فهرس الكتاب

الصفحة 10866 من 11127

7355 - (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ) بالتصغير. قال الحافظ العسقلانيُّ هو خراسانيٌّ فيما ذكره أبو عبد الله بن منده في رجال البخاريِّ. وذكر ابن رُشَيدٍ في «فوائد رحلته» والحافظ المزيُّ في «التهذيب» أنَّ في بعض النُّسخ القديمة من البخاريِّ .

وقال محمد بن إسماعيل بن محمد بن خلفون حمَّاد بن حميد العسقلانيُّ روى عن عبيد الله بن معاذٍ، روي عنه البخاريُّ في «الاعتصام» . قال أبو أحمد بن عُدي حمَّاد بن حميدٍ

ج 30 ص 127

لا يعرف، عن عبيد الله بن معاذٍ. وقال ابن أبي حاتمٍ حمَّاد بن حميد العسقلانيُّ روى عن أبي ضمرة وبِشر بن بكر بن سويد وروَّاد، وسمع منه أبي ببيت المقدس في رحلته الثَّانية وروى عنه. وسُئل أُبي عنه فقال شيخٌ.

قال محمد بن إسماعيل روى عنه البخاريُّ في «الجامع» في «باب مَن رأى ترك النَّكير من النَّبي صلى الله عليه وسلم حجَّةً» . قال محمد بن إسماعيل لم يجرِ لحماد ذِكْرٌ في النُّسخة عند النَّسفي، إنَّما عنده وقال عبيد الله بن معاذ، وليس قبله حمَّاد بن حميدٍ. انتهى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وقد زعم أبو الوليد الباجي في رجال البخاريِّ أنَّه هو الَّذي روى عنه البخاريُّ هنا، وهو بعيدٌ [1] .

(حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بالتصغير (ابْنُ مُعَاذٍ) وقد أخرج مسلم هذا الحديث عن عبيد الله بن معاذٍ بلا واسطةٍ. قال الحافظ العسقلانيُّ وهو أحد الأحاديث الَّتي نزل فيها البخاري عن مسلم، أخرجها مسلم عن شيخٍ وأخرجها البخاريُّ بواسطةٍ بينه وبين ذلك الشَّيخ. وقال العينيُّ عبيد الله بن معاذٍ من مشايخ مسلم، روى عنه في غير موضعٍ، وروى البخاريُّ عن محمد بن النَّضر، وحمَّاد بن حميد، وأحمد غير منسوبٍ عنه في ثلاث مواضع في كتابه في «تفسير سورة الأنفال» في موضعينِ [خ¦4649] [خ¦4648] ، وفي آخر «الاعتصام» .

وقال الحافظ العسقلانيُّ وهي أربعة أحاديث، ليس في «الصَّحيح» غيرها بطريق التَّصريح، وفيه عدَّة أحاديث نحو الأربعين ممَّا ينزل منزلة ذلك. قال وقد أفردتها في جزءٍ، وجمعتُ ما وقع للبخاريِّ من ذلك، فكان أضعاف أضعافَ ما وقع لمسلمٍ.

(حَدَّثَنَا أَبِي) هو معاذ بن نصر بن حسَّان العنبريُّ البصريُّ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) ورواية سعدٍ عنه من رواية الأقران؛ لأنَّه من طبقته أنَّه (قَالَ رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريَّ رضي الله عنهما (يَحْلِفُ) أي شاهدته حين يحلف (بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ بصيغة المبالغة. ووقع عند ابن بطَّال مثله، لكن بغير الألف واللام، وكذا في رواية مسلمٍ، وفي رواية الباقين (( ابن الصَّائد ) )بوزن الظَّالم، واسمه صافٍ.

