7289 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) أبو عبد الله (الْمُقْرِئُ) بالهمز الحافظ، قال (حَدَّثَنَا سِعِيدٌ) بكسر السين، هو ابن أبي أيُّوب
ج 30 ص 27
الخزاعيُّ المصري، واسم أبي أيُّوب مِقْلاص _ بكسر الميم وسكون القاف آخره صاد مهملة _ وكان ثقةً ثبتًا، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين، هو ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ جُرْمًا) بضم الجيم وسكون الراء بعدها ميم؛ أي من حيث الجُرم؛ أي الذَّنب. وفي رواية مسلمٍ (( إنَّ أعظمَ المسلمين في المسلمين جُرمًا ) ).
قال الطِّيبي فيه من المبالغة أنَّه جعله عظيمًا، ثمَّ فسَّره بقوله (( جرمًا ) )؛ ليدلَّ على أنَّ نفسَه جرمٌ. وقوله (( في المسلمين ) )أي في حقِّهم.
(مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ) وفي رواية سُفيان (( عن أمرٍ ) )، وقوله (لَمْ يُحَرَّمْ) على البناء للمفعول من التَّحريم صفةً لقوله (( شيءٍ ) ) (فَحُرِّمَ) بضم الحاء وتشديد الراء على البناء للمفعول أيضًا، وزاد مسلم (( عليهم ) ) (مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) قال ابن بطَّالٍ عن المهلَّب ظاهر الحديث يتمسَّك به القدريَّة في أنَّ الله تعالى يفعل شيئًا من أجل شيءٍ، وهو مخالفٌ لأهل السُّنة، بل هو على كلِّ شيءٍ قديرٍ، فهو فاعل السَّبب والمسبَّب كلُّ ذلك بتقديره، ولكن الحديثَ محمولٌ على التَّحذير ممَّا ذكر، فَعَظُمَ جُرم من فعل ذلك؛ لكثرة الكارهين لفعله.
وقال غيره إنَّ أهل السُّنة لا ينكرون إمكان التَّعليل، وإنَّما ينكرون وجوبه، فلا يمتنع أن يكون المقدَّر الشَّيء الفلانيَّ تتعلَّق به الحرمة إن سُئل عنه، فقد سبق القضاء بذلك، لا أنَّ السُّؤال علَّةٌ للتَّحريم. انتهى.
فإن قلت قوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل 43] يدلُّ على وجوب السُّؤال. فالجواب أنَّه معارَضٌ بقوله {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة 101] . فالتَّحقيق أنَّ لا تَنافي بينهما، فإنَّ المأمور به هو ما تقرَّر حكمه من وجوبٍ ونحوه، والمنهيُّ هو ما لم يَتعبَّد الله به عباده، ولم يتكلَّم بحكمٍ فيه.
وقال ابن التِّين قيل الجرم اللَّاحق به إلحاقُ المسلمين المضرَّةَ لسؤاله، وهي منعهم التَّصرُّف فيما كان حلالًا قبل مسألته.
وقال القاضي عياض المراد بالجُرم هنا الحدث على المسلمينِ، لا الَّذي هو بمعنى الإثم المعاقَب عليه؛ لأنَّ السُّؤال كان مباحًا، ولهذا قال (( سلوني ) ).
وتعقَّبه النَّووي بأنَّه ضعيفٌ بل باطلٌ، والصَّواب ما قاله الخطَّابي والتَّيمي وغيرهما أنَّ المراد بالجرم الإثم والذَّنب، وحملوه على مَن سأل تكلُّفًا وتعنُّتًا فيما لا حاجة له إليه.
وسببُ تخصيصه ثبوتُ الأمر بالسُّؤال عمَّا يُحتاج إليه بقوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل 43] ، فمن سأل عن نازلةٍ وقعت له لضرورته إليها فهو معذورٌ، فلا إثمَ عليه ولا عتب، فكل من الأمر بالسُّؤال، والزَّجر عنه مخصوصٌ بجهةٍ غير الأخرى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ فإن قيل السُّؤال ليس بجرمٍ، ولئن كان فليس بكبيرةٍ فضلًا عن أن يكون أكبر الكبائر؟ فالجواب أنَّه لمَّا كان سببًا لتحريم شيءٍ مباحٍ صار أعظم الجرائم؛ لأنَّه صار سببًا لتضييق الأمر على جميع المسلمين، فالقتل مثلًا مضرَّته راجعةٌ إلى المقتول وحدَه، أو إلى من هو منه بسبيلٍ بخلاف صورة المسألة فضررها عامٌّ للجميع. قيل وينبغي أن يُضاف إليه أنَّ السُّؤال المذكور إنَّما صار كذلك بعد ثبوت النَّهي عنه، فالإقدام عليه حرامٌ، فيترتَّب عليه الإثم، ويتعدَّى ضرره فعظُم الإثم، والله أعلم.
ويؤُخذ منه أنَّ من عمل شيئًا أضرَّ به غيرَه كان آثمًا.
ومطابقة الحديث للجزء الثَّاني من التَّرجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه مسلم في «فضائل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم» ، وأبو داود في «السُّنة» .