فهرس الكتاب
7180 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة، العبديُّ البصريُّ، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (سُفْيَانُ) هو ابن عُيينة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ هِنْدَ) بغير صرفٍ للتَّأنيث والعلمية، وفي رواية أبي ذرٍّ بالصَّرف؛ لسكون الوسط، بنت عتبة بن ربيعةَ بن عبد شمسٍ (قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يا رسول الله (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ زوجها (رَجُلٌ شَحِيحٌ) بخيلٌ مع حرصٍ، وهو أعمُّ من البخل؛ لأنَّ البخل يختصُّ بمنع المال، والشُّحُّ بكلِّ شيءٍ (فَأَحْتَاجُ) بفتح الهمزة (أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ) ما يكفيني وولدي.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم لها (خُذِي) من مالهِ (مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) من غير إسرافٍ في الإطعام.
وقد استدلَّ جمعٌ من العلماء من أصحاب الشَّافعي وغيرهم بهذا الحديث على القضاءِ على الغائب. قال النَّووي ولا يصحُّ هذا الاستدلال؛ لأنَّ هذه القصَّة كانت بمكَّة، وأبو سفيان حاضرٌ، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبًا عن البلدِ، أو مستترًا لا يقدر عليه، أو متعذرًا، ولم يكن هذا الشَّرط في أبي سفيان موجودًا، فلا يكون قضاءً على الغائب، بل هو إفتاء.
وفي «طبقات ابن سعد» بسند رجاله رجال الصَّحيح من مرسل الشَّعبي أنَّ هندًا لمَّا بايعت وجاء قوله {وَلَا يَسْرِقْنَ} [الممتحنة 12] قالت قد أصبتُ من مالِ أبي سفيان، فقال أبو سفيان فما أصبت من مالي فهو حلالٌ لك، ففيه أنَّ أبا سفيان كان حاضرًا معها في المجلس.
لكن قال الحافظ العسقلانيُّ ويمكن تعدُّد القصَّة، وأنَّ هذا وقع لمَّا بايعت، ثمَّ جاءت مرَّةً أخرى، فسألت عن الحكم، وتكون فهمت من الأوَّل إحلال أبي سفيان لها ما مضى، فسألت عمَّا يستقبل. لكن يعكِّر عليه ما في «المعرفة» لابن مندهْ قالت هند لأبي سُفيان إنِّي أريد أن أبايع ... الحديث، وفيه فلمَّا فرغت قالت يا رسول الله، إنَّ أبا سفيان رجلٌ بخيلٌ إلى أن قال؛ أي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (( ما تقول يا أبا سفيان؟ ) )قال أمَّا يابسًا فلا، وأمَّا رطبًا فأُحِلُّه.
وقال الحافظ العسقلانيُّ والظَّاهر أنَّ المؤلِّف لم يُرِد أنَّ قصَّة هند كانت قضاءً على أبي سفيان وهو غائبٌ،
ج 29 ص 594
بل استدلَّ بها على صحَّة القضاء على الغائب، ولو لم يكن ذلك قضاءً على الغائب بشرطه، بل لمَّا كان أبو سفيان غير حاضرٍ في المجلس، وأذن لها أن تأخذَ من ماله بغير إذنهِ قدر كفايتها كان في ذلك نوع قضاءٍ على الغائب، فيحتاج مَنْ منعه أن يجيبَ عن هذا.
والتَّعبير بقوله (( خُذي ) )يرجِّح أنَّه كان قضاءً لا فتيا، لكن تفويض تقديرِ الاستحقاق إليها في قوله (( ما يكفيك ) )يرجِّح أنَّه كان فتوى، ولو كان قضاءً لم يفوِّضه إلى المدَّعي.
هذا وقال صاحب «التوضيح» وقد تناقض الكوفيُّون في ذلك فقالوا لو ادَّعى رجلٌ عند حاكمٍ أنَّ له على غائب حقًّا، وجاء رجلٌ فقال إنَّه كفيله، واعترف له الرَّجل أنَّه كفيله، إلَّا أنَّه قال لا شيء له عليه. قال أبو حنيفة يُحكم على الغائب، ويأخذ الحقَّ من الكفيل، وكذلك إذا قامت وطلبت النَّفقة من زوجها، فإنَّه يحكم لها عليه عندهم. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ وقال سبحان الله كيف يقول صاحب «التوضيح» قال أبو حنيفة يحكم على الغائب، ويأخذ الحقَّ من الكفيل، وأبو حنيفة لم يحكم على الغائب، وإنَّما حكم على الكفيلِ وهو حاضرٌ، وفي ضمن هذا يقعُ على الغائبِ، والضِّمنيَّات لا تُعتبر [1] .
وأيضًا إنكار المدَّعى عليه شرطُ جوازِ القضاء بالبيِّنة؛ ليقع قاطعًا للخصومة، ولم يوجد الإنكار، فلا يجوز إلَّا أن يحضرَ من يقوم مقامه كالكفيلِ والوكيل والوصي. وكذلك في المسألة الثَّانية لا يحكم القاضي على الغائب، بل يفرضُ في ماله المودع عند أحد، أو الدَّين، أو المضاربة، ولكن بشروطٍ وهي أن يعلمَ القاضي بذلك المال وبالنِّكاح، أو باعتراف من كان المال في يده بالمال والنِّكاح بتحليفه إيَّاها على عدم النَّفقة، وأخذ الكفيل منها. انتهى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُفهم من التَّقرير السَّابق.
[1] في العمدة والضمنيات لا تعلل.