(الدَّجَّالُ) قال ابنُ المنكدر (قُلْتُ) له (تَحْلِفُ بِاللَّهِ، قَالَ) جابر (إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (يَحْلِفُ) أي بالله (عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قيل وإنَّما حلف عمر رضي الله عنه بالظَّنِّ،

ج 30 ص 128

ولعلَّه سمعه من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو فهمه بالعلاماتِ والقرائن. فإن قيل قد تقدَّم في «الجنائز» [خ¦1354] أنَّ عمرَ رضي الله عنه قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم دعني أضربُ عنقه، فقال (( إن يكن هو فلن تسلَّط عليه، وإن لم يكن فلا خيرَ لك في قتله ) ).

فهذا صريحٌ في أنَّه تردَّد في أمره، وترك القطع عليه أنَّه الدَّجال، وحينئذٍ فلا يدلُّ سكوته على إنكاره عند حلف عمر رضي الله عنه على أنَّه هو. فالجواب أنَّه يمكن أن يكون هذا الشَّك منه كان متقدِّمًا ليمين عمر رضي الله عنه، ثمَّ أعلمه الله أنَّه الدَّجَّال. وجواب آخر أنَّ الكلام وإن خرج مخرج الشَّك فقد يجوز أن يرادَ به التَّيقن والقطع، كقوله تعالى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر 65] .

وقد علم الله تعالى أنَّ ذلك لا يقعُ منه، فإنَّما خرج هذا منه صلى الله عليه وسلم على المتعارف عند العربِ في مخاطبتها. قال الشَّاعر

~أيَا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بَيْنَ جُلاجِلٍ وبَيْنَ النَّقَا أَأَنْتِ [أَمْ] أُمُّ سَالِمِ

فأخرج كلامه مخرج الشَّكِّ مع كونه غير شاكٍّ في أنَّها ليست بأمِّ سالم، وكذلك كلامه صلى الله عليه وسلم خرج مخرج الشَّك لطفًا منه لعمر في صرفه عن عزمه على قتله، والله أعلم.

وقد أخرج أبو داود بسندٍ صحيحٍ، عن موسى بن عقبة، عن نافع قال كان ابنُ عمر رضي الله عنهما يقول و «الله ما أشكُّ أنَّ المسيح الدَّجَّال هو ابن صيَّاد» .

ومن جملة ما في قصَّته قوله للنَّبي صلى الله عليه وسلم (( أتشهَّد أنِّي رسول الله ) ) [خ¦1354] . وقوله (( إنَّه يأتيه صادقٌ وكاذبٌ ) ) [خ¦1354] . وقوله (( إنَّه تنام عينه ولا ينامُ قلبه ) ). وقوله (( إنَّه يرى عرشًا على الماء ) ).

وقال البيهقيُّ ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على حلف عمر رضي الله عنه، فيحتمل أن يكون النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كان متوقِّفًا في أمره، ثمَّ جاءه التَّثبيت من الله تعالى بأنَّه غيره على ما تقتضيه قصَّة تميم الدَّاري، وبه تمسَّك من جزم بأنَّ الدَّجَّال غير ابن صيَّاد، وطريقه أصحُّ، وبكون الصِّفة الَّتي في ابن صيَّاد وافقت ما في الدَّجَّال.

والحاصل أنَّه إن وقع الشَّك في أنَّه الدَّجال الَّذي يقتله عيسى بن مريم عليهما السَّلام، فلم يقع الشَّكُّ في أنَّه أحد الدَّجَّالين الَّذين أنذر بهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في قوله (( إنَّ بين يدي السَّاعة دجَّالين كذَّابين ) ).

وقصَّة تميم أخرجها مسلم من حديث فاطمة بنت قيسٍ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم خطب، فذكر (( أنَّ تميمًا الدَّاري ركب في سفينةٍ مع ثلاثين رجلًا من قومه، فلعب بهم الموج شهرًا، ثمَّ نزلوا في جزيرةٍ، فلقيتهم دابَّةٌ كثيرة الشَّعر، فقالت لهم أنا الجساسة، ودلَّتهم على رجلٍ في الدَّير، قال فانطلقنا سراعًا

ج 30 ص 129

فدخلنا الدَّير، فإذا فيه أعظم إنسانٍ رأيناه قط خلقًا وأشده وثاقًا، مجموعةٌ يداه إلى عنقهِ بالحديد، فقلنا ويلك ما أنتَ؟ )) فذكر الحديث.

وفيه (( أنَّه سألهم عن نبيِّ الأمِّيين هل بُعث؟ وأنَّه إن يطيعوه فهو خيرٌ لهم، وأنَّه سألهم عن بحيرة طبريَّة، وعن عين زُغَرٍ، وعن نخل بيسان ) ). وفيه أنَّه قال (( إنِّي مخبركُم عنِّي أنا المسيح، وإنِّي أوشك أن يُؤذن لي في الخروجِ فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدعُ قريةً إلَّا هبطتها في أربعين ليلةً غير مكَّة وطيبة ) ). وفي بعض طُرقه عند البيهقيِّ أنَّه شيخٌ.

قال الحافظ العسقلانيُّ ففيه كما قال البيهقيُّ أنَّ الدَّجَّال الأكبر الَّذي يخرج في آخر الزَّمان غير ابن صيَّاد، وكان ابن صيَّاد أحد الدَّجالين الكذَّابين الَّذين أخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بخروجهم، وقد خرج أكثرهم.

وكان الَّذين يجزمون بأنَّ ابن صيَّاد هو الدَّجَّال لم يسمعوا بقصَّة تميم، وإلَّا فالجمع بينهما بعيد جدًّا، إذ كيف يلتئمُ أن يكون من كان في أثناء الحياة النَّبوية شبه المحتلم، ويجتمعُ به النَّبي صلى الله عليه وسلم، ويسائله أن يكون شيخًا مسجونًا في جزيرةٍ من جزائر البحر موثقًا بالحديد؛ ليستفهم عن خبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هل خرجَ أو لا؟ فالأولى أن يُحمل على عدم الاطِّلاع.

أمَّا عمر رضي الله عنه فيُحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمعَ قصَّة تميم، ثمَّ لمَّا سمعها لم يَعُدْ إلى الحلف المذكور.

وأمَّا جابر رضي الله عنه فشهد حلفه عند النَّبي صلى الله عليه وسلم، فاستصحبَ ما كان اطَّلع عليه من عمر رضي الله عنه بحضرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد وقعَ لابن صيَّاد مع أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قصَّة تتعلَّق بأمر الدَّجَّال.

فأخرج مسلم من طريق داود بن أبي هندٍ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال صحبني ابن صيَّادٍ إلى مكَّة، فقال لي ما قد لقيت من النَّاس يزعمون أنِّي الدَّجال ألست سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّه لا يولد له ) )؟ قلت بلى، قال فإنَّه قد ولد لي، قال أو لستَ سمعته يقول (( لا يدخل المدينة ولا مكَّة ) )؟ قلت بلى، قال فقد ولدت بالمدينة، وها أنا أريد مكَّة.

وقيل إنَّ احتجاجه بأنَّه مسلمٌ إلى سائر ما ذكر من ولادته بالمدينة وحجِّه وجهاده، فليس فيه تصريحٌ بأنَّه غير الدَّجال؛ لاحتمال أن يختم له بالشَّر، ولا دَلالة فيه على دعواه؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّما أخبر عن صفاته وقت خروجه آخر الزَّمان.

وقال النَّووي قصَّة ابن صياد مشكلةٌ وأمره مشتبهٌ، ولكن لا شكَّ أنَّه دجَّالٌ من الدَّجاجلة.

والظَّاهر أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يوحَ إليه في أمره بشيءٍ، وإنَّما أُوحي إليه بصفات الدَّجال،

ج 30 ص 130

وكان في ابن صيَّاد قرائن محتملةٌ، فلذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يقطع في أمره بشيءٍ، بل قال لعمر (( لا خير لكَ في قتله ) ).

وقال الخطَّابي اختلف السَّلف في أمر ابن صيَّاد بعد كبره، فروي أنَّه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنَّهم لمَّا أرادوا الصَّلاة عليه كشفوا وجهه حتَّى يراه النَّاس، وقيل لهم اشهدوا. لكن يعكِّر على هذا ما عند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن جابر رضي الله عنه قال فقدنا ابن صيَّاد يوم الحرَّة. وبسندٍ حسن أنَّه مات، وفي كلام جابر إشارةٌ إلى أنَّ أمره مُلَبَّسٌ، وأنَّه يجوز أن يكون ما ظهرَ من أمره إذ ذاك لا ينافي ما توقَّع منه بعد خروجه في آخر الزَّمان.

وقد أخرج أحمدُ من حديث أبي ذرٍّ «لأن أحلفَ عشر مرَّاتٍ أنَّ ابن صيَّاد هو الدَّجَّال، أحبُّ إليَّ من أن أحلفَ واحدة أنَّه ليس به» . وسنده صحيحٌ.

ومن حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه نحوه، لكن قال «سبعًا» بدل «عشر مرَّات» ، أخرجه الطَّبراني. وذكر نُعيم بن حمَّاد شيخ البخاري في كتاب «الفتن» أحاديث تتعلَّق بالدَّجال وخروجه إذا ضممتَ إلى ما سبق ذكره في أواخر «كتاب الفتن» انتظمت له منها ترجمةٌ تامَّةٌ.

منها ما أخرجه من طريق جُبير بن نُفير، وشريح بن عبيدٍ، وعَمرو بن الأسود، وكثير بن مرَّة، قالوا جميعًا الدَّجَّال ليس هو بإنسانٍ، وإنَّما هو شيطانٌ موثق بسبعين حلقةً في بعض جزائر اليمن، لا يعلم من أوثقَه سليمان النَّبي عليه السَّلام أو غيره، فإذا آن ظهوره فكَّ الله عنه كلَّ عامٍ حلقة، فإذا برز أتته أتان عَرْضُ ما بين أذنيها أربعون ذراعًا، فيضعُ على ظهرها منبرًا من نحاسٍ ويقعد عليه، ويتَّبعه قبائل الجنِّ يُخرِجون له خزائن الأرض.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا لا يمكن معه كون ابن صيَّاد هو الدَّجَّال، ولعلَّ هؤلاء مع كونهم ثقاتٌ تلقَّوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب. وأخرج أبو نعيمٍ أيضًا من طريق كعب الأحبار أنَّ الدَّجال تلده أمُّه بقوصٍ من أرض مصر. قال وبين مولِده ومخرجه ثلاثون سنةً، قال ولم ينزل خبره في التَّوراة والإنجيل، وإنَّما هو في بعضِ كتب الأنبياء. انتهى.

قال الحافظ العسقلانيُّ وأخلق بهذا أن يكون باطلًا، فإنَّ الحديث الصَّحيح أنَّ كلَّ نبيٍّ قبل نبينا صلى الله عليه وسلم أنذر قومه الدَّجال [خ¦7127] ، وكونه يولد قبل مخرجه بالمدَّة المذكورة، مخالفٌ لكونه موثقًا في جزيرةٍ من جزائر البحر.

ج 30 ص 131

وذكر ابنُ وصيف المؤرِّخ أنَّ الدَّجال من ولد شقٍّ الكاهنِ المشهور.

قال ويقال بل هو شقٌّ نفسُه أنظره الله، وكانت أمُّه جنِّية عشقت أباه فأولدها، وكان الشَّيطان يعمل له العجائب، فأخذه سليمان فحبسه في جزيرةٍ من جزائر البحر. وهذا أيضًا في غاية الوهاء. وقد أخرج الطَّبراني في «الأوسط» من حديث فاطمةَ بنت قيسٍ مرفوعًا (( أنَّ الدَّجَّال يخرج من أصبهان ) ).

وأقرب ما يُجمع به بين ما تضمَّنه حديث تميمٍ، وكون ابن صيَّاد هو الدَّجَّال أنَّ الدجال بعينه هو الَّذي شاهده تميم موثقًا.

وأنَّ ابن صيَّاد شيطان تبدَّى في صورة الدَّجال في تلك المدَّة إلى أن توجَّه إلى أصبهان، فاستقرَّ مع قرينه إلى أن تجيءَ المدَّة الَّتي قدَّر الله تعالى خروجه فيها، ولشدَّة التباس الأمر في ذلك سلك البخاريُّ مسلك التَّرجيح، فاقتصر على حديث جابر عن عمر رضي الله عنه في ابن صيَّادٍ، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيسٍ في قصَّة تميم، وقد توهَّم بعضهم أنَّه غريبٌ فرد، وليس كذلك؛ فقد رواه مع فاطمة بنت قيسٍ أبو هريرة وعائشة وجابر رضي الله عنهم، سرد الحافظ العسقلانيُّ روايتهم.

هذا وقد تكلَّم ابن دقيق العيد على مسألة التَّقرير في أوائل «شرح الإلمام» إذا أُخبر بحضرة النَّبي صلى الله عليه وسلم عن أمرٍ ليس فيه حكمٌ شرعيٌّ، فهل يكون سكوته صلى الله عليه وسلم دليلًا على مطابقة ما في الواقع، كما وقع لعمر رضي الله عنه في حلفه على أنَّ ابن صَّياد هو الدَّجَّال، فلم يُنِكر عليه، فهل يدلُّ عدم إنكاره على أنَّ ابن صيَّاد هو الدَّجَّال كما فهمه جابر، حتَّى صار يحلف عليه ويستند إلى حلفِ عمر رضي الله عنه أو لا يدلُّ؟ فيه نظرٌ.

والأقرب عندي أنَّه لا يدلُّ؛ لأنَّ مأخذ المسألة ومناطها هو العصمةُ من التَّقرير على باطلٍ، وذلك يتوقَّف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقُّق الصِّحة إلَّا أن يدَّعي مدَّعٍ أنَّه يكفي في وجوب البيان عدم تحقُّق الصِّحة، فيحتاج إلى دليلٍ وهو عاجزٌ عنه.

نعم، التَّقرير يُسوِّغ الحلف على ذلك على غلبة الظَّنِّ؛ لعدم توقُّف ذلك على العلم. انتهى.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولا يلزم من عدم تحقُّق البطلان أن يكون السُّكوت مستوي الطَّرفين، بل يجوز أن يكون المحلوف عليه من قسمِ خلافِ الأولى.

وقال في «المصابيح» وقد يقال هذا محمولٌ على أنَّه لم ينكره إنكار من نفى كونه الدَّجَّال بدليل أنَّه أيضًا لم يسكت على ذلك، بل أشار إلى أنَّه متردِّد. ففي «الصحيحين» أنَّه قال لعمر (( إن يكن هو فلن تسلَّط عليه ) ) [خ¦1354] فتردَّد في أمره، فلمَّا حلف عمر على ذلك صار حالفًا على غلبة ظنِّه، ثمَّ هذا سكوتٌ على حلف على أمرٍ غريب، لا على حكمٍ شرعيٍّ، ولعلَّ مسألة السُّكوت والتَّقرير مختصَّة بالأحكام الشَّرعيَّة، لا الأمور الغيبيَّة. انتهى.

وفيه جواز الحلف بما يغلبُ على الظَّنِّ.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم وأبو داود، فمسلمُ أخرجه في «الفتن» ، وأبو داود في «الملاحم» .

[1] يقصد أنه الخرساني وليس العسقلاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت