فهرس الكتاب

الصفحة 10819 من 11127

7315 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكري (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أبي محمد، أحد الأعلام (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّ امْرَأَةً) زاد في «باب الحجِّ والنَّذور عن الميِّت» من «كتاب الحجِّ» [خ¦1852] (( من جهينة ) )، وفي النَّسائي (( هي امرأة سِنان بن سلمة الجهنيُّ ) )، وفي رواية أحمد (( سِنان بن عبد الله ) )وهي أصحُّ. وعند الطَّبراني (( أنَّها عمَّته ) )، كذا ذكره الحافظ العسقلانيُّ في «المقدمة» .

وقال في «الشرح» إنَّ ما في النَّسائي لا يفسِّر المبهم في حديث الباب؛ لأنَّ في حديث الباب

ج 30 ص 84

أنَّ المرأة سألت بنفسها، وفي النَّسائي أنَّ زوجها سأل، ويحتمل أن يكون نسبة السُّؤال إليها مجازيَّة.

(جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ) يا رسول الله (إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟) أي أيصحُّ منِّي أن أكون نائبةً عنها فأحجَّ عنها؟ فالفاء الدَّاخلة عليها همزة الاستفهام الاستخباري معطوفٌ على المحذوف المقدَّر، ولم تسمَّ الأمُّ.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ) أي أخبريني (لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ) لمخلوقٍ (أَكُنْتِ قَاضِيَة) ويُروى بالضمير (عَنْهَا، قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ فَاقْضُوا الَّذِي لَهُ) تعالى؛ أي اقضوا أيُّها المسلمون الحقَّ الَّذي لله تعالى، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني ودخلت المرأة في هذا الخِطاب دخولًا بالقصد الأول، وقد علم في الأصول أن النِّساء يدخلنَ في خطاب الرِّجال، لاسيَّما عند القرينة المُدْخِلة (فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) من غيره. قيل قال الفقهاء حقُّ الآدمي مقدَّمٌ على حقِّ الله تعالى. وأُجيب بأنَّ التَّقديم بسبب احتياجه لا يُنافي الأحقِّية بالوفاء واللُّزوم.

قال ابن بطَّال التَّشبيه والتَّمثيل هو القياسُ عند العرب. وقد احتجَّ المزني بهذين الحديثين على مَن أنكر القياس. قال وأوَّل من أنكر القياس إبراهيم النَّظَّام، وتبعه بعض المعتزلة، وممَّن يُنسب إلى الفقه داود بن عليٍّ، وما اتَّفق عليه الجماعة هو الحجَّة، فقد قاس الصَّحابة ومن بعدهم من التَّابعين وفقهاء الأمصار، وبالله التَّوفيق.

وقد ذكر الشَّافعي شرط من له أن يقيسَ فقال يشترط أن يكون عالمًا بالأحكام من كتابِ الله تعالى، وبناسخه ومنسوخه وعامِّه وخاصِّه، ويستدلُّ على ما احتمل التَّأويل بالسُّنة وبالإجماع، فإن لم يكن؛ فبالقياس على ما في الكتاب فإن لم يكن فبالقياس على ما في السُّنة، فإن لم يكن فبالقياس على ما اتَّفق عليه السَّلف، ولم يُعرف لهم مخالفٌ.

قال ولا يجوز القول في شيءٍ من العلم، إلَّا من هذه الأوجه، ولا يكون لأحدٍ أن يقيس حتَّى يكون عالمًا بما مضى قبله من السُّنن وأقاويل السَّلف، وإجماع النَّاس واختلاف العلماء ولسان العربِ، ويكون صحيح العقل؛ ليفرِّق بين المشتبهات ولا يعجل، ويسمع ممَّن خالف؛ ليتنبه بذلك على غفلةٍ إن كانت، وأن يبلغَ غاية جهده، وينصفُ من نفسه، حتَّى يعرف من أين قالَ ما قال.

والاختلاف على وجهين، فما كان منصوصًا لم يَحِلَّ فيه الاختلاف عليه، وما كان يحتمل التَّأويل، أو يُدْرَكَ قياسًا؛ فذهب المتأوَّل أو القائسُ إلى معنى يُحتمل، وخالفه غيره لم أقل إنَّه يُضيَّق عليه ضِيْقَ المخالف للنَّصِّ، وإذا قاس من له القياس فاختلفوا وَسِعَ كلًّا أن يقولَ بمبلغ اجتهاده، ولم يسعه اتِّباع غيره فيما أدَّاه إليه اجتهاده.

وقال ابن عبد البرِّ في «بيان العلم» بعد أن ساق هذا الفصل قد أتى الشَّافعيُّ رحمه الله في هذا الباب بما فيه كفايةٌ وشفاءٌ، والله الموفِّق.

وقال ابن العربيِّ وغيره القرآن هو الأصل، فإن كانت دَلالته خفيَّةٌ نُظِر في السُّنة، فإن بيَّنته وإلَّا فالجليُّ من السُّنة، فإن كانت الدَّلالة منها خفيَّة نُظِر فيما اتَّفق عليه الصَّحابة، فإن اختلفوا رجِّح، فإن لم يوجد عَمِلَ بما يُشبه نصَّ الكتاب، ثمَّ السُّنة، ثمَّ الاتِّفاق ثم الرَّاجح.

وأنشد ابن عبد البرِّ لأبي محمد اليزيدي النَّحوي المقرئ، المشهور برواية أبي عَمرِو بن العلاء من أبيات طويلةٍ في إثبات القياس

~لَا تَكُنْ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَا رًا كَمَا قَدْ قَرَأْتَ فِي الْقُرْآنِ

~إِنَّ هَذَا الْقِيَاسَ فِي كُلِّ أَمْرٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعُقُولِ كَالْمِيزَانِ

~لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي الدِّينِ إِلَّا لِفَقِيهٍ لِدِينِهِ صَوَّانِ

~لَيْسَ يُغْنِي عَنْ جَاهِلٍ قَوْلُ رَاوٍ عَنْ فُلَانٍ وَقَوْلُهُ عَنْ فُلَانِ

~إِنْ أَتَاهُ مُسْتَرْشِدًا أَفْتَاهُ بِحَدِيثَيْنِ فِيهِمَا مَعْنَيَانِ

~إِنَّ مَنْ يَحْمِلُ الحَدِيث وَلَا يَعْ رِفُ فِيهِ الْمُرَادَ كَالصَّيْدَلَانِي

~حَكَمَ اللَّهُ فِي الْجَزَاءِ ذَوَيْ عَدْ لٍ لِذِي الصَّيْدِ بِالَّذِي يَرَيَانِ

~لَمْ يُوَقِّتْ وَلَمْ يُسَمِّ وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ فَلْيَحْكُمُ الْعَدْلَانِ

~وَلَنَا فِي النَّبِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ وَالصَّالِحُونَ كُلَّ أَوَانِ

~أُسْوَةٌ فِي مَقَالِهِ لِمُعَاذٍ اقْضِ بِالرَّأْيِ إِنْ أَتَى الْخَصْمَانِ

~وَكِتَابُ الْفَارُوقِ يَرْحَمُهُ اللَّهُ إِلَى الْأَشْعَرِيِّ فِي تِبْيَانِ

~قِسْ إِذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْكَ أُمُورٌ ثُمَّ قُلْ بِالصَّوَابِ وَالْعِرْفَانِ

هذا وتعقَّب بعضُهم الأوليَّة الَّتي ادَّعاها ابن بطَّالٍ بأنَّ إنكار القياس ثبت عن ابن مسعودٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم، ومن التَّابعين عن عامر الشَّعبي من فقهاء الكوفة، وعن محمد بن سيرين من فقهاء البَصرة وذلك مشهورٌ عنهم، نقله ابن عبد البرِّ، ومِنْ قَبْلِه الدَّارمي وغيره عنهم وعن غيرهم، والمذهب المعتدل ما قاله الشَّافعيُّ إنَّ القياس مشروعٌ عند الضَّرورة، لا أنَّه أصلٌ برأسه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم شبَّه لتلك المرأة الَّتي سألته الحجَّ عن أمِّها بما يعرف من دين العباد، غير أنَّه قال (( فدَين الله أحقُّ ) ).

ج 30 ص 85

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت