاضيين مشتركين في الولايةِ، كذا جزم به. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ محلَّ ذلك فيما إذا نفذ حكم كلٍّ منهما فيه. لكن قال ابن المُنيِّر يحتمل أن يكون ولَّاهما ليشتركا في الحكم في كلِّ واقعةٍ، ويحتمل أن يستقلَّ كلٌّ منهما بما يحكم به، ويحتمل أن يكون لكلٍّ منهما عملٌ يخصُّه، والله أعلم كيف كان.

ج 29 ص 582

وقال ابن التِّين الظَّاهر اشتراكهما، لكن جاء في غير هذه الرِّواية أنَّه أمر كلًّا منهما على مخلافٌ، والمخلاف الكورةُ، وكان اليمن مخلافَين. قال الحافظ العسقلانيُّ وهو المعتمد، والرِّواية الَّتي أشار إليها تقدَّمت في (( غزوة حُنين ) ) [خ¦4341] باللَّفظ المذكور.

وتقدَّم في (( المغازي ) ) [خ¦4344] أنَّ كلًّا منهما إذا سار في عمله زارَ رفيقه، وكان عمل معاذ النُّجود وما تعالى من بلاد اليمن، وعمل أبي موسى التَّهائم وما انخفض منها. فعلى هذا فأمره صلى الله عليه وسلم لهما بأن يَتطاوعا ولا يتخالفا محمولٌ على ما إذا اتَّفقت قضيَّةٌ يحتاج الأمر فيها إلى اجتماعهما، وإلى ذلك أشار في التَّرجمة، ولا يلزم من قوله (( تطاوعا ولا تختلفا ) )أن يكونا شريكينِ كما استدلَّ به ابن العربيِّ. وقال أيضًا فإذا اجتمعا، فإن اتَّفقا في الحكم وإلَّا تناجيا حتَّى يقفا على الصَّواب، وإلَّا رَفَعا الأمر لمن فوقهما.

وفي الحديث الأمر بالتَّيسير في الأمور، والرِّفق بالرَّعيَّة، وتحبيب الإيمان إليهم، وترك الشِّدَّة؛ لئلَّا ينفر قلوبهم، ولا سيما فيمن كان قريب العهد بالإسلام، أو قارب حدَّ التَّكليف من الأطفال؛ ليتمكَّن الإيمان من قلبه، ويتمرَّن عليه.

وكذلك الإنسان في تدريب نفسه على العملِ إذا صدقت إرادتهُ لا يشدِّد عليها، بل يأخذها بالتَّدريج والتَّيسير حتَّى إذا أنست بحاله، ودامت عليها نقلها بحالٍ آخر، وزاد عليها أكثر من الأولى حتَّى يصلَ إلى قدر احتمالها، ولا يكلِّفها ما لعلَّها تعجز عنه. وفيه مشروعيَّة الزِّيارة، وإكرام الزَّائر، وأفضلية معاذ في الفقهِ على أبي موسى، وقد جاء (( أعلمهم بالحلالِ والحرام معاذ بن جبلٍ ) ). أخرجه التِّرمذيُّ وغيره من حديث أنسٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت