فهرس الكتاب

الصفحة 1076 من 11127

673 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضم المهملة وفتح الموحدة، القرشيُّ الكوفيُّ الهَبَّاري _ بفتح الهاء والموحدة المشددة _ (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين على صيغة التَّصغير، هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ) هذا أخصُّ من الرِّواية الماضية حيث قال «إذا وضع العَشاء» [خ¦671] ، فيحمل العشاء في تلك الرِّواية على عشاء من يريد الصَّلاة، فلو وضع عشاء غيره لم يدخل في ذلك، ويحتمل أن يقال بالنَّظر إلى المعنى لو كان جائعًا واشتغل خاطره بطعام غيره كان كذلك وسيلة إلى أن ينتقلَ عن ذلك المكان أو يتناول مأكولًا يزيلُ شغلَ باله؛ ليدخل في الصَّلاة وقلبه فارغ، ويؤيِّد هذا الاحتمال عموم قوله في رواية مسلم من طريق أُخرى عن عائشة رضي الله عنها (( لا صلاةَ بحضرة طعام ) )الحديث، وكذا يؤيِّده قول أبي الدَّرداء الماضي «إقباله على حاجتهِ» [خ¦671 قبل] .

(وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ

ج 4 ص 178

فَابْدَؤُوا) أنتم (بِالْعَشَاءِ) بفتح العين (وَلاَ يَعْجَلْ) أي أحدكم (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ) أي من العشاء. قال الطِّيبي أفرد قوله «يعجل» و «يفرغ» نظرًا إلى لفظ «أحد» ، وجمع قوله «فابدؤوا» نظرًا إلى لفظ «كم» ، قال والمعنى إذا وضع عشاء أحدكم فابدؤوا أنتم بالعشاء، ولا يعجل هو حتَّى يفرغَ معكم منه.

واستدلَّ بعض الشَّافعيَّة والحنابلة بقوله «فابدؤوا» ، على تخصيصِ ذلك بمن لم يشرعْ في الأكل، فأمَّا من شرع فيه ثمَّ أقيمت الصلاة فلا يتمادى في الأكل، بل يقوم إلى الصَّلاة، لكن صنيع ابن عمر رضي الله عنهما، وكذا حديثه كما سيأتي قريبًا [خ¦674] يبطل ذلك.

قال النَّووي وهو الصَّواب، وتعقِّب بأنَّ صنيع ابن عمر رضي الله عنهما اختيار له، وإلَّا فالنَّظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه؛ لأنَّه يكون قد أخذ من الطَّعام ما يدفعُ به شغلَ البال، ويؤيِّد ذلك حديث عمرو بن أميَّة الآتي في الباب الذي يلي هذا الباب [خ¦675] ، ولعلَّ ذلك [1] هو السِّر في إيراد المؤلِّف له عقيبه. نعم روى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة وابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّهما كانا يأكلان طعامًا وفي التَّنور شواء، فأراد المؤذِّن أن يُقيم، فقال له ابن عبَّاس لا تعجل لا نقوم وفي أنفسنا منه شيء.

وفي رواية ابن أبي شيبة لئلا يَعْرضَ لنا في صلاتنا، وله عن الحسن بن عليٍّ قال العشاء قبل الصَّلاة يُذهِب النَّفس اللَّوامة. وفي هذا كلُّه إشارة إلى أنَّ العلة في ذلك تشوُّق النَّفس إلى الطَّعام فينبغي أن يدار الحكم مع علَّته وجودًا وعدمًا ولا يتقيَّد بكلٍّ ولا بعض.

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ) وهو أعمُّ من العشاء (وَتُقَامُ الصَّلاَةُ) مَغرِبًا كانت أو غيرها (فَلاَ يَأْتِيهَا) أي الصَّلاة (حَتَّى يَفْرُغَ) من أكله (وَإِنَّهُ يَسْمَعُ) وفي رواية الكشميهنيِّ بزيادة لام التأكيد (قِرَاءَةَ الإِمَامِ) وهذا الأثر موصول عطفًا على المرفوع، وقد رواه السَّرَّاج من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع فذكر المرفوع ثم قال قال نافع وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا حضر عشاؤه وسمع الإقامة وقراءة الإمام لم يقم حتَّى يفرغ.

ورواه ابن حبَّان من طريق ابن جريج عن نافع أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلِّي المغرب إذا غابت الشَّمس، وكان أحيانًا نلقاه وهو صائم فيقدَّم له عشاؤه وقد نودي للصَّلاة ثمَّ تقام وهو يسمع فلا يترك عشاءه ولا يعجل حتَّى يقضي عشاءه ثمَّ يخرج فيصلِّي، وهذا أصرح ما ورد عنه في ذلك.

674 - (وَقَالَ زُهَيْرٌ) بضم الزاي وفتح الهاء، هو ابن معاوية الجعفي

ج 4 ص 179

(وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ) كلاهما (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلاَ يَعْجَلْ، حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ) منه (وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ) ، وطريق زهير وصلها أبو عَوانة في «مستخرجه» ، وأمَّا طريق وهب فبيَّنه المؤلِّف بقوله (رَوَاهُ) وفي رواية أي الحديث المذكور (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) وهو من شيوخ البخاري رحمه الله ومن أفراده.

(عَنْ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ) السَّابق ذكره (وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ) ويروى بفتح الدال، وكلاهما نسبة إلى مدينة الرَّسول طيبة _ طيَّب الله أنفاسنا بزيارتها ورزقناها مرَّة بعد أخرى على أحسن الأحوال _ غير أنَّ القياس فتح الدال، كما يقال في النسبة إلى ربيعة رَبَعي، وإلى جذيمة جَذَمي، وقد يفرق بإثبات الياء وحذفها بين النسبة إلى مدينة السَّلام وبين النسبة إلى مدينة الرَّسول عليه السَّلام، وفائدة ذكر نسبة وهب هنا غير ظاهرة إلَّا أنَّه أشار إلى أنَّه مدني كما أنَّ إبراهيم بن المنذر مدني روى عنه مدنيِّ أيضًا، وهذا الحديث من تعاليق البخاري رحمه الله، ثمَّ إنَّه قد وافق زهيرًا ووهبًا أبو ضَمْرة عند مسلم، وأبو بدرٍ عند أبي عَوانة، والدَّراوردي عند السَّرَّاج كلُّهم عن موسى بن عقبة.

هذا وقال النَّووي في هذه الأحاديث التي وردت في هذا الباب كراهة الصَّلاة بحضرة الطَّعام للذي يريد أكله لما فيه من اشتغال القلب وذهاب كمال الخشوع، ويلتحق به ما في معناه ممَّا يشغل القلب، وهذه الكراهة إذا صلَّى وفي الوقت سعة، فإذا ضاق بحيث لو أكل خرج الوقت صلَّى على حاله محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز التَّأخير.

وحكى المُتَوَلِّي وجهًا أنَّه يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت؛ لأنَّ المقصود في الصَّلاة الخشوع فلا يفوته هذا، وهذا إنَّما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثم فيه نظر؛ لأنَّ المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما، وخروج الوقت أشدُّ من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك، وإذا صلَّى لمحافظة الوقت صحَّت مع الكراهة، وتُستحبُّ الإعادة عند الجمهور، وادَّعى ابن حزم أنَّ في الحديث دلالة على امتداد الوقت في حقِّ من وُضِع له الطَّعام، ولو خرج الوقت المحدود وقال مثل ذلك في حقِّ النَّائم والنَّاسي، ثمَّ إنَّه استدلَّ النَّووي وغيره بحديث أنس على امتداد وقت المغرب.

واعترضه ابن دقيق العيد بأنَّه إن أريد بذلك التَّوسعة إلى غروب الشَّفق، ففيه نظر، وإن أريد به مطلق التَّوسعة

ج 4 ص 180

فمسلَّم، ولكن ليس محل الخلاف المشهور، فإنَّ بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مقدَّرًا بزمن يدخل فيه مقدار ما يتناول لُقيمات يكسر بها سورة الجوع.

واستُدِلَّ بحديث ابن عمر رضي الله عنهما على أنَّه يأكل حاجته بكمالها، واستدلَّ القرطبي بهذه الأحاديث على أنَّ شهود صلاة الجماعة ليس بواجب؛ لأنَّ ظاهره أنَّه يشتغل بالأكل وإن فاتته الصَّلاة في الجماعة وفيه نظر؛ لأنَّ بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبَّان جعل حضور الطعام عذرًا في ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذٍ على إسقاط الوجوب مطلقًا.

تكميل قال ابن الجوزي ظنَّ قوم أنَّ هذا من باب تقديم حق العبد على حقِّ الله عزَّ وجلَّ، وليس كذلك، وإنَّما هو صيانة لحقِّ الحق؛ ليدخل العباد في العبادة بقلوب مقبلة.

فإن قيل روى أبو داود من حديث جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تؤخِّروا الصَّلاة لطعام ولا لغيره ) ).

فالجواب أنَّه ضعيف لا يُعتَرض به على الصَّحيح، ولئن سلَّمنا صحَّته فله معنى غير معنى الآخر، وهو أنَّه إذا وجبت لا تؤخروا وإذا كان الوقت باقيًا يُبدأ بالعَشاء، فاجتمع معناهما ولم يتهاترا.

هذا ثمَّ إنَّ طعام القوم كان شيئًا يسيرًا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبًا، ثمَّ إنَّ ما يقع في بعض كتب الفقه «إذا حضر العَشاء والعِشاء فابدؤوا بالعَشاء» لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللَّفظ، كذا في «شرح التِّرمذي» للشَّيخ أبي الفضل، لكن قد قال الحافظ العسقلانيُّ رأيت بخطِّ الحافظ قطب الدِّين أنَّ ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل وهو ابن عُلَيَّة، عن أبي إسحاق حدَّثني عبد الله بن رافع عن أمِّ سلمة رضي الله عنه مرفوعًا (( إذا حضر العَشاء وحضرت العِشاء فابدؤوا بالعَشاء ) ).

فإن كان ضبطه فذاك وإلَّا فقد رواه أحمد في «مسنده» عن إسماعيل بلفظ (( وحضرت الصَّلاة ) )ثمَّ راجعت «مصنَّف ابن أبي شيبة» فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد، والله أعلم.

[1] من قوله (( حديث عمرو. .. إلى قوله ولعلَّ ذلك ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت