7266 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة بعدها
ج 29 ص 695
دال مهملة، ابن عبيدٍ الجوهري البغدادي، قال (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (ح) تحويلٌ من سندٍ إلى آخر (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ راهويه، قال الحافظ العَسقلاني كما في رواية أبي ذرٍّ (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، ابنُ شُميل أبو الحسن المازني البصري النَّحوي، شيخ مرو ومحدِّثها، قال (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بالجيم والراء، نصر بن عمران الضُّبعي البصري. أنَّه (قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (يُقْعِدُنِي) بضم أوله وكسر ثالثه (عَلَى سَرِيْرَةٍ) وكان ترجمانًا بينه وبين النَّاس فيما يستفتونه. وفي (( مسند إسحاق بن راهويه ) )أنَّ النَّضر بن شُميل، وعبد الله بن إدريس، قالا حدَّثنا شعبة فذكره، وفيه (( ويجلسني معه على السَّرير فأترجم بينه وبين النَّاس ) ).
(فَقَالَ إِنَّ) وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي في نسخة (وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ) وهو أبو قبيلة، كانوا ينزلون البحرين، وحوالي القَطيف _ بفتح القاف _ (لَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عام الفتح (قَالَ) لهم (مَنِ الْوَفْدُ) وفي (( كتاب الإيمان ) ) [خ¦53] _ بكسر الهمزة _ (( من القوم؟ أو من الوفد؟ ) )بالشَّك.
(قَالُوا رَبِيعَةُ) أي نحن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، فَخِذٌ من عبد القيس؛ لأنَّهم من أولاده (قَالَ مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ أو الْقَوْمِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ بالشَّك من الرَّاوي، وفي رواية غيره بالواو بدل (( أو ) ). مرحبًا مأخوذ من رحبٍ رُحبًا _ بالضم _ إذا وسع، منصوبٌ بعامل مضمر لازم إضماره، والمعنى أصبتُم رحبًا وسعة.
(غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى) جمع نادم على لغةٍ ذكرها القزَّاز. و (( خزايا ) )جمع خزيان، وهو المفتضَح. و (( غير ) )حالٌ من الوفد أو القوم، والعامل فيه الفعل المقدَّر (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارَ مُضَرَ) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، مخفوضٌ للإضافة بالفتحة؛ للعلميَّة والتَّأنيث، وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطرافِ العراق، ويقال ربيعة ومضر أخوان، يقال ربيعة الخيل، ومضر الحمراء؛ لأنَّهما لمَّا اقتسما الميراث أخذ مضر الذَّهب، وربيعة الفَرَس، ولم يمكن لهم الوصول إلى المدينة إلَّا عليهم، وكانوا يخافون منهم إلَّا في الشَّهر الحرام.
(فَمُرْنَا بِأَمْرٍ) زاد في (( الإيمان ) ) (( فَصْلٍ ) ) [خ¦53] بالصاد المهملة والتنوين في الكلمتين على الوصفيَّة (نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ) إذا قُبِل منَّا برحمة الله (وَنُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) من قومنا الَّذين خلفناهم في بلادنا. وقال العيني أي بحسب المكان من البلاد البعيدة، أو بحسب الزَّمان من الأولاد ونحوهم، ويروى بكسر الميم.
(فَسَأَلُوا) النَّبي صلى الله عليه وسلم (عَنِ الأَشْرِبَةِ) أي عن ظروفها (فَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، وَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ) أي وحده (قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم هو(شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ
ج 29 ص 696
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَظُنُّ فِيهِ)أي في الحديث (صِيَامُ رَمَضَانَ، وَتُؤْتُوا) وفي (( الإيمان ) ) (( وأن تعطوا ) )وهو معطوفٌ على قوله (( بأربع ) )أي أمرهم بالإيمان، وبأن تعطوا.
(مِنَ الغَنَائِمَ) بلفظ الجمع (الْخُمُسَ) قال الكرماني لِمَ عَدَلَ عن أسلوب أخواته؟ وأجاب بأنَّه للإشعار بمعنى التَّجدد؛ لأنَّ سائر الأركان كانت ثابتةً قبل ذلك بخلاف الخمس، فإنَّ فرضيَّته كانت متجدِّدة، ولم يذكر الحج؛ لأنَّه لم يُفرض حينئذٍ، أو لأنَّهم لا يستطيعون الحجَّ بسبب لقاء مضر.
فإن قيل المذكور خمسٌ لا أربع؟ فالجواب أنَّه لم يجعل الشَّهادة من الأربع لعلمهم بذلك، وإنَّما أمرهم بأربعٍ لم تكن في علمهم أنَّها من دعائم الإيمان.
وفي «شرح المشكاة» للطِّيبي قوله (( بأمر فَصْلٍ ) )يحتمل أن يكون الأمر واحدُ الأوامر، وأن يكون بمعنى الشَّأن، و (( فَصْلٍ ) )يحتمل أن يكون بمعنى الفاصل، وهو الَّذي يفصل بين الصَّحيح والفاسد، والحقِّ والباطل، وأن يكون بمعنى المفصَّل؛ أي مبين مكشوفٌ ظاهر ينفصل به المراد عن الاشتباه فإذا كان بمعنى الشَّأن والفاصل هو الظَّاهر يكون التَّنكير للتَّعظيم لشهادة قوله (( ندخل بها الجنَّة ) )كما قال صلى الله عليه وسلم (( سألتني عن عظيم ) )في جواب معاذ أخبرني بعملٍ يدخلني الجنَّة؟
فالمناسب حينئذٍ أن يكون الفصل؛ لتفصيله صلى الله عليه وسلم عليه الإيمان بأركانه الخمسة، كما فصَّله في حديث معاذٍ رضي الله عنه، وإن كان بمعنى واحد الأوامر، فيكون التَّنكير للتَّقليل، فإذا المراد به اللفظ والباء للاستعانة، والمأمور به محذوف؛ أي مرنا بعمل بواسطة افعلوا، وتصريحه في هذا المقام أن يقال لهم آمنوا وقولوا آمنا. هذا هو المعنى بقول الرَّاوي أمرهم بالإيمان بالله.
وعلى أن يرادَ بالأمر الشَّأن يكون المراد معنى اللَّفظ ومؤداه، وعلى هذا الفصل بمعنى الفاصل؛ أي مرنا بأمرٍ فاصلٍ جامع قاطعٌ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (( قل آمنت بالله ثمَّ استقم ) ). فالمأمور هاهنا أمرٌ واحدٌ، وهو الإيمانُ والأركان الخمسة، كالتَّفسير للإيمان بدَلالة قوله صلى الله عليه وسلم (( أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ ) )، ثمَّ بيَّنه بما قال. فإن قيل على هذا في قول الرَّاوي إشكالان
أحدهما أنَّ المأمور واحدٌ، وقد قال أربع.
وثانيهما أنَّ الأركان خمسةٌ، وقد ذكر أربعًا.
والجواب عن الأوَّل أنَّه جعل الإيمان أربعًا باعتبار أجزائه المفصَّلة.
وعن الثَّاني أنَّ من عادة البلغاء أنَّ الكلام إذا كان منطويًا لغرضٍ من الأغراض جعلوا سياقه له وتوجهه إليه، كأنَّ ما سواه مرفوضٌ مطروح، ومنه قوله تعالى {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس 14] ؛ أي فعززناه، ترك المنصوب وأتى بالجار والمجرور؛ لأنَّ الكلام لم يكن مسوقًا له.
فهاهنا لمَّا لم يكن الغرض
ج 29 ص 697
في الإيراد ذكر الشَّهادتين؛ لأنَّ القومَ كانوا مؤمنين مقرِّين بكلمتي الشَّهادتين، وبدليل قولهم الله ورسوله أعلم، وترحيب النَّبي صلى الله عليه وسلم بهم، ولكن كانوا يظنُّون أنَّ الإيمان مقصورٌ عليهما، وأنَّهما كافيان لهم، وكان الأمر في صدرِ الإسلام كذلك، لم يجعله الرَّاوي من الأوامر.
وقصدوا به أنَّه صلى الله عليه وسلم نبَّههم على موجب توهُّمهم (( أتدرون ما الإيمان؟ ) )، ولذلك خصَّص (( أن تعطوا من الغنائم الخمس ) )حيث أتى بالفعلِ المضارع على الخطاب؛ لأنَّ القوم كانوا أصحاب حروبٍ وغزوات، بدليل قولهم (( بيننا وبينك كفار مضر ) )؛ لأنَّه هو الغرض من إيراد الكلام، فصار أمرًا من الأوامر. انتهى.
(وَنَهَاهُمْ) صلى الله عليه وسلم (عَنِ الدُّبَّاءِ) أي عن الانتباذ في الدُّبَّاء _ بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة والمد _ أي القرع (وَالْخَنْتَمِ) أي وعن الانتباذ في الخنتم _ بالخاء المعجمة [1] _ الجرَّة الخضراء (وَالْمُزَفَّتِ) أي وعن الانتباذ في المزفَّت _ بتشديد الفاء _ أي المطليِّ بالزِّفت (وَالنَّقِيرِ) أي وعن الانتباذ في النَّقير _ بالنون المفتوحة والقاف المكسورة _ أصل خشبة تُنقَر، فيُنتَبذ فيه.
(وَرُبَّمَا قَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (الْمُقَيَّرِ) بضم الميم وفتح القاف وتشديد التحتية، ما طُلِي بالقار، نبتٌ يُحرق إذا يبسَ يُطلى به السُّفن، كما تُطلى بالزفت، وهذا منسوخٌ بحديث مسلم (( كنت نهيتكُم عن الانتباذ إلَّا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ، ولا تشربوا مسكرًا ) ).
وقدره الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام في «مجاز القرآن» وأنهاكم عن شرب نبيذ الدُّباء والحنتم والمزفت والنقير.
(قَالَ احْفَظُوهُنَّ) بهمزة وصل (وَأَبْلِغُوهُنَّ) بهمزة مفتوحة وكسر اللام، وفي نسخة من التَّبليغ (مَنْ وَرَاءَكُمْ) من قومكم. وفيه دليلٌ على أنَّ إبلاغ الخبر، وتعليم العلم واجبٌ؛ إذ الأمر للوجوب، وهو يتناول كلَّ فردٍ، فلولا أنَّ الحجَّة تقوم بتبليغ الواحد ما حضَّهم عليه.
وبهذا يطابق الحديث التَّرجمة، وقد مضى الحديث في (( كتاب الإيمان ) )، في (( باب أداء الخمس من الإيمان ) ) [خ¦53] .
[1] كذا قال، وهي الحنتم بالحاء المهملة كما في الإرشاد وغيره.