فهرس الكتاب

الصفحة 10897 من 11127

7378 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بن عثمان بن جَبَلة المروزي (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، محمد بن ميمون السُّكَّري (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حبَيِّب _ بفتح الموحدة وتشديد التحتية _ ابن ربيعة (السُّلَمِيِّ) بضم السين المهملة، الكوفي المقري

ج 30 ص 168

ولأبيه صحبة، وفي السَّند ثلاثةٌ من التَّابعين على نسقٍ واحدٍ كلُّهم كوفيُّون.

(عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ) بالنصب وفي رواية أبي ذرٍّ بالرفع أفعل تفضيل من الصَّبر، وهو حَبْسُ النَّفْسِ على المكروه، فالله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، فالمراد لازمه وهو ترك المعاجلة بالعقوبة.

(عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ) بتشديد الدال، ويروى بإسكانها (لَهُ) أي ينسبون إليه الولد واستشكل بأنَّ الله تعالى منزَّهٌ عن الأذى؟ وأُجيب بأنَّ المراد أذى يلحقُ أنبياءه إذ في إثبات الولد إيذاءٌ للنَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه تكذيبٌ له وإنكارٌ لمقالته (ثُمَّ يُعَافِيهِمْ) ويدفعُ عنهم المكروهات من العلل والبليَّات (وَيَرْزُقُهُمْ) ما ينتفعون به من الأقوات وغيرها مقابلةً للسَّيِّئات بالحسنات والرَّزاق خالق الأرزاق والأسباب التي يتمتَّع بها، واختلفوا في الرِّزق، فالجمهور على أنَّه ما ينتفعُ به العبد غداءً أو غيره سواءٌ كان مباحًا أو محظورًا، وقيل هو الغداء، وقيل هو الحلالُ، قالوا والرِّزق نوعان محسوسٌ ومعقولٌ، ولذا قال بعض المحقِّقين الرَّزَّاق من رزقَ الأشباح فوائد لطفه، والأرواحُ عوائد كشفهِ.

وقال القرطبيُّ الرِّزق في ألسُّنَّة المحدِّثين السماع، يقولون السَّماع رزقٌ يعنون سماع الحديث، قال وهو صحيحٌ. انتهى.

وحظُّ العارف منه أن يحققَ معناه ليتيقَّن أنَّه لا يستحقُّه إلَّا الله فلا ينتظر الرِّزق ولا يتوقَّعه إلَّا منه فيَكِلُ أمره إليه، ولا يتوكَّل فيه إلَّا عليه ويجعلُ يده خزانة ربِّه، ولسانه وَصْلَةٌ بين النَّاس وبينه في وصول الأرزاق الرَّوحانيَّة والجسمانيَّة إليهم بالإرشاد والتَّعليم وصرف المال ودعاء الخير وغير ذلك لينال حظًّا من هذه الصِّفة.

قال أبو القاسم القشيري من عرف أنَّ الله هو الرَّزَّاق أفردَهُ بالقصد إليه وتقرَّب إليه بدوام التَّوكُّل عليه أرسل الشِّبليُّ إلى غنيٍّ أن ابعث لنا شيئًا من دُنياك، فكتب إليه سلْ دنياك من مولاك، فكتب إليه الشِّبلي الدُّنيا حقيرة وأنت حقيرٌ، وإنَّما أطلب الحقير من الحقير، ولا أطلبُ من مولاي غير مولاي، فسَمَتْ همَّته العليَّة أن لا يطلبَ من الله تعالى الأشياء الخسيسة، وهذا شأن الخواصِّ، وإلَّا فقد ورد فيما أخرجه التِّرمذيُّ عن أنسٍ رضي الله عنه مرفوعًا (( ليسأل أحدكم ربَّه حاجته كلَّها حتَّى يسألَ شسعَ نعله إذا انقطعَ ) )، وزاد (( حتى يسألَ الملح ) ).

ومطابقة الحديث للآية اشتماله على صفتي الرِّزق والقوَّة الدَّالَّة على القدرة، أمَّا الرِّزق فواضحٌ من قوله (( ويرزقهم ) )، وأمَّا القوة فمن قوله (( أصْبرُ ) )فإنَّ فيه إشارةً إلى القدرة إلى الإحسان إليهم

ج 30 ص 169

مع إساءتهم بخلاف طبع البشر، فإنَّه لا يقدرُ على الإحسان إلى المسيء إلَّا من جهة تكليفِ ذلك شرعًا.

وسبب ذلك أنَّ خوفَ الفوت يحمله على المسارعة إلى المكافأة بالعقوبةِ، والله سبحانه وتعالى قادرٌ على ذلك حالًا ومآلًا لا يعجزه شيءٌ ولا يفوته.

وقد مضى الحديث في «الأدب» في «باب الصبر على الأذى» [خ¦6099] .

وقال ابن بطَّال تضمَّن هذا الباب صفتين لله تعالى صفة ذاتٍ، وصفة فعل، فالرِّزق فعل من أفعاله تعالى فهو من صفات فعله؛ لأنَّ رازقًا يقتضِي مرزوقًا، والله سبحانه وتعالى كان ولا مرزوق، وكلُّ ما لم يكن ثمَّ كان فهو مُحْدَثٌ، والله سبحانه موصوفٌ بأنَّه الرَّزَّاق، ووصفَ نفسه بذلك قبل خلق الخلق بمعنى أنَّه سيرزق إذا خلق المرزوقين، والقوَّة من صفات الذَّات وهي بمعنى القدرة ولم يزل سبحانه وتعالى ذا قوَّة وقدرة ولم تزلْ قدرتُه قائمةً بذاته موجبةً له حكم القادرين.

والمتين بمعنى القويِّ، وهو في اللُّغة الثَّابت الصَّحيح.

وقال البيهقي القويُّ التَّامُّ القدرة، ولا ينسبُ إليه عجزٌ في حالة من الأحوال، ويرجع معناه إلى القدرة، والقادر هو الَّذي له القدرة الشَّاملة والقدرة صفةٌ له قائمةٌ بذاته، والمقتدر هو التَّامُّ القدرة الَّتي لا يمتنعُ عليه شيءٌ. وفي الحديث ردٌّ على من قال إنَّه قادرٌ بنفسه لا بقدرةٍ؛ لأنَّ القوَّة بمعنى القدرة، وقد قال تعالى إنه {ذو القوة} . وزعم المعتزلي أنَّ المراد بقوله {ذو القوة} الشديد القوة، والمعنى في وصفه بالقوَّة والمتانة أنَّه القادر البليغُ الاقتدار، فجرى على طريقتهم في أنَّ القدرة صفة نفسية خلافًا لقول أهل السُّنَّة إنَّها صفةٌ قائمةٌ به متعلِّقةٌ بكلِّ مقدورٍ.

هذا وقال غيره كون القدرة قديمة وإفاضة الرِّزق حادثة لا يتنافيان؛ لأنَّ الحادثَ هو التَّعلُّق وكونه رزق المخلوق بعد وجوده لا يستلزم التَّغيُّر فيه؛ لأنَّ التَّغيُّر في التَّعلُّق فإنَّ قُدْرته لم تكن متعلِّقة بإعطاء الرِّزق بل لكونه سيقع، ثمَّ لمَّا وقع تعلَّقت به من غير أن تتغيَّر الصِّفة في نفس الأمر، ومن ثمَّة نشأَ الاختلاف هل القدرة من صفات الذات أو من صفة الأفعال، فمن نظرَ في القدرة إلى الاقتدار على إيجاد الرِّزق قال هي صفةُ ذاتٍ قديمة، ومن نظر إلى تعلُّق القدرة، قال هي صفةُ فعلٍ حادثة، ولا استحالة في ذلك في الصِّفات الفعليَّة والإضافيَّة بخلاف الذَّاتية، والله الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت