فهرس الكتاب

الصفحة 10658 من 11127

7191 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين مصغرًا (أَبُو ثَابِتٍ) مولى عثمان بن عفَّان القرشي الفقيه، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين؛ أي ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ) بضم العين في الأول، وبالسين المهملة وتشديد الموحدة في الثاني وبعد الألف قاف، الثَّقفي (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاري الخزرجي كاتب الوحي رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ بَعَثَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (لِمَقْتَلِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي (أَهْلِ الْيَمَامَةِ) بفتح التحتية وتخفيف الميم الأولى، جارية زرقاء كانت تبصر الرَّاكب من مسيرة ثلاثة أيَّام، وبلاد الجوِّ منسوبةٌ إليها، وهي من اليمن، وبها قُتِل مسيلمة الكذَّاب، وقتل من القرَّاء سبعون أو سبعمائة.

(وَعِنْدَهُ عُمَرُ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (فَقَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) بالسين المهملة الساكنة بعدها فوقية وحاء مهملة فراء مشددة؛ أي اشتدَّ وكثر (يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ) وسقط في رواية الكُشميهني لفظ (( قد ) )من قوله (( قد استحر ) ) (وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ) أي يشتدَّ (الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ) .

قال أبو بكر رضي الله عنه لزيد رضي الله عنه (قُلْتُ) لعمر (كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ) لي (عُمَرُ هُوَ) أي جمعه (وَاللَّهِ خَيْرٌ) يحتمل أن يكون أفعل التَّفضيل، وأن لا يكون. قيل كيف يكون فعلهم خيرًا ممَّا كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأُجيب بأنَّه هو خيرٌ في زمانهم، وكذا الترك كان خيرًا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لعدم تمام النُّزول، واحتمال النَّسخ، فلو جمع بين الدَّفتين، وسارت به الركبان إلى البلدان، ثمَّ نُسِخ

ج 29 ص 610

لأدَّى ذلك إلى اختلاف عظيم.

قال أبو بكر رضي الله عنه (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ) لي (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه.

وحكى ابن بطَّال عن المهلَّب أنه يدلُّ على أنَّ العقل أجلُّ الخصال المحمودة؛ لأنَّه لم يوصف زيد بأكثر من العقل، وجعله سببًا لائتمانه، ورفع التُّهمة عنه.

وتعقَّبه الحافظ العَسقلاني بأنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه ذكر عقب الوصف المذكور، (( وقد كنتَ تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، فمن ثمَّة اكتفى بوصفه بالعقل؛ لأنَّه لو لم تثبت أمانته وكفايته وعقله؛ لما استكتبه النَّبي صلى الله عليه وسلم الوحيَ، وإنَّما وصفَه بالعقل وعدم الاتِّهام دون ما عداهما إشارةً إلى استمرار ذلك له، وإلَّا فمجرَّد قوله (( ولا نتَّهمك ) )مع قوله (( عاقل ) )لا يكفي في ثبوت الأمانة والكفاية، فكم من بارعٍ في العقل والمعرفة وُجِدت منه الخيانة.

(فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ) بالفاء، وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو (قَالَ زَيْدٌ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي) أي أبو بكرٍ رضي الله عنه (نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ) نقله (بِأَثْقَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِمَّا كَلَّفَنِي) به أبو بكرٍ (مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ) أي للعمرين (كَيْفَ تَفْعَلاَنِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ) بالمثلثة بعد المهملة المضمومة، وفي رواية أبي ذرٍّ بالموحدة بدل المثلثة وضم أوله (مُرَاجَعَتِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَيَا، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ) بضم العين والسين المهملتين آخره موحدة جمع عسيب، وهو جريد النَّخل إذا نُزِعَ منه الخوص، وهو المكتوبُ فيه.

(وَالرِّقَاعِ) بكسر الراء وبالقاف وبعد الألف مهملة، جمع رقعة من جلدٍ أو ورق، وفي روايةٍ أخرى (( وقطع الأديم ) ) (وَاللِّخَافِ) باللام المكسورة والخاء المعجمة وبعد الألف فاء، جمع اللخفة، وهي الحجرُ الأبيض أو الخزف،

ج 29 ص 611

وقيل الحجارة الرَّقيقة (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) الَّذي حفظوهُ وجمعوه في صدورهم في حياتهِ صلى الله عليه وسلم كاملًا كأُبيِّ بن كعب ومعاذ بن جبل (فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة 128] إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ) أي ابن ثابت بن الفاكِه _ بالفاء والكاف المكسورة _ الأنصاري الأوسي الَّذي جعل النَّبي صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين.

(أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) شكٌّ من الرَّاوي، وهو أبو خزيمة بن أويس بن زيد بن أصرم، وهو مشهورٌ بكنيته، الأنصاري النَّجاري، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وتوفِّي في خلافة عثمان رضي الله عنه. وعند أحمد والتِّرمذي من رواية عبد الرَّحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد (( مع خزيمة بن ثابت ) )، وفي رواية شعيب في آخر (( سورة التَّوبة ) ) [خ¦4679] (( مع خزيمة بن ثابتٍ الأنصاري ) ). وفي «مسند الشَّاميين» من طريق أبي اليمان عند الطَّبراني (( خزيمة بن ثابت الأنصاري ) )، لكن قول من قال مع (( أبي خزيمة ) )أصحُّ، وقد اختلف فيه على الزُّهري فمن قائل (( مع أبي خُزيمة ) )، ومن قائل (( مع خزيمة ) )، ومن شاك فيه (( خزيمة أو أبي خزيمة ) ).

والأرجحُ أنَّ الَّذي وجد معه آخر سورة التَّوبة أبو خزيمة، بالكنية، والَّذي معه آية الأحزاب خزيمة، فقد مرَّ في (( باب جمع القرآن ) ) [خ¦4988] أنَّ الآية الَّتي مع خزيمة {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب 23] من سورة الأحزاب. وقيل إنَّ آية التَّوبة كانت عند النَّقل من العسب إلى المصحف، وآية الأحزاب عند النَّقل من الصَّحيفة إلى المصحف، وعند ابن أبي داود في كتاب «المصاحف» من طريق أبي إسحاق حدَّثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزُّبير قال أتى الحارث بن خزيمة إلى عمر بهاتين الآيتين {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة 128] أي إلى آخر السُّورة، فقال أشهد أنِّي سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما، فقال عمر وأنا أشهد لقد سمعتهما.

(فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا، وَكَانَتِ الصُّحُفُ) الَّتي كتبوا فيها القرآن، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالفاء بدل الواو (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه (حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ) رضي الله عنه (حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) رضي الله عنهما. فإن قيل كيف ألحقها بالقرآن وشرطه التَّواتر؟ أُجيب بأنَّ معناه لم أجدها مكتوبةً عند غيره. فإن قيل لمَّا كان متواترًا فما هذا التَّتبع؟

ج 29 ص 612

أُجيب هو للاستظهار، لا سيَّما وقد كُتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل فيها قراءةٌ أخرى أم لا؟

قيل ما وجه ما اشتهر أنَّ عثمان رضي الله عنه هو جامعُ القرآن؟ أُجيب بأنَّ الصُّحف كانت مشتملةً على جميعِ أحرفه، ووجوهه الَّتي نزلَ بها، فجرَّد عثمان رضي الله عنه اللُّغة القرشيَّة منها، أو كانت صحفًا فجعلها مصحفًا واحدًا جمع النَّاس عليها، وأمَّا الجامع الحقيقي سورٌ أو آيات، فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي.

(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين، ابن محمَّد بن زيد مولى عثمان بن عفَّان رضي الله عنه شيخ البخاري المذكور أوَّل هذا الباب (اللِّخَافُ) المذكور في الحديث (يَعْنِي) به (الْخَزَفَ) بالخاء والزاي المعجمتين ثمَّ فاء.

وفي الحديث اتِّخاذ الحاكم الكاتب، وأن يكون الكاتب عاقلًا فَطِنًا بقول الشَّهادة، ومراجعة الكاتب للحاكم في الرَّأي، ومشاركته له فيه، وأنَّ من سبق له علم بأمر يكون أولى به من غيره إذا وقع. وعند البيهقي بسندٍ حسن عن عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن الأرقم، فكان يكتب له إلى الملوك، فبلغَ من أمانته عنده أنَّه كان يأمره أن يكتب ويختم ولا يقرأه، ثمَّ استكتبَ زيد بن ثابت، فكان يكتبُ الوحي، ويكتب إلى الملوك، وكان إذا غابا كتب جعفر بن أبي طالبٍ، وكتب له أيضًا أحيانًا جماعةٌ من الصَّحابة رضي الله عنهم.

ومن طريق عياض الأشعري عن أبي موسى أنَّه استكتب نصرانيًّا، فانتهره عمر وقرأ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة 51] الآية، فقال أبو موسى والله ما تولَّيته، وإنَّما كان يكتب، فقال أما وجدت في أهل الإسلام مَنْ يكتب؟ لا تُدنِهم إذ أقصاهُم الله، ولا تأتمنهم إذ خوَّنهم الله، ولا تُعزَّهم إذ أذلَّهم الله.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( وإنَّك رجلٌ شاب عاقلٌ لا نتَّهمك ) )، وقد مضى الحديث في (( تفسير سورة براءة ) ) [خ¦4679] ، وفي (( فضائل القرآن ) ) [خ¦4986] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت